هذه الصفحة تعتمد على صفحات الطرز المتراصة (CSS)
2013/06/14

من شهر حلمت أن عندي قطتين صغيرتين...واحدة حمرا و الثانية سودا

القطتين ما كانوش من نوع من أنواع القطط المعتادة، كانوا من نوعية "قطط الرفوف"..القطط ال بتقضي حياتها على رفوف الكتب في المستويات العليا من الحجرات المنزلية، و بتتنقل من رف إلى رف بطريق "الانزلاق الهوائي" ال هو مهارة محصورة في السلالة دي من القطط، سلالة القطط العظماء من أمثال بست و قطة تشِشَيَر و قطة شرودنجر و فلفل.

النوعية دي من القطط لا بتاكل و لا بتشرب و لا لها فضلات، و أظن كمان أنها مش بتكبر. مش متأكد من النقطة دي. لكن شكل القطتين و هم بيتمشوا فوق الكتب، أو نايمين مدلدلين يد أو قدم و بيهزوا الديل برتابة، أو هم بينزلقوا في الهوا في صمت من رفّ إلى رف كان لطيف جدا و مريح.

في الحلم مرّت مشاهد من رفوف مختلفة في بيوت مختلفة عشت فيها. لكن كانت فيه أزمة في الحلم: ماكنتش متأكد هل أنا باتخيّل و إلا باتذكّر.

أنا كنت واعي أني باحلم، لكني ماكنتش قادر أتأكد إن كان دا خيال و لازم أقبله على أنه كدا، و إلا إن كنت أنا باحلم بذكرى حصلت.

في الحلم، حاولت أسأل أمي إن كان في أي وقت من الأوقات عندنا قطتين صغيرين من قطط الرفوف، واحدة سودا و الثانية حمرا، لكن في كل مرة كان دا بيحصل الحلم كان بيعطل منطقيا و يوقف. زي ماتوقف مشهد فيديو و تعيده، أو زي ما مشهد ينعاد تقريبا بنفس التفاصيل لكن باختلاف في مستوى ما غير محدد، زي مشهد القطة السودا في الجزء الأوّل من فلم ماتركس.

أنا كنت عارف أني باحلم و بالتالي ماكنتش واثق في أن الإجابة ال هتجيلي في الحلم على سؤالي ممكن أثق فيها و أصدقها، فبالتالي عالم الحلم ماكانش نافع أنه يحقق اتّساقه، و تداعي بعد كم محاولة..و صحيت.

2012/11/21

916 سيدي جابر

ما حدث حوالي الساعة 14:00 في قطار 516 على رصيف محطة سيدي جابر يوم 18 نوفمبر كان في نظري دالا على حال مصر.

على غبار التجديدات التي لم تتم بعد المتناثر على الأرصفة وقفت مع كثيرين غيري، كلٌ ينتظر قطاره.

قطارات الضواحي و القرى، أبو قير و ما شابهه، تتوقف في المحطة لثوان كل بضع دقائق ثم تتركني أفكّر كيف كانت حياتي ستصبح لو كان علي ركوب مثل هذا القطار يوميا إلى مدرستي و منها، مثل الألوف من هؤلاء الفتية و الفتيات.. كهل يمشي بتؤدة بعد أن نزل من عربة قطار رآها مزدحمة أكثر من طاقته على الاحتمال؛ ينتظر التالي.

التباين بين المطموح إليه بالتجديدات في المحطة و بين حالة القطارات كذلك كان دالا: المحطة التي كانت رايقة على طراز معماري بسيط مفتوحة على السماء تحوّلت إلى النسخة المصرية من محطة عصرية مُطوّرة: سُقِفت بدور علوي صُمّم ليضم محال تجارية و مقاه على ردهات بأبواب زجاجية ذوات أطر معدنية، و كُسيت جدرانها بالرخام، و وضِعت فيها سلالم متحركة سد أحدها نصف المدخل القديم للمحطة إلى الرصيف البحري. في مكاتب الموظفين تكدّست معدات حاسوبية جديدة، شاشات و طابعات لا تزال في صناديقها. أقارن بينها و بين التي يعملون عليها في شباك التذاكر؛ تحديثة جديدة، جراحة تجميل لجسم متداع. تذكرة الدرجة الثانية المكيفة قيمتها 35 جنيها.

تذكرة القطار 916 يوم 2012-11-18

بعد الساعة الثانية بدقائق وصل القطار المباشر المتجه إلى القاهرة. بينما القطار يدخل المحطة أسمع هتافا أعرف وقعه جيدا و أميّز بعض كلماته، هتاف طلاب جامعيين ينددون بحادثة قطار منفلوط الواقعة قبل يوم و يطالبون محاسبة المسؤولين. لا أرى المسيرة على الرصيف المقابل إلا لمحا أقدّر منه عددهم بعشرات لأن مرور القطار يحول بيننا، لكن الصوت لا يزال يصلني.

فور توقف القطار أنتبه إلى أني على الرصيف الخطأ متصورا أنه لن يقف كثيرا، فأهرول إلى الرصيف الآخر. أصعد إلى العربة الخامسة و أبحث عن المقعد رقم 16 و أجلس. المسافرون حولي من الطبقة الوسطى بفئاتهم. أتأهب للغفو. من آن لآخر تُسمع مكالمة تليفونية يُبلغ فيها أحدهم محادثه بقرب انطلاق القطار، و دعابة عن ركوب القطارات غير مضمون العواقب هذه الأيام، تنتهي بتمني السلامة و الدعاء بستر الله.

يندفع قادم من عربة مجاورة يظهر أن التكييف مش شغّال. في لحظات يعلو التذمر، و تبدأ مشاورات التصرف. رجل يبدو أنه محام يهدد بأنه - مفترضا تضامننا - لن يسمح بانطلاق القطار على هذا الحال، حتى لو نزلنا لنقف أمامه على القضبان، فيلقى كلامه استحسان البعض. الجالسة أمامي تتذمر بلا انقطاع من تعطيل الحال و تنخرط في تبادل الشكوى مع الجالس إلى جوارها الذي ألمحه عند التفاتها عنه يرمقها بنظرات تفحّص متحفّظ، يقترح آخر أن نكتب شكوى نودعها في إدارة المحطة، قبل أن يقترح المحامي تشكيل وفد لمحادثة رئيس القطار و عرض مطالب تتضمن رد قيمة التذكرة أو قيمة التكييف، و يبين لنا حبير بأننا لن نرى وجه مسؤول واحد حتى ينطلق القطار و يفوت أوان الشكوى.

