علىٰ أصداء الاختبار الذي أغرىٰ أبو كريم الممفساوي المدونين بأخذه و نشر نتائجه في أرجاء المدونات بالرغم من الإجماع علىٰ سذاجته ، نالت اللاأدرية و اللاألوهية و الوثنية التي أفضل لها أسم الطبيعية أو الطبيعوية .
في منتصف التسعينيات، عندما كنا في الكلية غزت أخبار عبدة الشيطان الصحف الصفراء، و قضىٰ أصحاب لنا ليلة في أقسام الشرطة و صودرت اسطواناتهم الموسيقية، و جاء الشيوخ يستتيبون الشباب؛ و بعد سنوات ظهرت في التمثيليات الدرامية شخصية تمثل الشاب الضائع عابد الشيطان الذي يرتدي السواد و يطيل شعره.
كل هذا ليس له معنىٰ لأن عبادة الشيطان في شكله المستوحىٰ من شكل پان، الرب اليوناني ذو القرون و الحوافر و ذقن الماعز، و التي جاءت ترجمة لكلمة Satanism، ذات الطقوس الرهيبة و القرابين البشرية و طقوس الجنس هي شيء غير موجود أصلا إلا في أفلام الرعب و مجلة روز اليوسف، و ربما في مخيلة كهنة محاكم التفتيش في العصور الوسطىٰ. و إن كان هذا لا يمنع أن تكون هذه الصورة و الممارسات قد أتىٰ بها في أزمنة متفرقة أفراد مختلون عقليا كحالات فردية؛ كل شيء ممكن.
عرفنا فيما بعد أن الحكومة استغلت ظاهرة ما و ساهمت في تضخيمها إعلاميا ثم قامت بتمثيل دور حامي الأخلاق لتوازن ما كانت تفعله في الإسلامويين و لتظهر بمظهر المعتدل الذي لا يحيد عن الحق؛ ما علينا.
الديانات القديمة؛ المصرية و السورية و اليونانية كانت الآلهة فيها تمثل كل جوانب الحياة، الخَلق و التدمير مثلما في الديانات الثنوية، مثل الزردشتية، حيث الخير و الشر مكملان و مُوجدان لبعضهما، لا يُعرف احدهما دون الآخر، و حيث الكون هو تجلي تفاعل هاتين القوتين المتعادلتين اللتين لا فضل لأحدهما علىٰ الأخرىٰ.
حتىٰ سِت المصري هو أصلا إله للصحراء الحمراء، دشرت، و الزعابيب التي عرفها مصريو وادي النيل و خشوها.
و حتىٰ كمفهوم في الديانات الإبراهيمية، لم يكن دور الشيطان في البداية محوريا في اليهودية و سببا لكل أخطاء الإنسان و شماعة لها في نفس الوقت، بل اعتبر ملاكا خادما للإله مهمته تزيين الضلال للمؤمنين لاختبار إيمانهم، و بازدياد تسرب عناصر الدين الشعبي ازداد دور الشيطان حيث أصبح هو من أوعز إلىٰ حواء إطعام آدم التفاحة، كما لعب دور المدعي الإلهي يوم الحساب.
في البداية أطلق العبرانيون اسم بَعْلْزَبُوب، أي ربُّ الذباب علىٰ بعل الذي هو لقب للآلهة معناه الرب\السيد، نكاية في ديانة الفلسطينيين و الكنعانيين الآخرين الذين لم ينضووا تحت لواء يهوه، لكن عندما شيطنت اليهودية آلهة الديانات الأخرىٰ كما تفعل الأديان عادة، و بقدوم المسيحية بعد ذلك، ازداد دور الشيطان و ارتفع من مجرد ملاك ساقط أو كمبارس في المسرحية الكونية إلىٰ ند للإله و غريم له، و هو المفهوم الذي وصل فيما بعد إلىٰ الإسلام.
