هذه الصفحة تعتمد على صفحات الطرز المتراصة (CSS)
2007/04/23

قاضيات

أذيع في راديو بي بي سي العربية برنامج نقاش حول الجدل الذي أثاره تولي عشرة نساء منصب قاضيات.

الآراء على كلا الجانبين، المؤيد و المعارض، و بغض النظر مؤقتا عن انحيازي، تستند إلى ما أعتبره غالبا براهين ثانوية مستمدة من تفسيرات خاطئة للمشاهدات. لكني أراه يسود تماما في رأي الرافضين. رأيي، بالمناسبة، هو أن هذا النقاش لا مبرر له أصلا لأن أحقية/صلاحية تولي امرأة القضاء أمر بديهي، لكن لأجل الجدل فلا بأس.

تلخص العبارات التالية مواقف الرافضين تولي النساء القضاء:

  • الرجل عقلاني، المرأة عاطفية، و هو الأكثر تكرارا
  • ناقصة عقل و دين، و هو رأي امرأة
  • ربما تنجح في القضاء الإداري لكنها لا يمكن أن تفصل في القضايا الجنائية لأنها عاطفية و ستبرأ المتهم.
  • ستفرط في اللجوء إلى التخفيف و الرأفة (رأي طالب قانون يدعي أن جل أساتذته معارضون لتولية قاضيات)

أظن أنه من المعلوم من حال مجتمعاتنا أنه في الطبقات الدنيا - أكثر مما في الطبقات الوسطى و العليا - نساء كثيرات يعلن أسرهن و يتحملن مسؤولية بيوتهن كاملة بينما الرجال مغيبون عن تلك المسؤولية، و أنا أرى من يستطعن الاضطلاع بهذه المسؤولية هم قادرات بالطبيعة على تولي ما دونها من شؤون الحياة.

ينطلق كثير من المعارضين من ما يرونه من حال أغلب النساء في بلدنا و هو حال يبدو للوهلة الأولى أنه أدنى من حال الرجال فيها في جوانب كثيرة، من تحمل للمسؤوليات الرسمية و توزيع للثروة (و الحظ من التعليم ؟) لكن هذا المنطلق هو في آن سبب و نتيجة و لا يمكن الارتكان إليه. أي أن سبب وجود هذا الحال هو ذاته موقف من يتخذونه ذريعة! و نحن كمجتمع امتنع عن تحليل و فهم نفسه و اكتفى بالظاهر و المثالي المفترض فإن الرسمّي لدينا ليس هو الواقع.

الرافضون عندما يتحدثون عن القاضي الرجل يتحدثون و في مخيلتهم تصور للرجل المحترم المتعلم المستغني عن الآخرين ماديا و عقليا، و أضيف أنا إلى تلك الصورة النموذجية: كون الرجل دارسا للقانون متدربا على يد القانونيين المخضرمين و متدرجا في وظائف القضاء؛ مشهودا له بتحري العدل و النزاهة. لكن هؤلاء الرافضين أنفسهم يعربون عن رفضهم تولي المرأة القضاء و في تصورهم نموذج المرأة الفقيرة الجاهلة الانفعالية الواقعة تحت سيطرة آخرين في أسرتها تعتمد عليهم لتستمد شرعية وجودها! أي موازنة هذه!

أي أن الرافضين إما ينظرون إلى نماذج أمهاتهن الطيبات غير المتعلمات الذين يفترضون فيهن سذاجة أو عدم خبرة بشؤون الحياة (و هو ما لا أراه صحيحا)، أو ينظرون إلى نموذج بائعات الخضار! لكنهم يتجاهلون نموذج سائق الميكروباص عندما يتصورون القاضي الرجل.

القاضيات لا يؤتى بهن من الشارع ليجلسن على المنصة، بل يتتلمذن على أيدي أساتذة القانون، ثم يقضين سنوات طويلة يتدرجن فيها قبل أن يكون لهن أن يفصلن في القضايا، مثلهن مثل الرجل. نسبة الرجال الذين يصلحون للقضاء من مجموع الرجال لا يمكن أن تختلف عن نسبة من يصلحن للقضاء من بين مجموع النساء، و هو ما يصّر المعارضون على نفيه بلا أي توضيح منطقي! هو ذاته نهج حوارات من يصلح للرئاسة و من لا يصلح! معقول تبقى سداح مداح لكل من هبَّ و دبَّ!