من ثنيّات النقاش و اقتراحات الحلول راكب آخر يخبر العربة بأن القطار لن يغادر المحطة لأن المتظاهرين قابعون على القضبان أمامه احتجاجا. يتحول الموقف دراميا: يعلو التذمر الجارف من تداعي حال البلد كلها فتتطاير الشكوى من كل صوب و من كل شيء في البلد. ينال المتظاهرين و الثورة نصيبا وافرا من التذمر و اللوم و السباب، كل راكب و ضميره، فأسمع ضمن ما قيل "شوية عيال فاضيين" و لا مش فاضيين... و عن بعد شوية شيوعيين معطلين البلد...

تنهض الجالسة أمامي خارجة من القطار بسرعة و قد فاض بها الكيل متوعدة بأنها سترجع التذكرة غصبا عنهم و تركب سيارة أجرة لترجع إلى أبنائها في الموعد، و أثناء اندفاعها تكون قد طال تذمرها رئيس الوزراء الذي يُبدي أبناء غزّة التي تتحكم في مصر على أبناء مصر المنكوبين، قبل أن يضع أحمر الشعر المندفع عبر ردهة العربة إلى المخرج واسطة عقد التذمر بعبارة يطلقها و هو يحفّ مقعدي في طريقه إلى الخارج مرسي دا أزفت واحد أصلا مجددا قوة النقاشات الجانبية التي تزخر بها العربة و مغيرا في اتجاه كل منها بمقدار. عن بعد أسمع ما هم قبضوا على عامل المزلقان... و ...الوزير استقال...إيه المطلوب ثاني!... و ...الحكومة...

لا يقطع موجات التذمر و النقاش المتتالية غير صياح أحدهم أن الشرطة تضرب المتظاهرين لتزيحهم عن السكة، و قبل أن ينهي عبارته يتحرك القطار عنوة مستغلا ثغرة فتحتها الشرطة فيندفع بسرعة مغادرا الرصيف قبل أن يتوقف في منطقة المناورة مجددا، بعد بضع اهتزازات و مراوحة في المكان، يعاود الانطلاق لبضعة أمتار قبل أن نسمع أصوات ارتطام حجارة. ينبطح بعض الركاب، و أنظر عبر النافذة لأرى صبيا يحمل حجرا يمر به القطار سريعا.

مع تحرّك القطار عاد بعض الحديث إلى مسألة التكييف العطلان. قال المحامي ذو المركز القيادي في انتفاضة التكييف: إذا جاء المحصل لا تخرجوا تذاكركم..فأضاف آخر لو أعطاه واحد تذكرته فسنخسر كلنا موقفنا.

دلف رئيس القطار خَلفَه فنيّ، فانبرى لهم الجميع مبدين التذمر و الضيق و الشكوى، فحاول الرجل تهدئتيهم، إلا أن شيخا ملتحيا ريفي السَّمت بالغ في الصراخ و الاحتجاج، فعندما احتد عليه مساعد رئيس القطار مطالبا إياه بالجلوس ريثمات يُصلح التكييف، فتمتم الشيخ غاضبا ثم عاود الصراخ محوّلا الشكوى إلى "بتوع الثورة ال عاوزين يعملوا ثورجية و بيعطلوا القطار و يقذفوه بالحجارة" قبل أن يعاود الجلوس.

مكالمات الركاب مع ذويهم و منتظري وصولهم تغيّر حشوها من حادثة أسيوط إلى أحداث اليوم: رموا حجارة و كسّروا القطار علينا تكررت عبارات مشابهة في مكالمات أحدهم مرات عديدة فيما بعد خلال الرحلة حتى ظننته بلّغ كل أهله و عشيرته.

ما حدث بعد ذلك في الرحلة أغلبه لا يهم.

2012/10/28

بعد سِتِّ سنواتٍ

بعد ستّ سنوات أُزيلُ لافتة "قضاءً مصريًا مستقلًا" التي عملتها في حملة نشطاء و مدونين لدعم قضاة الاستقلال في 2006، و التي بِتُّ لها في ميدان التحرير لأول مرة في مارس 2006 و التي حُبس لأجلها معارفي و أصدقائي و نشطاء عديدون شهرا و يزيد و التي لأجلها ترجمت مقالات بهية عن القضاة المصريين و نضالهم التاريخي، و تابعت كغيري أخبار حركة استقلال القضاء. نعم الثورة شخصية.

صار رموز قضاة الاستقلال نوّابا و مستشارين للرئيس و رؤساء لجان التأسيس لدستور جديد، يبررون أخطاء و هفوات الرئيس، و يسهلون كتابة دستور يعلمون تهافته، و غضّوا الطرف عن نيابة يعلمون فسادها و ناديا يعلمون رذائل القائمين عليه، و يُبرؤون قَتَلَة الثوارِ.

لا أقول إن دعم القضاة كان خطأ، و لا أظن أن أيا ممن باتوا علىٰ رصيف نادي القضاة ثم باتوا في الحبس شهرها نادمون، فكل ذلك كان مما ليس منه بد.

حضرات السادة المستشارين: لستم القضاء، و لا يعنينا أيّكم بشخصه. القضاء الذي ننشده كالدولة التي ننشدها ليسا موجودين إلىٰ الآن سوىٰ في أحلامنا. من دعموكم منذ سنوات، و غيرهم، كانوا في قلب الثورة التي مكنتكم اليوم من أن تظنوا أنكم أنتم أيضا سلطة سيدة قرارها. لستم أسياد شيء. و الوضع الوحيد المقبول لنا اليوم هو أن يكون القضاء سلطة مغلولة يدها بيد كل سلطة أخرىٰ ككل سلطة أخرىٰ.

حضرات المستشارين أنبهكم إلىٰ الحقيقة الثابتة في قضيتكم المطروحة اليوم علىٰ شعب مصر ليفصل فيها: السبب الوحيدالذي لأجله كان أن حُرِقَت مراكز الشرطة و تُرِكَت المحاكم في يناير 2011 هو ظنُّ الشعب أن مؤسسة القضاء قابلة للإصلاح.