لا يُخَبِّر القرآن تفصيلا عن أصل الشيطان لكن السائد أن إبليس، الشيطان العَلَمُ، كان كما في التراث العربي: جنيا. حيث الشيطنة صفة الخبيث الضّال من الإنس و الجن علىٰ السواء . و إن كانت توجد خرافات و إسرائيليات عن كيف أن الملائكة سَبَتْ إبليس و هو طفل في حروبها مع الجن فتربىٰ بينهم، إلىٰ أن تصل لحظة خلق آدم. و هذه محاولة، علىٰ طريقة الأسطورة، لتبرير و تفسير التناقض المنطقي الظاهر في سلوك مَنْ يفترض أنه مثل الملائكة، مُسير لا يملك العصيان و رفض الأمر الإلهي، و يلمح أيضا إلىٰ جذوة التوق إلىٰ الحرية و أن الألمعية أصلها التخيير و ليس التسيير.
في العراق و غرب إيران و شرق سورية ما زال الإيزيديون حتىٰ هذا اليوم يُنظر إليهم علىٰ أنهم عبدة للشيطان من طرف جيرانهم المسلمين بسبب غموض عقيدتهم ذات التأثيرات الميثرائية و مخالفتها لما اعتاد عوام المسلمين عليه.
و في مخيلة المسيحيين الأول اقترن الشيطان بالقوىٰ التي أجلَّها الغنوصيون و اعتبروها رمزا للحكمة و المعرفة، و نسبوا إليهم عبادة الشيطان و الممارسات البغيضة كدليل علىٰ هرطقتهم و كفرهم، و أصبح لوسيفر…حامل الضوء…الشِّعْرَىٰ…نجمة الصباح، هو الشيطان.
كانت الشياطين راعية للشعراء و الفنانين و المبدعين، و ملهمة لهم؛ مخلوقات مشاكسة و مشاغبة و شريرة بالمعنىٰ الساذج، تخرب المحاصيل و قد تجلب النحس و تمرض الماشية و يمكن التغلب عليها بالتعويذات و الرقىٰ و الصلوات و الرقصات، و ربما بالأضحيات.
ملائكة و شياطين رسمها م. ك. إشر عام 1960
لكن الشيطانوية الحديثة التي نتحدث عنها هي غير كل ذلك. بالشكل الذي وضعها عليه أنتون لاڤي فإن الشيطانوية هي فلسفة اعتراض علىٰ المسيحية، و علىٰ الكنيسة. تحض علىٰ التنمية الروحية الذاتية بدلا من الخضوع لقوىٰ خارجية مجهولة مفترضة قد تكون أو لا تكون، و تعتبر الشخص هو المصدر الأساسي لقيمه الأخلاقية. و كمؤسسة، فإن كنيسة الشيطان التي أسسها لاڤي و قرينته في الولايات المتحدة تحض علىٰ احترام القانون و كانت في وقت ما تتطلب موافقة أهالي القُصَّرِ قبل الانضمام إليها بالرغم من شكلها المسرحي و المبالغ فيه و الذي يتجلىٰ سَمْتُهُ في القداس الأسود الذي هو تهكم علىٰ القداس الكاثوليكي! و تعمل في الوقت نفسه علىٰ مساواة المؤسسات الدينية بها كجهة دافعة للضرائب، لا معفاة منها، و علىٰ مقاومة تديين القانون أو علمنة الدين، أي ترفض إدخال عناصر من القيم الدينية في القانون المدني. و هي أيضا لا تدعو إلىٰ مركزية الدين، فلا يجب علىٰ أحد أن يكون علىٰ علاقة بالكنيسة الرسمية المُنَظِّرة لكي يكون شيطانويًا.
