استقلال القضاء حق كل المصريين
هذه الصفحة تعتمد على صفحات الطرز المتراصة (CSS)
05 01 2007

والعود والرب المعبود

عندما يريد السيناوي قسما عظيما فإنه يقسم والعُودِ…والربِ المعبودِ، مَن أخضَرهُ و أيَبسهُ

العود هو الغصن؛ الشجرة التي يحترمها البدوي إلى درجة التقديس و يحرم قطعها على نفسه و يجرِّمُ قاطعَها بما يقارب في مفهومنا جرم الخيانة العظمى.

لا يفهم قيمة الشجرة إلا من تأملها متفردة في الصحراء.

و لا يفهم معنى الجنَّة إلا من دلف جُنينة صحراوية.

الشجرة حياة.

بإمكان من يريد أن يتعهد بأن يزرع هو نفسه شجرة من بليون شجرة 910 يهدف برنامج الأمم المتحدة للتنمية البيئية إلى زراعتها، و أن يعلن عن عهده هذا و يوثقه في موقع البرنامج: www.unep.org/billiontreecampaign.

اعتبره من الأمور الذي اعتزمت تحقيقها في العام الجديد.

و عندما تزرع الأشجار التي وعدت، عد إلى نفس الموقع لتعلن أنك وفيت بعهدك.

18 11 2006

عن تغير المناخ و السحابة السوداء و بلاوي أخرى

لم يعد الأمر رفاهية و تشاؤما أو تنظيرا أو اهتماما متحفيا بالتنوع الأحيائي كما كان يدعي من وصفهم كوفي عنان في المؤتمر عن تغير المناخ المنعقد حاليا في نيروبي قائلا إن المشككين في مدى خطورة المشكلة، متخلفين عن الركب، وليس لديهم حجة مقنعة، والوقت لم يعد في صفهم؛ بل أصبح الأمر واقعا يمس حياة الملايين، و سيزداد العدد مع مضي الوقت، مع تنوع أشكال المصائب التي تصيب كل جماعة.

الحكومة الأمريكية أحد أبرز المشككين و هم خارجون عن الإجماع الدولي بضرورة اتخاذ تدابير لتلافي التدهور البيئي في العالم، و ذلك منذ رفضهم التوقيع على اتفاقية كيوتو عام 1992.

إن ازدياد الفياضانات في مناطق و الجفاف في أخرى، و قلة المحاصيل و زيادة وطأة بعض الأمراض ترجع في أحيان كثيرة إلى التغيرات في المناخ الناتجة عن النشاط الإنساني.

بل إننا نشهد الآن حربا نشأت لأسباب بيئية صريحة: دارفور.

التغيرات مرصودة بالأرقام:

  • ازدادت تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي نصفا في المئة خلال عام 2005
  • قد يؤدي ذلك إلى تقلص حجم الاقتصاد العالمي بنسبة 20%
  • سيصبح 200 مليون شخصا لاجئين
  • القطبين و جرينلاند يتسارع ذوبان ثلوجها أسرع ثلاث مرات مما كان يعتقد سابقا.
  • ستغرق مدن و تتغير معالم السواحل و تختفي جزر.

و لمن لم يكن يعلم: نحن في مصر نعيش في الصحراء، غافلين عن أننا فقراء مائيا، و سنكون أول من يتأثر بالجفاف بسبب طريقة معيشتنا.

ستغرق أخصب أراضينا في البحر و تزداد كلفة استصلاح غيرها.

انهيار حضارات قديمة لأسباب بيئية يحدث منذ آلاف السنين و حكاياته المبهمة موجودة في التراث الديني لمختلف الشعوب، و يمكن أن يحدث من جديد.

تتنبأ بعض النماذج من أن التأثيرات ستكون متبادلة التأثير، اي يؤدي أحدها إلى الآخر مثل التفاعل المتسلسل، فازدياد تركيزات ثاني أكسيد تؤدي إلى زيادة درجة حرارة الأرض، مما يؤدي إلى زيادة انطلاق غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو من مصادر غير بشرية.