الشعب يريد تطهير القضاء

لقطة الصفحة الأولىٰ من مدونة طيّ المُتَّصل يوم 2012-10-16

00:35 01-11-2012

ربما وجب عليّ توضيح أن دافعي المباشر وراء كتابة هذه التدوينة - إلى جانب الإحباطات المتوالية من أداء جمهور القضاء منذ لحظة الثورة إلا فيمن ندر - كان الأزمة السياسية التي سببها فشل مناورة الرئيس مرسي لإزاحة النائب العام بعد تسرّب أنبائها إلى الصحافة مبكرا، و ما تلا ذلك من تضارب في التصريحات و اختلاف في التفسيرات، و ما واكبه من نقاش بشأن استقلال القضاء و تجاوز الرئيس سلطاته القانونية أو سعيه إلى الانفراد بالسلطة، و تمترس لباطلين في القضاء خلف موقف يبدو حقا، و اختلاف مواقف القوى السياسية ما بين مؤيد للرئيس في المطلق بمبرر سعيه إلى التطهير و مؤيدين للنائب العام بذريعة استقلال القضاء في المطلق، و من هم بين هذا و ذاك، من مؤيدي المبدأ المعترضين على الصيرورة، فإن رأيي في تلك الأزمة هو أن النائب العام عبدالمجيد محمود لا تزال إزاحته - على الأقل - واجبة لكونه من أركان الدولة الفاسدة.

و رأيي في المسألة العامة أن السلطة القضائية - ككل سلطة أخرى - ينبغي أن تكون خاضعة لتوازن في القوة مع السلطتين الأخريين. يجب أن يكفل التشريع حق البرلمان في سحب الثقة من النائب العام بتصديق رئيس الجمهورية، و أن تكفل الممارسة السياسية ذلك و تعده موجبا لاستقالة النائب العام. و بالعكس، ينبغي أن يكفل التشريع إمكانية طلب الرئيس سحب الثقة من النائب العام بموافقة البرلمان. هذه التحكمات، إلى جانب الضغط الشعبي، هي من أعمدة تحقيق استقلال كل السلطات و مراقبتها، و تفعيل الصراع السياسي القائم ليصبح تنافسا يؤدي إلى تداول كل السلطات بين القوى المختلفة حينما يطرأ ما يستلزم ذلك، و وضع كل سلطة دوريا في اختبار أمام الشعب، لئلا تعاود السياسة اختناقها بتركز القوة في يد سلطة بعينها، و لئلا يتحصن تيار سياسي خلف أسوار سلطة بعينها يسيطر عليها، و يستغلها في الإفساد بذريعة استقلالها و بزعم سيادتها قرارها.

تداعيات:
§ ألِف @ 04:14  
+   الرابط الدائم | تلقيمة تعليقات التدوينة | نسخة من شبكة CORAL
2011/11/22

</SCAF>

الفَتقُ فِي مُتَّصَلِ الزَّمَكَانِ سَيَبتَلِعُ شَارع مُحمد محمود لِيَبقى في لحظةٍ أبديةِ الامتدادِ مِن نضال الإنسان ضد السُّلطة و جهاده لأجلِ الحريةِ، يقفُ على طرفيه خصوم أزليون يمثلون القيم المطلقة، بينما ستعود الحياة في الشوارع المحيطة يوما إلى ما كانت عليه فلا يعودُ أحد يرى أو يسمع أو يشم ما يجري في شارع محمد محمود، بل لن يوجد له ذِكرٌ في كتب التاريخ.

أحداث:
§ ألِف @ 17:48  
+   الرابط الدائم | تلقيمة تعليقات التدوينة | نسخة من شبكة CORAL
2011/07/11

تدوينة فئوية: الثورة تكمن في التفاصيل

بينما أخي و أصدقائي و رفاقي معتصمون في التحرير، أخوض أنا معركة صغيرة جانبية، في شارعي.

التدوينة التالية في معظمها متن بلاغ مكتوب تقدّمت به إلى نقطة الشرطة شاكيا قطع شجرتين على رصيف عقارنا.

السيد مأمور قسم المقطم..بعد التحية،

أتقدم أنا أحمد حامل البطاقة الشخصية رقم ×××××××××××××× القاطن في شقة 1 في الدور الأرضي من العقار القائم في قطعة ×××× في شارع 17 في المقطم ببلاغ لإثبات حالة تعدٍ على أشجار الشارع العمومي المعمرة أكثر من 15 سنة قام بها المدعو محمد مستأجر الدكان الواقع في الدور الأرضي من العقار القائم في القطعة ×××× الملاصق لمحل سكني، و ذلك بالمخالفة للمادة 367 من قانون العقوبات الذي يحظر إتلاف الأشجار و يعاقب عليه بالغرامة و الحبس، و ذلك لتضرري المباشر من ذلك لأن تلك الشجرة ملكية عامة كانت تظلل علينا و على سياراتنا علاوة على المخالفة القانونية الصريحة.

إذ أنه مساء يوم الجمعة 8 يوليو 2011 رأيت المدعو الشيخ محمود خادم مسجد ×××× المواجه للعقار المذكور عاليه و بصحبته شخص آخر لا أعرف اسمه و قد فرغا للتو من قطع شجرة فيكَس من ساقها الرئيسي عند سطح الأرض، كانت الشجرة قائمة على طرف الرصيف المحاذي للعقار القائم في قطعة ×××× الموالي لمحل إقامتي، و عندما أعلمتهم أن إتلاف الأشجار القائمة في الطرق العمومية محظور قانونا و سألتهم عمن طلب منهم القيام بذلك أخبروني أنه المستأجر الجديد للدُّكان الذي يقع في الدور الأرضي من العقار ×××× و أشاروا إلى الدُّكان، فطلبت منهم عدم تكرار قطع الأشجار في الشارع.

مساء يوم الأحد 10 يوليو خرجت من بيتي على صوت سقوط شجرة أخرى و ذلك لانزعاجي من استمرار تقطيع أشجار الشارع و كذلك خشية أن تكون قد سقوطها قد أتلف سيارتنا التي تقف أمام مدخل منزلنا الملاصق لمكان وقوف الأشجار، أو أن تكون أتلفت الأشجار القائمة أمام بيتنا، فوجدت المدعو الشيخ محمود خادم المسجد و معه ذات الشخص المذكور في واقعة يوم الجمعة المبينة عاليه و قد فرغوا للتو من قطع شجرة التوت التي كانت محاذية لشجرة الفيكَس المقطوعة في الواقعة السابقة، علما بأنهم كانوا قد قاموا سابقا يوم الجمعة 8 يوليو بتقليم شجرة التوت فأزالوا كل أفرعها السفلية على ارتفاع 4 أمتار من الأرض. مع العلم بأن سقوط الشجرة لم يتسبب في تلفيات في سيارتنا.