و بالفرض جدلا أن نسبة النساء الصالحات للقضاء تقل عن نسبة الرجال الصالحين للقضاء، فهذا معناه أن يقل عدد القاضيات عن عدد القضاة، و لا شيء غير ذلك. لم يدعُ أحدٌ إلى تعيين ملايين القاضيات بطريق اليانصيب! فكما لا يصلح كل الرجال لأن يكونوا قضاة فكذلك لا تصلح كل النساء لأن يكنّ قاضيات…لا أحد يتكلم في أعداد مطلقة هنا.

ثم ألا يرى غيري - و ذاك المعلق من الإسكندرية - أن قابلية المرأة للفساد في الوظائف العامة هي أقل من قابلية الرجل؟ لا أدري إن كان ذلك لارتباط مفهوم الشرف و الأمانة لدى المرأة بمناطق أعمق في وجدانها من تلك التي اعتدنا عليها مع الرجال، و ميل المجتمع إلى تبرير لجوء الرجل إلى الرشوة و الاختلاس بالضغوط المادية و المسؤولية المعيشية الواقعة على عاتقه، و قبول تلك الأفعال منه. هذه مجرد خاطرة لم أطورها بعد.

المتذرعون بعاطفية المرأة، و أثر علاقاتها بالآخرين على تقديرها و اضطراب دورتها الشهرية يفترضون أن القاضي الرجل هو عقلاني و نزيه و كفء مئة في المئة في كل الأوقات و ذلك فإنه يصدر أحكاما مثالية في عقلانيتها، أي أنهم يقيسون على وضع افتراضي غير حقيقي لا يتأثر فيه الرجل بما يدور في بيته و لا تتغير حالته الجسدية و النفسية من وقت لآخر؛ و هم يغفلون عن أن مفهوم المهنية professionalism هو تحديدا معني بتقليل أثر هذه التغيرات البشرية على أداء الوظائف إلى الحد الأدنى، يستوي في ذلك الرجال و النساء.

المتذرعون بعاطفية المرأة، و هم أغلب المعلقين المعارضين، يبدو أنهم لا يرون ما أراه كمراقب لسلوك الناس في الشارع المصري من أن الرجال أقل نضجا سلوكيا؛ ربما بسبب ما ينشؤون عليه من أن خطأهم في حق الآخرين لا يُعيبهم أخلاقيا، أو ظنهم أنهم معصومون سلوكيا لأن تبرير الخطأ و التنصل منه مقبول مجتمعيا إذا ما تم بطرق معينة؛ و أن الآخرين هم دائما المخطؤون؛ أو أن القوة هي ما يحكم و بالتالي فالخضوع للأقوى حِكمة و ما يجلبه الضعفاء على أنفسهم من استغلال الأقوياء هو أمر طبيعي مقبول. كون عاطفية الرجل تظهر في شكل عنف لفظي و جسدي بينما تظهر عاطفية المرأة في شكل انطواء وبكاء لا يجعل الرجال في مجملهم أقل عاطفية من النساء عندما يتعلق الأمر بالسلوكيات و العقل؛ بل إن النساء بسبب القيود المجتمعية أكثر انشغالا بتبعات تصرفاتهن على ما حولهن و على الآخرين. و عموما، إن كانت المرأة لا تصلح، بسبب جهلها و عاطفيتها (هكذا في المطلق) فالرجل أيضا لا يصلح؛ لأنهما نتاج ذات المجتمع.

على عكس ما يرى معلقون، فأنا أرى أن المرأة التي تربي أبناءها و تعلمهم الصواب من الخطأ و تعاقبهم بحسم إن أخطأوا لن يكون لديها مشكلة في أن تحكم على المذنب في الجرائم الجنائية بما يستحق، و استعمالها التخفيف المُجاز قانونا لا تلام عليه لأن الرخص القانونية، إن وجدت فإنما وجدت لتستخدم حسب رؤية القاضي.