لقد أطلقنا القنبلة البيئية!

الأرض؟! لن يحدث لها شيء. فقط نحن سنفنى. الطبيعة ستستبدلنا بأشكال أخرى للحياة. لست مركز الكون كما أوهموك يا إنسان!

و حتى ذلك الحين، سيكون علينا تحمل التلوث الذي تفوق مستوياته في القاهرة عشر مرات عن ما تعتبره منظمة الصحة العالمية محتملا للبشر، و الذي يتجلى في الضبخان الذي يجثم على مدينتنا، و الذي سيصيب نصف مليون شخص بالأمراض الصدرية و السرطانات خلال الخمس و عشرين عاما القادمة؛ بالرغم من أننا نخطط لمكافحته منذ 2004 و نحتفل هذا العام بالذكرى السنوية الثامنة له.

15 11 2006

حديقة كبيرة على شاطئ البحيرة

منذ سنوات طويلة مضت كنت كثيرا ما أتوقف في نزهاتي على حافة المقطم لأتخيل قاهرة أخرى.

و من ضمن ما كنت أتخيل، حديقة كبرى في وسط العاصمة الكبرى، تمتد من طريق صلاح سالم شمالا إلى الطريق الدائري جنوبا و من جامع عمرو بن العاص غربا إلى سكة الخيالة شرقا، و تشكل حديقة الفسطاط الجزء الشمالي الشرقي منها.

حديقة كثيفة الأشجار مع أقل قدر من المباني و قدر مناسب من المماشي تقود إلى البحيرة و تدور حولها؛ تحتضن من الشرق منطقة آثار الفسطاط، و تكون مدخلا لها.

و تضم مسرحا مكشوفا، و ربما فواخير تقليدية في أحد جوانبها يعمل فيها حرفيون؛ و ما تسير من المنحوتات و الأراضي الفضاء للعب و النزهة.

لا أتوقع أن تكون أشجار حديقة في القاهرة بمثل كثافة أشجار حديقة أوربية، فمناخ مصر الصحراوي الجاف يحتم اختيار أنواع مختلفة من الأشجار و النباتات. و بالختيار المناسب يمكن تحقيق قدر معقول من الخضرة.

بل لا أتوقع أن تكون كل أرض الحديقة مغطاة بالحشائش، فهذا ترف و سفه في استهلاك المياه لا نقدر عليه، و يكفي ما أصابنا من بلاء ملاعب الجولف.

و لا مانع من وجود متحف الحضارة كجزء من الحديقة بل إنه يزيد من قيمة المكان، لكن لماذا يتوجب أن يكون ملاصقا لشاطئها بدلا من أن يقام في جزء آخر من الأراضي الخراب الأبعد قليلا نحو الغرب !

أتخيلها تتوسط القاهرة و تكون متنفسا لسكانها المتكدسين؛ بلا تذاكر سياحية و لا مطاعم و لا مقاهي و لا ضجيج.

و يحميها قانون يمنع الاقتطاع منها لإنشاء نوادي الجيش أو الشرطة أو المولات التجارية.

طمع؟!

صورة من جوجل أرض لمنطقة عين الصيرة موضح عليها المساحة المقترحة لحديقة كبرى

حتى أني جلست مرة مؤخرا يوما كاملا أمام صورة القمر الصناعي أتخيل خطة لاستبدال العشوائيات في تلك المنطقة بمساكن شعبية قليلة الكثافة جيدة التصميم، تتم على مراحل من الترحيل المؤقت في محيط المنطقة و تبادل عمليات الهدم و البناء على الأراضي المحيطة بالمنطقة.

ربما يكون من المثير للأسى أن مدنا أخرى بذلت أموالا طائلة و سنوات من العمل لإنشاء بحيرات صناعية و حدائق عامة أصبحت بعد مئات السنوات من معالمها الأساسية، و لا تزال مثل هذه المشروعات تنفذ في أنحاء العالم، في الوقت الذي ندمر فيه ما لدينا منها. هل يذكر حلوان أحد اليوم؟

الآن عندما أمر من منطقة الفخرانية الفواخير في طريقي إلى المعادي دائما ما أحاول أن أسترق النظر إلى البحيرة المنسية التي تجثم على جانب شواطئها الخربة مخازن شركة المقاولين العرب، و على جوانب أخرى مباني حكومية سخيفة، و تحافها من الناحية الأخرى من الطريق مبان قبيحة أقيمت على الأرض التي طرد منها الفخرانية.