ح

عندما خاطبت الشخصين القائمين بالقطع معيدا على أسماعهما حظر قطع الأشجار و مستعلما عن سبب تكرار الفعلة بعد واقعة يوم الجمعة وجدت المدعو محمد مستأجر الدكان يصيح فيّ من مجلسه على نحو مهين و ينهرني و يقول أنت شكلك ماتعرفش أنا مين و وريني هتعمل إيه..روح اعمل ال عاوز تعمله و اشتكيني و عندما أخبرته أنه ليس من حقه كمستأجر للدكان قطع أشجار الشارع و لا التصرف فيها لأنها تخص الشارع و سكّانه سبّني بقوله دا شكله مجنون و كان ذلك أمام حضور لا يقل عددهم عن عشرة، فيهم المذكورين عاليه و آخرين يعملون لحساب المدعو محمد في إنشاءات المقهى الذي يعتزم افتتاحه، و في حضور شخص يدعى صلاح يتواجد أحيانا في الشارع أمام العقار المذكور يبيع السجائر من على الرصيف، و كذلك في حضور والديّ اللذان يقطنان معي في المنزل نفسه، و ×××× بوّاب العقار الذي أقطنه، و في حضور أشخاص آخرين. كما وجّه إليّ تهديدا مستترا بالإيذاء الجسدي و أبدى حركات يُفهم منها أنه بصدد التعدي عليّ بالضرب، فدخلت إلى منزلي و لم يحدث بيني و بينه أو أي من المذكورين تعامل و لا تخاطب من ساعة تلك الواقعة و حتى ساعة تقديم هذا البلاغ.

أطلب إثبات هذه الواقعة في دفتر أحوال القسم و انتداب مندوب من القسم لمعاينة محل الوقائع و بقايا الأشجار المقطوعة قبل إزالتها الجارية حاليا و سؤال الأشخاص المذكورة أسماؤهم.

في 11 يوليو 2011

أحمد

بطاقة رقم ××××××××××××××

الأمين عاطف قام بواجبه قدر استطاعته فصاغ بلاغي بأسلوبه مستخدما التعبيرات و التراكيب المعتادة في المهنة معيدا سرد الأحداث بمقادير متباين من التفاصيل و السيّاق، لكنه على الأقل أرفق شكواي المكتوبة بالمحضر. ربما سيتمكن مؤرخ في المستقبل من فهم شيء يذكر من واقعة الشجرة في شارع 17 في شهر يوليو 2011.

م

يخبرني الأمين أنهم سيفعلون ما بوسعم، لكن اﻷقوى منهم شرطة البيئة، كما أنه مع علمه بأن افتتاح المقاهي بين العمارات مخالف إلا أن غرامة 101 جنيه لا تردع أحدا و أن الشرطة مالهمش حاجة عند المواطن، لذا فهم يستعملون الورقة و القلم و أن القوانين يجب أن تتغيّر.

معركتي الهامشية في جوهرها مثال أصيل لما ثُرت أنا لأجله: حياة أفضل للجميع و حكمٌ محليّ أقرب إلى الرشد، يحفظ كرامة الناس أن يستيقظوا يوما في شارع كانوا سكنوه فإذا بهم لا يعرفوه. لستُ من أشد الناس تضررا من البطالة و الغلاء، و أظن هذا السبب ذاته يجعل حظّي من المعاناة على يد الشرطة و الدولة المعسكرة أقل كثيرا من أغلب أقراني الذين ثُرت معهم لأجل الحرية و الكرامة. لكني أريد أن أعيش في شارع أملكه مع جيراني في حي نملكه جميعا في مدينةٍ ننتمي لها و نألفها كما نألف بيوتنا في بلدٍ نشعر أننا، في المجمل على اﻷقل، نديره و نحدد مصيره، لا يُسيِّره كما يهوى انتهازيٌّ مارٌّ جَراديّ النزعة لا يرى في كل ما يحيط به سوى وسيلة لربح محتمل، وزيرا كان أو رئيسا، أو صاحب مقهى، مُدركا و مُستغلا أن حتى أولئك الذين يأبهون و لديهم رفاهية الغضب لشجرة سيعجزون لأن تظلماتهم ستسقط غالبا بين سنون العجلة.

ربما غضبت أنا لشجرة، و ربما يشكو ملايين غيري عوَز ما هو أكثر إلحاحا، لكنها في المجمل التفاصيل الفارقة بين أن نتقدم، و أن نظل على الكفاف كمجتمع.

م

أذكر حكاية أحد عن شجرة أخرى تصادف أن قاطعها كان كذلك خادم مسجد. أتمنى أنها مصادفة.

تداعيات,مشاهدات
§ ألِف @ 13:41  
+   الرابط الدائم | تلقيمة تعليقات التدوينة | نسخة من شبكة CORAL
2011/05/09

متضامن؟..تستحمل

نشرتُ النوتة التالية على فيسبوك يوم 4 يناير 2011 إبان دعوات التضامن مع المسيحيين عقب التفجير الذي وقع في كنيسة القديسين في الإسكندرية. دعوات التضامن تلك أحدثت أثرا إيجابيا ملموسا وقتها، كانت ذروته مشاركة رمزية لعديدين من غير المسيحيين في قداسات الميلاد، حتى إن تلفزيون الحكومة نقل أخبارها و هو الذي عُرف بتجاهله لمثل هذه الأحداث و كذلك لردود الافعال الشعبية حيالها، كما كانت تلك أكبر حركة احتجاجية قبيل الثورة.

و ها أنا أنشرها مرة أخرى اليوم بعد الثورة تذكيرا لمن ينوون إبداء تضامن مع المحتجين عند ماسبيرو عقب اشتباكات إمبابة الطائفية التي أُحرقت فيها كنيسة و انتُهكت حرمةُ أخرى.

المسلمين ال ناويين يروحوا يتضامنوا مع المسيحيين ليلة عيد الميلاد في الكنايس؛ سواء كانوا رايحين مع أصدقاء مسيحيين و هيدخلوا يحضروا القداس، أو ناويين يقفوا دروع بشرية، لازم يفهموا أنه مش لمجرد أنك رايح تتضامن و تواسي و تبدي تعاطفك فالطرف الآخر مجبر على شيء.