ذريعة انعدام السابقة التاريخية مجال قائم بذاته، و تتجسد عادة في ما هو من قبيل أن هذا لم يكن يحدث في العصور السابقة؛ لم تحدث على مدى 1428 عاما كما قال معلق على البرنامج. حضرتك، كل حاجة لها أول مرة! و أسأل كل من يعرف أن يجيبني على سؤال لم أجد له إجابة بالرغم من طول البحث و التفكير: ما هي اللحظة التاريخية، السنة و اليوم، التي ترسخ عندها المقبول تاريخيا من سلوك السلف، بحيث نعد أن ما بعد تلك اللحظة يجب أن يتفق مع ما تأصّل قبلها؟

المتذرعون بشرقيتنا و عروبتنا و إسلامنا لا يكلفون أنفسهم عناء الرد على وجود قاضيات في اليمن و السودان و المغرب، و دول عربية إسلامية شقيقة حال مجتمعاتها من التحدث و التغريب أو التقليدية و الشرقنة لا يختلف عن حال مجتمعنا؛ و يصرون على أن المجتمع لن يقبل هذا؛ و هذه الذريعة بالذات - على غير الأخريات - لا أفهم منطقها لأن ما هو المجتمع إن لم يكن المتحدث جزءا منه؟! أي ما الذي يدفع أي شخص لاتباع موقف فكري يدرك أنه خاطئ لمجرد أنه يعلم أن المجتمع - الناس الثانيين - لن يقبلوه و يعتبر أن هذا مبرر كاف لكي لا يقبله هو الآخر، أو على الأقل لعدم الدفاع عن رأيه و إعلان صوابه. لم يطلب منهم أحد أن يستشهدوا في سبيل رأيهم، لكن الرفض بسبب رفض الآخرين!

في رد رجل عن سؤال إن كان يقبل أن تحكم عليه قاضية يقول ما معناه لا أقبل مطلقا لأن هذا المنصب لم أختره لها بل جاءته في ظروف غير صحيحة، و تولي المرأة حاليا القضاء في المحكمة الدستورية هو منصب شرفي تماما، و عموما الأمر تقليد للغرب.

تلك الذرائع و ذلك المنطق الذي تسوقه تلك النماذج من الرجال في رأيي تدل على عاطفية و لا عقلانية في التفكير تحول دون توليهم أي مسؤوليات بتاتا، بما في ذلك تكوين الأسر و رعاية الأطفال. يعامل معامة الأطفال.

عبارة المرأة أصل الحياة التي يسوقها عادة رجال محافظون أراها رشوة؛ كلمة معسولة تساق كمقدمة لتبرير إقصاء النساء عن أدوار مجتمعية و لحجب حقوق و واجبات عنهن. المرأة ليست منتجا للحياة وحدها بل تحتاج لرجل من أجل ذلك مفاجأة، صح؟ بعد تحريم نظرية النشوء و التطور فإني صراحة لم أعد أعلم ما الذي يفكر فيه هؤلاء الناس!، كما أن عدَّها مصدرا للحياة بهذا الشكل الرومانسي الأسطوري حسب زعمهم المرائي كان بالأحرى يستوجب تأليهها و توليتها على الرجل.

رجل مغربي مع تأييده تولي النساء القضاء رأى أن المسألة في مصر بالذات هي من أجل الاستهلاك الداخلي و سعي من الحكومة لأن تظهر بمظهر تقدمي و ليس دافعها الحقيقي مصلحة الشعب المصري. بغض النظر عن صحة هذا من عدمه فإني لست مع من يحكمون على مدى عدالة القضية و أهميتها بالتوقيتات و بكونها قد تم استغلالها من أطراف لأغراض مشبوهة، و لا أنفي احتمال كون هذا صحيحا، لكني غير معني به هنا.

أما من يرجع المسألة إلى فساد القضاء فقد وجدته على المدونات، و ليس على الراديو، و إن كنت حقيقة لم أتمكن من استجلاء رأيه بوضوح لاقتضاب ما كتب و تداخله.