لكن موضوع المقام الذي عرفنا به أحمد صاحب أحد في تدوينة عن عين الصيرة غريب حقا. غريب مكانه، لأني أظن أن المقابر، و المقامات منها، كانت عادة ما تقام على الأراضي المرتفعة الجافة بعيدا عن مجاري و تجمعات المياه! و هو سبب وجود المقابر عند سفح تلال المقطم، مثلا. لكني أظن أني قرأت في مكان ما أن منسوب قاع البحيرة ارتفع بسبب ما يلقى فيها من ركام و نفايات، حتى أنها فاضت على الطريق في وقت من الأوقات.

كما أني بما عرفنا به صاحب أحد عن مقام طباطبا، فإني لأول مرة أجد رابطا تاريخيا في مصر للشيعة الزيدية.

29 09 2006

حديث نووي

بينما خرجت الصحف علينا بمانشيتات تعلن أن الرئيس يدعو لإقامة حوار وطني حول تبني الخيار النووي لتوليد الطاقة، نجد أن بعض الكتاب فهموا أن الحوار الوطني هو حوار الحزب الوطني مع نفسه، و تحديدا اجتماعات لجنة السياسات التي يبدو أنه دعي إليها و أنه بذلك يكون الأمر قد انتهي! و لا ينقصنا سوى لافتة تعلن أن ثمانين مليون مواطن مشتاقين للنووي بمن فيهم العجل في بطن أمه.

الخيار النووي الذي طرحه جمال مبارك في المؤتمر الرابع للحزب الوطني خلال جلسة بدائل الطاقة و أبدت الولايات المتحدة مؤشرات إلى أنها يمكن أن تتعاون مع مصر فيه و رحبت به فرنسا يمكن أن نفسره على أنه أحد أمرين:

هو في أسواء الأحوال خطوة الهدف منه معادلة القوة النووية الإيرانية من وجهة النظر الأمريكية التي تتبناها حكومة مصر، و هو فرصة للحكومة لطرح قضية تبدو في الظاهر هامة و استراتيجية و خطوة شجاعة و تكون في ذات الوقت مدخلا جمال مبارك إلى قلوب الجماهير اقتداء بأحمدي نجاد الذي نال احترام الشعوب العربية و المصريين لموقفه الصلب في مواجهة ضغوط أمريكا، كما يرى فردريك رشتر في موقع العروبي؛ و هنا يبدو أنه سيكون من المتوقع منا أن نتعلم أن نكف عن القلق و أن نحب القنبلة.

يُرجِّح من وجاهة هذا التفسير ما حدث من تفكير في إعادة تخصيص الأرض التي كانت مخصصة لإنشاء محطة نووية في الضبعة و بيعها لمستثمر في السياحة و هو ما أحدث جدلا في بداية عهد حكومة أحمد نظيف في 2004؛ و كذلك سؤال يؤرقني: أين كان المجلس الأعلى للطاقة الذي انعقد الأسبوع الماضي لأول مرة منذ عشرين عاما! و هو المخول بالتخطيط الاستراتيجي لشؤون الطاقة بما فيها مشروعات أنفقت فيها مليارات خلال هذه السنوات.

في السيناريو الأفضل قليلا سياسيا، تكون هذه الخطوة استغلالا للظروف الدولية لإعادة إحياء البرنامج النووي المصري الذي تعطل منذ الثمانينيات، بداية عصر الرخاء و الاستقرار المعروفين. لكن التمسك بخطط قديمة لإنتاج الطاقة في ظل التغيرات التي جعلت الوسائل النظيفة لإنتاج الطاقة أكثر جدوى و أمانا يحتاج إلى مراجعة.