دي فرصة أن الناس تتواصل و ال مش فاهم نحاول نفهمه بالتصرف الفعلي. بصبر المسلمين المشاركين، و تعاون أصحابهم المسيحيين ال هم جايين معهم.

دا ظرف طارئ و الناس فيه مركزة في المسألة دي أكثر من أي حملات أو شعارات في الهوا بعدين.

لكن كمان وارد أن مسيحيين ينفعلوا و يتعصبوا، بالفعل أو بالقول، المباشر أو التلميح، و مشاعرهم تفلت، فالمسلمين الرايحين يشاركوا و يتضامنوا و ينصروا إخوانهم لازم يتفهموا دا و يتحملوا، و ال يحس أنه مش قادر يتواصل كما ينبغي، بهدوء و ذوق، لتوضيح حسن نيته و تعاطفه و حزنه يمشي في سلام.

الصبر واجب مع المسيحيين، و للأسف مضطرين يكون كمان مع الشرطة و الحرس. اعتبر أن دي مصلحة مباشرة لك رايح تقضيها و مستعد تستحمل و تطنش في سبيلها، مش رايح مجاملة و لا منّة.

ال فاكر أنه ممكن يتصرف زي العيال الصغيرين و أن من حقه يغضب لو بادرته ماتقبلتش، يبقى مايروحش.

اقرأ كذلك مقالة عمرو عزّت في المصري اليوم بعنوان خرافات الحارات التي تضعنا أمام الحقيقة

أحداث,تداعيات
§ ألِف @ 16:16  
+   الرابط الدائم | تلقيمة تعليقات التدوينة | نسخة من شبكة CORAL
2011/01/20

يَومُ اللَّجَّةِ

في يوم ليس ببعيد سندخل إلى ساحة عابدين على ظهور الأفيال منتصرين، كما حنّبعل

سنهزم الطير اﻷبابيل..سنتحمل الضربة الجوية الأولى و نتخذ السواتر ثم سنظهر..في أيدينا حجارة و شوم و خوذات الأمن المركزي

نقذف بها الذين في أيديهم النار المحرقة فيولون الأدبار..أما الكبار منهم فإلى مطار ألماظة و مطار شرق القاهرة لتكون نهايتهم حيث كانت بدايتهم

و أما الأعوان و الصغار فستدمع أعينهم و ترتسم البلاهة و الطيبة على وجوههم في غمضة عين، و سيحضنون الجموع، فيزهق بعضهم و يُستبقى آخرون

و ستدخل الأفواج من كل مكان، 6 أبريل و 25 يناير، و شعب 6 أكتوبر كذلك سيزحف، لكن شعب التجمع أكثرهم خشب مسندة، شعب 15 مايو يأتي من الميسرة، و أما شعب 10 رمضان فمن الميمنة

ثم ينبلج في الغرب ضوء بعيد تحسبه الجموع سفينة الغرباء العائدين، حتى يعلموا من هو

يظهر من وسط الضوء البرادعي، على رأسه خوذته ذات القرنين و في يده بلاك‌بري شاشته تشع نورا باهرا في اتجاه الشرق، محمولا فوق موج هادر من الأيادي كنجم روك أند رول، كلما واجهه جبل من الماء أو دوامة بلا قرار صاح "يا مُسقّر شيّد هنا منارة عليها تمثال من نُحاس لتَسكُن الريحُ و يَستوي الموجُ"..حتى يصير له الأمر

في ذلك اليوم الصيفي سيظهر غمام فوق القاهرة فيستحسن الشعب ذلك، و كذلك الحيتان التي تسبح فوق الغمام

أما 30 فبراير فلن يراهم إنسان رغم أنهم سيكونون في عين اللجة


مهداة إلى ناجي في أزمته الوجودية، ليذكر أنه أحمد

هسهس
§ ألِف @ 15:08  
+   الرابط الدائم | تلقيمة تعليقات التدوينة | نسخة من شبكة CORAL
2011/01/02

مُنَمناتٌ طائِفِيّة

سنة 2006 وقعت صدامات طائفية في الإسكندرية تبعة لتوترات سبقتها، حفّزت نقاشات طويلة و تفاعلات على الوِب تواكبت مع - و زادت من - صعود المدونات و ظهور الصحافة الشعبية و استخدام الإنترت في النشاط الاجتماعي، بادرت عقبها مجموعة من المدونين أذكر منهم شريف عبدالعزيز و رامي كرم و رامي سيدهم و نهال عمران و مينا جرجس بمقاربة لدراسة للواقع الاجتماعي الثقافي لتَبَيُّنِ مؤشرات على الواقع الديني الطائفي في مصر.

لم تقتصر مبادرتهم معا أمام الله على استبيان حُلّلت نتائجه و نشرت أجزاء منها، بل كذلك تضمنت لقاءات و ورشات عمل نظّمها و قادها و تحدّث فيها شباب ممن هزّت الصدامات الطائفية المتسارعة وجدانهم. بعضهم مثل شريف عبدالعزيز شُغل، و لا يزال، تشغله هذه المسألة أكثر من أي شيء آخر، و هو دائم التفكير و التحليل و الكتابة فيها.

أذكر هذه المبادرة و أعلم أنها ليست الوحيدة، لكنها ما أعرفه بحكم بصلتي بمن قاموا عليها، و ذلك مع أني لم أشارك في أي من أنشطة المبادرة لقناعة كانت لي وقتها بأن حل الأزمات الطائفية لا يُمكن أن ينشأ من داخل خطاب أساسه الدين.

عندما أنظر إلى تاريخ المدونات المصرية أجد أن الأزمات الطائفية كانت دافعا مباشرا لعديدين أن يبدأوا التدوين، في أكثر من موجة، بنشر أفكارهم و مقارباتهم و المشاركة بخبارتهم في تلك المحاورة الجامعة التي هي الإنترنت. أزمة الطائفية في مصر ليست غائبة عمن أحسبهم صفوة المجتمع المصري، و مثلها مثل أزمات اجتماعية و سياسية و اقتصادية أخرى عديدة تنبأ بها حقوقيون و اجتماعيون و اقتصاديون و مخططون منذ سنوات طويلة. فأين العجز!

قبل المبادرة كان راء و ميم في سين و جيم عن النصارى و المسلمين.

