بدأت أرى وجها آخر لما يحدث؛ وجها طبقيا قبيحا كنت أتخيله أحيانا و أنا أسير في الشوارع الخلفية ثم لا ألبث أنفضه.
لو كان المهاجمون هم من أبناء الطبقة الوسطى المتدينيين لكان الموضوع اختلف كثيرا. كنا قلنا أنها ثورة غضب أعمى، أو أنها كراهية دينية دفينة تظهر إلى السطح، لكن إذا صح ما رواه جار القمر فإن الأمر يختلف جذريا!
المحرومون و من هم في قاع المجتمع - و هم الأغلبية في المدن، و طبيعي أن أغلبهم مسلمون في البطاقة - في مواجهة أي شخص يمكن تبرير الهجوم عليه و نهبه. اليوم المسيحيون بذريعة أنهم يهينون الإسلام أو يجرؤون على المطالبة بالمساواة، و غدا أي شخص يحمل هاتفا بذريعة أنه فاسد أو فتاة بذريعة أنها تسير سافرة.
قبل قليل كنت أفكر في إذا ما كان سيأتي يوم يكون عليَّ أن أحمي جاري المسيحي، لكني الآن أفكر إذا ما كان سيأتي يوم نضطر جميعا للدفاع عن بيوتنا بالعصيِّ و السكاكين؛ و في الشارع.
ما أريد أن أفهمه هو ما مبررات تصرف ضباط الداخلية؟
هل هم بحكم كونهم مسلمين من الطبيعي أن يؤمنوا بالخطاب السائد، ولذا فهم متعاطفين مع الدهماء الذين يكسرون عين المسيحيين!
هل هي سياسة رسمية في البلد؟ الحكومة بغبائها تستغل كل ما يمكن أن يلهي الناس عنها و يضمن التخبط و عدم التنسيق بين الشعب و يضمن عدم اندماج المسيحيين في الحراك السياسي بشكل فعال، و كل ما يضعف موقف الإخوان في ذات الوقت فلا يبقى منتصر غيرها!
هل هي سياسة غير رسمية؛ عرف آخر غير مكتوب يسود بين من في يدهم زمام الأمور في الميدان و لا يوجد من يجرؤ على ردعهم في المستويات الأعلى المهترئة المشغولة بالحفاظ على بقائها في النظام؟ النظام الذي يهمه اعتقال العشرات من شباب الإخوان في أسيوط لأنهم اعتزموا التظاهر احتجاجا على الطوارئ أكثر من حماية مواطنين مسيحيين في الإسكندرية!
هل الهدف هو التمهيد لأن يبدو الحديث عن رفع الطوارئ غير معقول؟
لكن التفسير الطبقي وحده لا يفسر الاعتداءات شبه الشهرية على المسيحيين التي تحدث في مختلف أنحاء البلاد بسبب بناء الكنائس مثلا.
هل الموضوع أعقد من هذا و توجد له مستويات عديدة و لا يمكن تفسيره استنادا إلى سبب واحد، لا النظام وحده و لا التعصب وحده و لا الفقر وحده؛ بل تتضافر فيه كل هذه المكونات لتنتج لنا المزيج غير القابل للتفسير من العبث الذي نراه، و تتجلى بصور مختلفة في كل حادثة.
و هل بسبب هذا التعقيد يمكن لما يحتمل أن يكون قد بدأ في شكل حادثة فردية لرجل مجنون أن يتحول إلى طوفان من النهب و القتل لأنه يجد له بيئة مناسبة نما فيها على مرِّ أجيال من التكفير و التخوين و السباب المجدول في الدعاء، وجدت أخيرا مقابلها في المسرحيات و القنوات و المواقع المسيحية التي يتذرع بها من يتذرع من المتعاطفين الصامتين أو الشامتين أو المتبرئين أو المبررين، و يتناسون عقودا قبلها من خطب و فتواى الكراهية و الاستعلاء المستتر بالنفاق، ثم يقول لك "بيدافعوا عن الدين"!
و لأن الرجل المجنون نفسه ليس بمعزل عن هذه البيئة المواتية للعنف و التطرف، فإن سلوكه هذا يكون نتيجة مباشرة لها فيكون معنى هذا كله أن الجنون في هذا البلد يتخذ أشكالا كابوسية تتجسد فيها المخاوف و الكراهيات و البارانويا و نظريات المؤامرة و القهر و جهل الآخر المدعم بالخرافات دون تكلف عناء الفهم؛ جنون في لونين: أبيض و أسود؛ يصل إلى لحظة الانفجار ليسبب تفاعلا متسلسلا متعدد المستويات لنعود إلى نقطة البداية.
ثم لنكتشف أن مظاهرات الهلال مع الصليب
بلهاء لأن السبب الحقيقي لا علاقة مباشرة له لا بهذا الهلال و لا بهذا الصليب، بل بهلال و صليب آخرين، مقهورين، فقيرين، مجنونين؛ و مبادرات المصالحة و المصارحة أكثر بلها لأن منظميها و مروجيها و المشاركين فيها ليسوا طرفا في المشكلة أساسا.
أنا بالتأكيد لا أدافع عن نظرية رجل مجنون يتواجد في كل مكان، لكن هنا يكون المجنون ليس رجلا واحدا، بل ملايين.
الحل هو العدالة للجميع…لكن كيف لنا أن نرسي أركان العدالة و الجنون يأكل عقولنا. هل العنف قادم لا بد منه، لنتعلم كما تعلم آخرون منه بعد أن أنهكهم و لم يبق أمامهم غير السلام و التعاون.
أتمنى أن يكون كلامي هذا هذيانا لا معنى له.