سؤال آخر يؤرقني أكثر من السابق: أين كان هذا التوجه منذ بضعة أشهر عندما كانت الوعود الانتخابية بالنعيم القادم تتدفق من كل مخرج إعلامي حكومي! عندها لم تكن جذوة الوحي قد انطلقت من واشنطن بعد، و لم نكن اكتشفنا أن الطاقة النووية هي أساس التنمية .

أنا إن كنت أيدت حق إيران في امتلاك برنامج نووي سلمي أو حتى عسكري إن هي اختارت، من منطلقات سياسية و إن كنت لا أحض عليه من منطلقات بيئية، فإني أرفض أن يكون لمصر برنامج مماثل.

وجود مفاعل نووي في مصر، و لو للأغراض السلمية، سيؤدي إلى فقدان مصر القدرة على الضغط على إسرائيل لوقف برنامجها النووي. ليس أن مصر كانت تمارس هذا الضغط بشكل فاعل، فالحقيقة أنها كانت تستخدمه كورقة إعلامية في الأوقات المناسبة فقط لكنها لم تضع هذا الهدف نصب عينيها بشكل جدي في أي وقت. وجود برنامج نووي سلمي في إسرائيل هو أخطر على مصر من سلاح نووي في إيران. لن نسمع بعد اليوم عبارة شرق أوسط خال من أسلحة الدمار الشامل على لسان الرئيس.

الخليجيون أنفسهم لم يجمعوا على أن وجود برنامج نووي في إيران هو تهديد مباشر لهم و العقلانيون منهم غير المهووسين بضلالات الشيعة و السنة يدركون أن إيران لن تسعى يوما لضرب دولهم - و إن كان يوجد من له هذه الرؤية البارانوياوية - إلا أن مخاوفا أخرى من قبيل عناصر الأمان الصناعي و خشية وقوع حوادث نووية في ظل وقوع منشأة بوشهر النووية الإيرانية على الخليج الفارسي في مكان هو أقرب إلى دول الخليج العربية منه إلى العاصمة الإيرانية هي مخاوف مشروعة و مبررة. طالع توصيات مؤتمر مخاطر وتداعيات الانتشار النووى الذي اختتم أعماله منذ أسبوعين في المنامة و ارتياح إيران لنتائجه.

و فيما لا يختلف كثيرا عن التصريح بصرف مفاعل لكل مواطن نجد من يرى أن مصر تحتاج إلى إنشاء عشرين محطة نووية دفعة واحدة!

فإذا كانت تكلفة إنشاء و تشغيل المحطات النووية، و كذلك إرث كارثة تشيرنوبل التي حولتها و ما حولها إلى مدن أشباح و التي تؤكد على أهمية وسائل الأمان و خطط مواجهة الكوارث، من ضمن العوامل التي ساهمت في تأجيل الخيار النووي لتوليد الطاقة منذ عشرين عاما، فإن الأمر لم يتغير كثيرا الآن في هذا الخصوص.

لدى مصر مفاعلين نوويين بحثيين بطاقة صغيرة، تختلف ظروف تشغيلهما تماما عن تشغيل مفاعل (أو مفاعلات) لإنتاج الطاقة بكمٍّ كبير و لا تجب المقارنة بين الحالتين أو الدفع بأن لدى مصر خبرات متراكمة في هذا المجال منذ سنوات.

مفاعل نووي

دخول مصر مجال إنتاج الطاقة بالاعتماد على التقنية النووية سيؤخر تبني وسائل إنتاج الطاقة النظيفة المتجددة المسالمة، من الرياح و الشمس و الطاقة الحيوية، و هي و إن لم تكن لتفي بكامل الاحتياجات من الطاقة فورا بالتقنيات الحالية إلا أن تبنيها كخيار استراتيجي إن صحبه دعم و ترويج التقنيات الحديثة الموفرة للطاقة و التوعية الترشيدية و دعم المشروعات الاقتصادية القائمة على تصنيع و تجارة و خدمة هذه التقنيات مع تقليل المركزية في إنتاج الطاقة من تجلياتها: إيصال الكهرباء كمستند مطلوب لمعاملات حكومية عديدة و تشجيع الانتاج و الاستهلاك المحليين للطاقة و تبادل الفائض فيها، هو أضمن على المدى الطويل و أكثر جدوى اقتصاديا و بيئيا كما تعلمت دول سبقتنا إلى أزمة الطاقة منذ عقود. فالولايات المتحدة نفسها لم يُبن فيها مفاعل نووي واحد منذ 1978.