أما آن الأوان لنشر النتائج الكاملة لدراسة لتلك المبادرة و إلحاقها بدراسة جديدة علّها تُبين لنا ما تغيّر بين ما رصده جار القمر سنة 2011 في تويتر و ما كان رصده سنة 2006 في مدونته؟

سنة 2006 كتب جارالقمر:

سمعت عشرات النظريات المريضه التي طالما سمعتها في طرفنا . عن تخطيط المسلمين لإفساد فرحة المسيحيين بالعيد القادم ..و اخر عن الموساد ودوره .. و ثالث عن مبارك و مصلحته في الفتنه .. اما مجدي جرجس وهو محاسب .. فقد اصر على الصحفيه الامريكيه ان تكتب الحقيقه للعالم .وان تفهم ان البابا شنوده لا يريد التصريح بان هناك اضطهاد حتى لا يفجره فعلا ... وقال اكثر من مره : احنا مش عايزين امريكا تدخل زي العراق .. احنا عايزين قرصة ودن بس .. دي بلدنا اساسا واحنا نخاف عليها اكتر منهم بكتير
منذ واقعة تفجير كنيسة في الإسكندرية ليلة أوّل أيام سنة 2011 إلى اليوم احتمدت النقاشات مرة أخرى، هذه المرة في فضاءات اجتماعية سبرانية جديدة هي فيسبوك و تويتر؛ بعضها بدأ من الصفر، و بعضها سعى للبناء على ما سلف، طُرحت فيها نظريات و تفسيرات قديمة، و دُفع فيها بهلاوس عتيقة و ضلالات حديثة تتوافق مع ما استجد، وكذلك مبادرات جديدة، أبرزها حتى اليوم الدعوة إلى مشاركة جماعية للمسلمين في قُداسات يوم عيد الميلاد القبطي بمصاحبة معارفهم من المسيحيين، و الحشد إلى وقفة حداد صامتة نهار 29 كيهك (السابع من يناير)، مُذكرة بسلسلة وقفات صامتة نفذها في أرجاء مصر ألوف من الشباب حدادا على شهيد تعذيب الشرطة خالد سعيد، و احتجاجا.

اقرأ كذلك تقرير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بعنوان العنف الطائفي في عامين..ماذا حدث؟ ومن أين نبدأ؟ دراسة تحليلية للفترة من يناير 2008 حتى يناير 2010.

تداعيات:
§ ألِف @ 22:52  
+   الرابط الدائم | تلقيمة تعليقات التدوينة | نسخة من شبكة CORAL
2010/12/22

متحف الزراعة العالمي

متى كانت آخر مرة زُرت فيها المتحف الزراعي؟

أو لأعد صياغة السؤال: متى كانت آخر مرة زرت فيها المتحف الزراعي بإرادتك، ثم خرجت منبهرا؟

أنا زرته مرتين، آخرهما مجاملة لصديقة أجنبية منذ عشر سنوات، دفعت للدخول أرخص تذكرة في الوجود، عشرة قروش صاغا، و خرجت حزينا على الفرصة المهدرة. لو زرته اليوم لربما كنت مجبرا على دفع خمسة و عشرين قرشا لا لشيء غير أن عملة العشرة قروش لم تعد متداولة.

ثم زرته الليلة.

متحف الزراعة العالمي

ففي مركز الصورة المعاصرة في 22 شارع عبدالخالق ثروت في القاهرة، و لمدة محدودة، يوجد متحف اللزراعة العالمي، و هو عرض مفاهيمي مركّب تثير من خلاله صاحبة الرؤية و قائدة فريق العمل، الإسبانية أسونثيون مولينوس گوردو، قضايا الغذاء و البيئة و الجوع و التنوع الأحيائي.

دعك مما اعتدته من أعمال التركيبات في الفراغ التي هي بحق في معظمها رَكاكات تُهدَر عليها المساحات في المعارض و متاحف الفنون، لا مغزى من وراءها سوى محاولة التذاكي، فعمل أسونثيون إن جاز تصنيفه ضمن أعمال التركيبات في الفراغ المفاهيمية، هو أوّل عمل من هذا النوع و الحجم يُبهرني على مستويات عدة، و هو يليق بالعروض التي تُنشئها المتاحف و مراكز التعلّم و الاستكشاف و التوعية؛ واجهةٌ مُنَفَّذَةٍ بإتقان لفكرة واضحة قام عليها جهد بحثي جاد.

المبهر في العرض ليس جِدَّة التقنيات الفنية، و لا البراعة في استخدام المواد و تطويعها، و لا باطنية الفكرة و مراوغتها، فلا شيء من هذا هنا. إذ تستلهم أسونثيون في مساحة تقل عن 80 مترا مربعا روح المتحف الزراعي العريق في الدقي في الجيزة، ناقلة الطراز العتيق للعرض، و التداعي و التهالك الطاغيين على المكان و المعروضات، و حتى الرائحة، خالقة فضاء يتعرف عليه لحظيا كل من زار المتحف الزراعي.

توظّف الفنانة هذه الحالة لتعرض على الزائر حقائق عن إنتاج الغذاء في العالم، و عن انعدام العدالة الذي لا يُمكن أن يكون عفويا. فنرى مثلا في رسم بياني على لوحة مؤطرة بطراز عتيق خطين متصاعدين باضطراد يبين أحدهما إنتاج الغذاء في الأرجنتين و الآخر الجوع! ثم صِوانَي عرض يحوي أحدهما ما تنتجه هَييتي للتصدير من حاصلات زراعية فاخرة من فاكهة و حبوب و مكسرات، يجاوره صِوان يوضح كيفية صنع فطيرة الطين بالزيت و الفلفل و الملح التي يأكلها الهَييتيون.

وبعد أن تعرض علينا في بضع لوحات توضيحية مُسندة على الحائط بإهمال صفات بضعة أجيال ناتجة من تهجين الطماطم و العنكبوت أو البقرة وقصب السكّر و نتائج تهجينات عبثية أخرى، فإنها توضح لنا باقتضاب شديد مفهوم الجين المُنهي، تجاوره صورة فلاح منياوي يوقع عقدا شراء بذور معدّلة وراثيا. إذ يُضطر الفلاحون في مصر كما في بلدان عديدة إلى شراء بذور عقيمة لا تنتج عنها تقاوي بعد زرعها فيما يُعد خروجا على فطرة الزراعة منذ عرف الإنسان تقنياتها قبل عشرة آلاف سنة! ليس هذا و حسب، بل تمنع الفلاحين تعاقداتهم مع الشركات من إعطاء أي قدر من البذور لغيرهم، لا لزراعتها و لا للبحث، و تلزمهم باستخدام منتجات الشركة من مبيدات إن ارادوا استخدام مبيدات، و تجبرهم على عدم الاحتفاظ بأي قدر من المحصول بعد الحصاد. صوّر المستشرقون لنا أن تاريخ الفلاحين المصريين كان حالك السوّاد و البؤس!