التراث الشعبي يزخر بقصص النساء الدواهي، القادرات على الكيد والتخطيط من أجل الوصول إلى مرادهن، و هذا الجانب في النساء يستغل دائما ضدههن لبيان مدى شرّهنّ و مكرهنّ، لكن ينبغي على الأقل لمن يرى ذلك أن يكون منصفا و أن يعترف للداهية بالذكاء و العقلانية. كما أن التراث حافل بقصص النساء الحكيمات الطيبات اللائي يُعنَّ أبنائهن و أزواجهن بالنصيحة و الذكاء للتغلب على الصعاب التي تواجههم.

الأسر المصرية تحفل بسير حياة الجدات القويات شديدات المراس اللائي يسيرنَّ شؤون أسرهن - التقليدية جدا و المحافظة جدا- بما فيها الرجال و يسيطرن على مقادير جميع أفراد الأسرة، و أحيانا العشيرة.

ممكن نستذكى شوية بقى؟

على هامش الموضوع، فإن خلافا ذا منبع ثقافي نشب بين متحاورين عندما قال رجل مصري ما معناه أن المرأة جميلة في التدريس و الأمومة..الخ فقط لكن ليس في القضاء، فجاءت معلقة سودانية بعده لتعطيه محاضرة يستحقها عن تفاهة النظر إلى المرأة باعتبارها شيء جميل. طبعا هو لم يقصد بلفظ جميلة جمال الجسد و الوجه، بل قصد أن يقول أن وجود النساء جيد و حسن في تلك المجالات، لكن لهجته القاهرية المحدودة لم تسعفه.

فكرة الخلافات الفكرية الفرعية بسبب استخدام اللغة أمر يشغلني و ألحظه ليس فقط في محاوارتنا هنا على الوب بل كذلك في المحافل الدولية التي تُضيِّع الترجمة فيها المعاني و تموهها مدعومة بالاختلافات الثقافية و المعرفية بين القائل و السامع و تتسبب في خلق مشاكل يطول أمدها. و ما ترهات أل چيهاد و الحروب الصليبية إلا مثالان عليها. أيذكر أحد سقوط طائرة البطوطي الذي عد إرهابيا لأنه قال توكلت على الله!

في الثقافة المصرية القديمة كانت مَعت مفهوما مجردا للعدل المطلق. لم تكن مَعت في الأصل ربة، بل اعتقد المصريون أنها كمفهوم وُجِدَت في ذات لحظة خلق الكون و ظلت منفصلة عن الوجود المادي. اسم معت المصري القديم، كما يبدو من تاء التأنيث في آخره، اسم مؤنث.

رُمز لمعت بريشة النعامة، و هي الطائر الذي كان ينتشر في شمال أفريقيا وقت بزوغ فجر البشرية.

14:07 26-04-2007

الجملة الاولى كانت مبتورة! صححتها و أعدت إليها رابطا إلى تسجيل البرنامج كنت حذفته لأنه غير مكتمل؛ لكني عدت فوجدته يعطي فكرة عن شكل الحوار.

اقرأ أيضا ما كتبته بلو روز و ما كتبته زبيدة عن الموضوع.

2007/04/04

179

ما أفهمه هو أن الحريات و حرمات النفس و العرض =البيت و المال هي حقوق طبيعية للإنسان، و هي أصيلة و مرتبطة بوجوده و سابقة على كون هذا الإنسان مواطنا في دولة و سابقة على وجود الدولة ذاتها.

الأصل هو أن يدافع الإنسان بنفسه عن نفسه و بيته ضد كل الآخرين، بيده و بسلاح.

هذا هو الأصل؛ بدستور أو بلا دستور، و نعلم أن دولا عريقة في الحريات مثل بريطانيا لا دستور لها، و نعلم كذلك أن طرح الإسلامويين تقليديا - على رجعيته و قصوره في نظري - في أغلبه كان غير معني بوجود دستور لكنه في الوقت ذاته لا يُنكر حرمة النفس و المال و العرض، و ذكر هذه الحقوق و الحرمات في الدستور هو إقرار للواقع و توكيد له و تذكير به و ليس منحا و لا تحديدا، و لا معنى و لا أثر لإقحام مواد أخرى في الدستور تنتقص من هذه الحقوق الطبيعية و تمنحَ القوانين المبنية عليها حصانة تمكن من انتهاك تلك الحرمات.