لدى مصر محطة تجريبية لإنتاج الطاقة من الريح في الزعفرانة هي إحدى أكثر المحطات جدوى في العالم بسبب طبيعة الرياح في المنطقة مما دعا مشروعات معونة تنموية عديدة أوروبية و يابانية إلى تمويل مراحل عدة فيها.

توضح دراساتٌ جدوى إنتاج الطاقة الحرارية من الشمس في مصر بسبب أن الشمس لا تغيب عن معظم أراضيها أبدا و لا حتى تحجبها السحب، كما أن لدينا فائضا في العمالة الفنية يمكن تدريبها بحيث تكون منتجة محليا ثم تنتقل إلى إشباع الأسواق الخارجية في المنطقة بالخبرات و الخدمات في إنشاء و صيانة منشآت و شبكات إنتاج الطاقة، ثم بالبيع المباشر للفائض من الطاقة، الذي هو حتما أكثر جدوى من بيع الغاز لإسرائيل؛ الغاز الذي تدعي الحكومة أن برنامجها النووي يأتي لمواجهة نفاذه القريب.

عودنا مسؤولونا الملهمون دائما أن يفاجؤنا بإجابات لمشاكل مزمنة كانوا يتجاهلونها تماما و كأن الحلول التي يقترحونها لم تخطر على بال بشر من قبل، فأصبحت الطاقة النووية هي الإجابة لمسألة النضوب الحتمي للطاقة الأحفورية، و هي إجابة خاطئة كما يري صاحب الأشجار.

تقنيات إنتاج الطاقة من المصادر المتجددة هي الأمل الباقي للتغلب على مشاكل نقص الطاقة و جانب من مشاكل التلوث و إستحداث صناعة نكون روادا فيها، بضربة واحدة، إلا أننا نترك كل هذا إلى الخيار النووي الأمريكي الذي نكون فيه مجرد مستهلكين لتقنيات مستوردة تفوق مقدرتنا على تطويرها، و هو كذلك خيار لا يبني صناعة و لا يوظف عمالة و يضر حتما بالبيئة على المدى الطويل، لأن الطاقة النووية لن تكون أبدا آمنة، بسبب طبيعتها.

أين سندفن نفاياتنا النووية بعد بضعة سنوات عندما تبدأ أولى دفعات الوقود النووي في النضوب؟ سنضطر لاقتطاع مساحات من الصحراء و إعلانها مناطق محظورة لندفن فيها النفايات النووية التي تمتد أعمار النصف منها إلى عشرات الآلاف من السنين، و هو خيار اتخذته قبلنا دول مثل الولايات المتحدة منذ عقود لتكتشف بعد سنوات عديدة أنه لم يكن آمنا كما صور لهم وقتها. مساحة مصر ليست كبيرة بما يكفي لتحمل مثل هذا العبئ.

نقطة أخرى نضعها في كفة المعارضة لبرنامج نووي هي أن وقوع حادثة نووية، في ظل الفشل الذريع للحكومة في مجابهة الأزمات بشكل عام و في ظل عدم قدرتنا كمجتمع عموما على الأداء الدقيق هل تذكر الإبرة المشعة في القليوبية، قد يكون كارثيا و بالذات إذا ما رأى مسؤول مثل الدكتور عبدالحميد زهران رئيس هيئة الطاقة الذرية الأسبق أن تكلفة إنشاء المحطة العادية يقترب من النووية أي أن المحطة النووية ستبنى بتكلفة مقاربة لتكلفة إنشاء محطات الكهرباء التقليدية التي تعمل بالديزل أو الغاز!