غير أن العرض لا يقف عند حد تحذيرنا من الهندسة الوراثية، فهي مجرد تقنية ليس عليها حكم أخلاقي مسبق، بل توضح لنا كذلك أن الهندسة الوراثية يمكن أن تساعد بزيادة إنتاج المحاصيل فتقلل من الجور على الغابات لاستغلال أراضيها في الزراعة فتقلل بالتالي من الأضرار على البيئة و التنوع الأحيائي.

و تشرح لنا لوحة أخرى كيف احتكرت شركات أمريكية اسم "أرز بسماتي" الذي تندرج تحته آلاف الأنواع من الأرز التي ولّدها على مر أجيال عديدة المزارعون الهنود، فأصبح واجبا عليهم دفع عوائد للشركات إن أرادوا بيع الأرز الذي يزرعون باسم "بسماتي" و إلا خالفوا اتفاقات الملكية الفكرية! ثم تواصل مدّ الفكرة على استقامتها، فإلى جانب جرار زجاجية تحوي عينات من الأرز نجد جرة فيها بذور صنف من الحشائش الخضراء عليها ملصق يعلمنا أن هذا الصنف الممتاز من نجيلة الملاعب يملكه فكريا (يا للعبارة العرجاء!) نادي ريال مدريد. سخرية مريرة شديدة الذكاء أرجو ألا تستحيل يوما واقعا.

ما لا يذكره العرض صراحة لكني وجدته غير غائب عن ذهن الفنانة أثناء حديثي معها هو أن كل الأصناف النباتية و الحيوانية التي يربيها الإنسان و يستغلها في معيشته هي نتاج صيرورة اصطفاء اصطناعي و تهجين استمرت آلاف السنين كانت المعرفة التي تنتجها ملكا للبشرية كلها و انتشرت تقنياتها في كل أرجاء الأرض، محتفظة أحيانا حتى بأسماءها عبر آلاف السنين: الوَين في العربية (و شقيقاتها الساميّات) هو صنف من العنب. و للمفارقة مع مثال الأرز السابق فإنك إن تركت حقلا من الأرز يتوالد ذاتيا بلا تدخل بشري فإنه يعود بعد بضعة أجيال إلى أصله: حشائش النجيلة البرية.

إذاخرجت من هذه الغرفة التي على بابها لافتة "الملكية الفكرية" وجدت أبوابا موصدة عليها لافتات مثل "القانون" و "التجارة"، كما ستجد لافتة متهالكة قد سقطت على الأرض و انكفأت على جانبها عليها "العمالة".

إلى جانب القدر البالغ من الإبداع في عرض الفكرة، و اللمحات الذكية الساخرة في تصميم معروضات المتحف المُفترض، فإن إتقان محاكاة غير المُتقن أبهرني حقا؛ العناية البالغة بالتفاصيل. فالصوانات المتهالكة، و اللوحات المدهونة باللاكيه، و اللافتات المكتوبة بالخط الديواني، و الشروح و عناوين المعروضات المكتوبة بآلة كاتبة ميكانيكية عتيقة، بل حتى المجسم الساذج التي تنتثر عليه بقع صغيرة من صباغ أبيض إثر عملية طلاء سابقة غير متقنة للجدران.

أدعو كل المهتمين بقضايا الزراعة و الغذاء، و الملكية الفكرية في هذا المجال، و التربويين، و الفنانين إلى زيارة متحف الزراعة العالمي.

شكرا لينا على التزكية و الصحبة الممتازة.

المعرض قائم حتى يوم 25 يناير، مبدئيا، و أعربت الفنانة عن سعيها إلى مده لشهر آخر

تداعيات,عالم حي,مشاهدات:
§ ألِف @ 23:46  
+   الرابط الدائم | تلقيمة تعليقات التدوينة | نسخة من شبكة CORAL
2010/10/06

الملكية الفكرية: حماية من كل و أي شيء!

كل يوم يذهلني مدى تغلل عقلية حماية الملكية الفكرية في مسائل ليست لها أي علاقة بها و لا تنطبق عليها، و ذيوع ما يكاد يكون خطابا رسميا تردده وسائل الإعلام على ألسنة مسؤولي الدولة و علماء و باحثين و غيرهم. إذ أصبحت "حماية الملكية الفكرية" هي وسيلة كل من يخشى على شيء يريد حمايته من أي خطر، حقيقي أو مُتخيّل، سواء بحسن نية، أو كمطلب فئوي يضمن استمرار و زيادة أهمية الشخص و الفئة التي ينتمي إليها في مجتمع يُعاد تشكيله حول تكديس موارد - كانت عامة و قومية - وراء أسوار ملكيات خاصة.

منذ فترة أحاول إقناع نفسي أن هؤلاء المتحدثين الذين يستضيفهم الراديو لا يقصدون فعلا مطالبتهم بحماية أشكال و تصميمات و موتيفات الفن المصري القديم بآليات حماية الملكية الفكرية، و لا المخطوطات، و لا النباتات الطبية، و أقول لنفسي أن هذا الشخص حتما لا يعرف ما يقوله، و يكفي أن نستفيد منه في مجال تخصصه الذي يفهم فيه و نطنّش على الباقي.

لكن تواتر تكرار تلك اﻷفكار و توزعها على مجالات عديدة يجعلني أفكر أن هذه الدعاوى تجد لها صدى واسعا بين مسؤولين حكوميين و علماء و باحثين، و آثاريين و مديري متاحف و أرشيفات وطنية و محققي مخطوطات بل و علماء أحياء.

في الماضي، كانت المتاحف تلجأ إلى تحايلات لضمان احتكارها الصورَ و المستنسخات من مقتنياتها، التي تبني عليها منتجات تُباع لزوّارها، و قد تتقاضى رسوما إضافية ممن يريد تصويرها تصويرا احترافيا أو من يريد أن ينتج فِلما، و ربما عضّد تلك الممارسات اعتقاد لدى متاحف عديدة حول العالم بأن حماية المقتنيات و إطالة عمرها تستوجب منع التصوير، و المفروض أن المنع يقتصر على منع الفلاش لكنه يمتد إلى حظر كامل بسبب صعوبة التحكم في الزوار و المشكلات التي تنتج عن احتكاك موظفي المتاحف بهم، بسبب حسن نية الزوار أو تحايلهم. و هو اعتقاد ربما كان صحيحا و لم يكن يضر كثيرا، فالمتاحف مفتوحة، و صور المقتنيات و مستنسخاتها متاحة للشراء و البيع، و العوائد تستثمر في المؤسسات المتحفية.