لست متفقها في الدساتير و لا حتى القوانين بل إني مثل أغلب أهل هذا البلد لا أعرف ما لي و ما علي في متاهة التشريعات المصرية التي لا يحيط بها حتى القانونيون المُحنكون، و لا أدعي تضلعا و لا خبرة، لكن ما أراه هو في رأيي بدهي و لا يحتاج لمحنك في القانون ليصل إليه.

لكن لأن الدفاع بالمخلب و الناب هو من سمات شريعة الغاب، فقد ارتأت جماعاتٌ بشريةٌ أن يتنازل أفرادها عن بعض الحقوق، مثل حق حمل السلاح، و أن تُنظِّم التشريعات التي ارتضوها بعض الحقوق الأخرى في حدود واضحة، مثل حق القصاص و حق الدفاع الشرعي عن النفس، مقابل أن تتولى الحكومة - التي أصبحت تحتكر العنف - حماية الأفراد و ضمان أمنهم و حفظ حقوقهم الأخرى، و لتؤدي الدولة الوظيفة التي وجدت لأجلها من تعظيمٍ لنواتج العمل من خلال تنظيم الجماعة و إدارة جهودهم بما يؤدي إلى تحقيق الأهداف و المصالح المشتركة للجماعة و رفاهيتها.

هذا التصور العقلي المبسط عن نشوء العلاقة بين الفرد و الدولة ليس نظريا و ليس مستوحى من تاريخ الأمم الأجنبية أو من ثقافتهم، بل هو تحديدا ما جرى هنا على ضفتي النيل من بضعة آلاف من السنين لتتكون أول دولة مركزية في التاريخ؛ على غير دول أخرى كثيرة لم تعرف المركزية إلا متأخرة، و شعوب أخرى لم تعرف الدولة حتى زمن قريب نسبيا.

الكلمة المفتاحية في رأيي في هذا الموضوع هي التنازل، فالجماعات البشرية تختار أن تتنازل عن مقادير من حقوقها الطبيعية، تختلف باختلاف الزمان و المكان و الناس، مقابل ما يظنون أن الدولة قادرة على توفيره لهم من حاجات يُبدَّونها على تلك الحقوق.

أي أن الفرد يبدأ بالحق كاملا، بواحد صحيح منه، في حين تبدأ الدولة بلا شيء، بصفر، و تكتسب الدولة ما يتنازل عنه الفرد - الذي أصبح مواطنا - للجماعة. و لأن الدولة في حقيقتها هي مدى دالة مجالها هو الجماعة، أي أنها تتكون منهم و هي طبقة إضافية من التنظيم تقوم عليهم، فإن الأمر لا يعدو كونه إعادة توزيع للحقوق في داخل الجماعة، يتنازل فيها الأشخاص الطبيعيون عن بعض حقوقهم لأشخاص اعتباريين، أي لوظائف و ليس لأشخاص بعينهم، و ليس لأشخاص فُصِّلت الوظائف العامة على صفاتهم.

فأن تأتي الدولة لتدّعي أن هذه الحقوق ممنوحة للمواطنين، أو أن حماية أمن الدولة يستلزم نزع تلك الحقوق و التنازل عن أمن الفرد لهو عبث تام و ضلال ما بعده ضلال، لأن وجود الدولة هو في الأصل وسيلة تهدف إلى الحفاظ على تلك الحقوق؛ و ليس وجود الدولة و لا أي من مؤسساتها في حد ذاته غاية تستوجب غبن الحقوق الطبيعية للمواطن.

الحكومات بطبيعتها، حتى في أكثر الدول رسوخا في ما يتعلق بالحريات و الديموقراطية، تسعى دائما لزيادة سلطاتها و صلاحياتها على حساب حريات و حقوق الأفراد، و لا يوازن ذلك السعي الحثيث من قبل الحكومات إلا دفعٌ في الاتجاه المقابل بيد المواطنين؛ دفعا دائما و متجددا، عماده جماعاتُ و أفرادُ الناشطين في مجال الحقوق و الحريات و قوته جماهير الشعوب الحرة.