الفكرة الأساسية هي الفردية و الخروج عن القطيع و كذلك التخلص من عقدة الذنب المسيحية. رمزيا: الشيطان هو عدو المسيح، لذلك هو حامي الشيطانوية. الصليب هو شعار المسيحية لذلك فالصليب المقلوب هو شعار الشيطانوية. الأبيض هو لون الطهر و العفة المفضل عند المسيحية، لذلك فالأسود هو لون الشيطانوية. الشيطانوية لا تؤمن بوجود الشيطان الذي هو فكرة مسيحية، تماما كما أنها لا تدعو إلىٰ إله و لا إلىٰ عبادة، و إن كانت لا تحرمها نصا. كما أن النظرة إلىٰ الطبيعة ليست نظرة تكرس مركزية الإنسان الذي جاء ليقهر الطبيعة البرية المتوحشة، بل أن الطبيعة هي القوة الخفية وراء روح الإنسانية نفسها و أن الإنسان يجب أن يتواصل مع الطبيعة لا أن يقطع نفسه عنها، و هي في هذا تتفق مع الطبيعوية.
تدعو المسيحية إلىٰ أن أدر خدك الأيسر لمن يضربك علىٰ خدك الأيمن، و الشيطانوية تقول رد الصاع لمن ضربك. فكما جاءت المسيحية لتعادل الشوفينية و الحدة التي أصبحت اليهودية عليها قبيل ظهور المسيحية، جائت الشيطانوية لتدفع ضعف و مسكنة المسيحية ؛ و في مقابل دعوة المسيحية لأن تعامل الآخرين بمثل ما تحب أن يعاملوك، تأتي دعوة الشيطانوية إلىٰ أن تعامل الآخرين بمثل ما يعاملوك. و كذلك إلىٰ تكون مستعدا لقتال أعدائك و إلىٰ الانتقام عند المقدرة و الرغبة لا أن تحب أعداء يكرهوك و يتمنون دمارك إلا إذا كنت مازوكيا تستمتع بتعذيب الآخرين لك، فهذا شأنك.
و كما أن المسيحية تعلق أخطاء البشر علىٰ شماعة غواية الشيطان و تهنأ في ظل تحمل المسيح لأوزار و خطايا البشر جميعا و تخليصه لهم، فإن الشيطانية تدعو إلىٰ تحمل البشر عقبات اختياراتهم و دفع ثمن حريتهم حيث لا تزر وازرة وزر أخرىٰ. فإذا قررت العفو عن عدوك فهذا خيارك الذي لا تلوم عليه أحدا و لا تنتظر عليه الثواب من أحد فلا تتذرع بأحد.
حتىٰ الآن نرىٰ استلهام الشيطانوية لفلسفة القوة لنيتشة و أن لا شيء جديد. كما نجد ملامح من الداروينية الاجتماعية و أن البقاء للأصلح و أن العطف علىٰ الأضعف و التضحية من أجل الآخرين ليسا واجبين علىٰ أحد، و أنهما مثل كل شيء آخر: اختيار.
كتب أنتون لاڤي الإنجيل الشيطاني عام 1969، في السنوات التي شهدت حركة تمرد الشباب علىٰ القيم التقليدية للمجتمعات الأوروبية و الأمريكية. و هي علىٰ هذا ظاهرة غربية تماما.
تتلخص الفلسفة الشيطانوية علىٰ طريقة لاڤي في تسع عبارات تمثل ما يشبه قانون الإيمان، و في إحدىٰ عشرة قاعدة، تمثل ما يقابل الوصايا العشر، و في تسع خطايا.
في التراث الصوفي أن الشيطان لم يعص أمر الإله بالسجود حقدا و لرغبة مجردة في العصيان لذاته، بل حبا في الإله و غيرة من المخلوق الجديد الذي أتىٰ ليحتل مكانته المقربة.
20:57 01-09-2005
علىٰ سبيل التزامنية التي تطاردني، يعرض الآن في قناة العربية برنامج عن ترميم قصر البارون في ضاحية هليوبوليس، ثم يتطرق الموضوع إلىٰ الخرافات التي كان القصر محورها من أشباح و غموض و أيضا ممارسات عبدة الشيطان من الشباب!