لكن هذا الخطاب الجديد مختلف. من أمثلة ما أسمعه من تلك الدعاوى:

موظف آثاري يُخاطَب باعتباره من كبار الآثاريين في مصر و أحد روّاد نهضة حماية الآثار و البحوث الأثرية يطالب بتسجيل الأهرام علامة تجارية و إلزام كل من يبني مجسما لها بدفع عوائد ملكية فكرية، لمنع تقليدها تقليدا سيئا يشوّه حضارة المصريين و يخدع من لم تتح لهم رؤية الأصل، و لحفظ الحقوق المادية للمصريين أصحاب هذه الأعمال، منتجوها الأصليون، و الرجل يضرب لذلك مثلا بالفنادق البذخة في لاس فيجاس الأمريكية، المبنية على طراز قبيح يُفترض أنه في نظر زوّارها المغفلين يحاكي الطرز المصرية القديمة.

موظف آخر يتحدّث عن وجوب حماية الآثار المصرية كذلك، فتسأله المذيعة هل يتوجب مثلا على من يريد استخدام قناع توت عنخ آمون في شعار أن يدفع المقابل، فيجيبها بأنه يوجد كوبيرَيت و كوبيرُنج، فإن كانت الشركة كبيرة وجب الدفع! ثم تُسهب هي في بيان كيف أن هذا النتاج الحضاري يخص المصريين و يجب عليهم أن يستفيدوا هُم منه. في عقلية جباية ترممية بحتة.

باحثة في مجال الصَّيدلة تُطالب بحماية الأنواع الطبيعية المصرية المتوطنة في مصر لمنع الآخرين من استغلالها! تطرأ في بالي الملوخية و الضجة التي أثيرت منذ سنوات حول استغلال اليابانيين تجاريا لها بصنع ضرب من الشاي.

مُحقِّق مخطوطات يخلط في كلامه و منهجيته بين تحقيق المخطوطات و بين ما يسميه تنقيح التُّراث - و هي ممارسة شائعة في هذا المجال إلى حدّ مخيف - يشكو أن الأعمال المحققة تُسرق و يعاد طبعها، و يدعو إلى حماية أصولها.

الرجل السابق ذاته يلقي بنا في معرض كلامه في خضم مأساة أخرى تتعدد جوانبها: أرشيفاتنا الوطنية التي تُدار باعتبارها مغارة علي بابا: فعندما تسأله المذيعة عن صعوبات الحصول على مستنسخات المخطوطات من اﻷرشيفات التي تتوزع عليها، يجيبها بأن مديري تلك الأرشيفات معذورون لأن بعض الناس يسعون للحصول على مستنسخات لبيعها و التكسب منها لذا وجب التحقق من نيّتهم بطريق إبراز الخطابات من الجهات البحثية و بطاقات العضويات و ما شابه.

أعلم جيدا، أن النفاذ إلى أرشيف مصري مغامرة كبرى لأن العقليات التي تديرها تفضل أن تتلف كل محتوياتها عن أن يطلّع عليها إنسان. أعلم ذلك لأني سمعت عشرات المغامرات من معارف لي من باحثين و أكاديميين، هذا غير عقلية التشكك البوليسي التي تُفرض عليهم أو يتطوع بها المديرون.

و مؤخرا، وزير التربية يتشاكل مع ناشري الكتب المدرسية الخارجية التي اعتمد عليها طلاب مصر لأجيال مضت دفعتهم إليها رداءة كتب وزارة التربية محتواها و تصميمها، و حجته في المنع أن منتجي تلك الكتب يربحون من مصنفات مبنية على ما تملكه وزارة التربية و التعليم.

و ليس للوزارة أن تربح و لا دَورُ الحكومة أن تحمي مصنفا أنتج بمال عام، و لا أن تتكسب من هدف قومي كالتعليم، بل واجبها أن تنتج كتبا جيدة لا يحتاج التلاميذ غيرها.

باحثة في مجال الأحياء تطالب بحماية جينوم الإنسان المصري لحمايته من استغلال الأمم الأخرى له تجاريا، أو الأمم المعادية التي تريد بنا الشرّ.

المذيعون يكررون هذا الكلام، بل يطرحونه على الضيوف الذين لم يتطرقوا إليه و الضيوف يقعون في فخ الموافقة و المزايدة فيأتي كل منهم بمثال من مجال تخصصه أسخف مما سبقوه.

و آخرون عديدون يخلطون بين حماية التراث بمعنى الحفاظ على وجوده، مادة أو محتوى، و بين وضعه في خزائن قانونية و إدارية لمنع إعادة إنتاجه أو تأويله لغير فئة محددة، و أحيانا بدعوى حماية فحواه. أي تمتد الحماية عندهم من حماية حق الاستغلال الاقتصادي الذي هو و حسب و لاشيء غيره موضوع الملكية الفكرية، إلى حماية الأفكار نفسها من التعديل و التطوير في عقول آخرين.

أمهاويس اختلطت عليهم الأمور و المسببات و الدوافع؟

أم يقولون كلاما يعرفون تهافته لأنهم يتكلمون في الراديو، و هم لا يجرؤون على ترديده في محافل يكون فيها من يرد عليهم؟

أم وقعوا ضحية خطاب نشأ و تطوّر بمعزل عن النّقد في أروقة دولة تسعى لاهثة لإيجاد مكان لها في نظام اقتصاد عالمي فهرولت وراء اتفاقات تسعى الدُّول الكبرى لفرضها و هي ليست في صالحها و روّجت لمفاهيم لا تحمي سوى السابقين في التقدُّم؟

لا أدري من أين أبدأ! كم الضلالات كبير، و التشابك الحاصل كبير بين مسائل نحتاج إلى فك اشتباكها.

اقرأ كذلك مقالة عبدالودود العمراني الملكية الفكرية: كلمة الحق التي يُراد بها باطل.

غير مصنفة:
§ ألِف @ 02:22  
+   الرابط الدائم | تلقيمة تعليقات التدوينة | نسخة من شبكة CORAL

تدوينات سابقة ⇒