تتغير معادلة الجدوى النووية تماما في حالة مصر عندما نأخذ في الحسبان فرص إنتاج الطاقة من المصادر النظيفة المتجددة و كذلك عوامل الأمان و العوامل الاجتماعية و الاقتصادية و الوقع على البيئة و تكلفة التخلص من النفايات و مخاطر الحوادث؛ و هي عوامل أشك أن لدى المؤسسات المصرية حاليا منهجيات أو نماذج لموازنتها.

من أجل درء العين و سد الطريق على من يروجون البدائل المتجددة لإنتاج الطاقة تحشر في التصريحات الحكومية في الصحف كلمات الطاقة الجديدة و المتجددة للإيحاء بأن هذه البدائل كلها يتم دراستها بنفس الوزن، يسهل مهمتهم أشخاص مثل المذكور في بداية هذه التدوينة.

على الهامش النووي المصري لا بد لنا من ذكر السيد المحترم محمد البرادعي، مدير الوكالة الدولية للطاقة النووية الذي أكن له شخصيا احتراما عميقا لأنه استطاع خلال السنوات القليلة الماضية أن يحافظ على حرفية مهنية مصحوبة بحنكة سياسية دون أن يخضع للضغوط الأمريكية التي لا بد و أنه يتعرض لها لحرف موقف الوكالة من إيران ليتطابق مع الموقف الأمريكي العدواني فتصبح الوكالة هي التخريجة الشرعية الدولية لسياسة أمريكا مع إيران. هو الرجل الذي لم أفهم على الإطلاق دافع بعض الناس لاتهامه بالتخذال و بالعمل لصالح أمريكا عندما فاز بجائزة نوبل للسلام السنة الماضية و التساؤل عن دلالات سياسية خفية لذلك الفوز.

00:59 31-12-2006

هناك من هم أعلم مني في الموضوع و لهم نفس الرأي الذي طرحته أعلاه؛ في أكثر من نقطة؛ كما أن هناك آخرون رأيهم يزيد من معقولية الرؤية التي طرحتها أعلاه.

08 08 2006

على ورق الموز دلّعني: رسالة في العجب

جانش

السيد الفيل الوردي أبو زلومة، بعد التحية و الاحترامات،

اعلمْ أنها أمطرت اليوم على أرضك لكن الجو ليس رطبا و أن رعيتك طيبون لكنهم لا يفرقون بين نعم و لا و ربما في الإيماء و أن ألسنتهم تلهج من التوابل الحارقة و أن منخيري بتسيح آناء كل وجبة؛ كن في عونهم.

و اعلمْ أن أن الناس التبس عليهم تفسير وحيك فهم يصنعون الطعمية من الموز و يقدمونها على ورقه؛ لذا فالسلمندر هفتان لأنه لا يجد ما يأكله.

و أن المرور على اليسار و اليمين و فوق و تحت لكن من غير شتيمة و أن النخيل يطرح جوز البلد و السناجب تلهو على أغصان الشجر.

و أن الپان يصنعه الرجل من خلطة الجوز و المكسرات و مربى الورد و تمر الهند و يلفه في ورقة شجر تكللها رقيقةُ فضةٍ لأمضغها ببطء و أبصق عصيرها الأحمر الذي يخضب فمي.

و اعلمْ كذلك أن السلاحف هجرت الشاطئ و لم تعد تضع بيضها عليه ليفقس بمئات الآلاف في نفس اللحظة؛ و أن موسم المونسون إن جاء فستغرق الشوارع في شبر ماء؛ لكن النمل لا زال يبني أبراجه من الطين.

عزيزي الفيل الطيب،

بالرغم من أن أرضك هي الحاصلة رسميا على لقب أم العجائب إلا أن ما أفقدني صوابي فعلا هو أن بضان هنا ليس سبة و لا لفظة قبيحة لكن اسم أحد رعاياك الظرفاء!

سيدي أبو زلومة،

امتط فأرك و طف أرجاء مملكتك لتحل عليها الحكمة و البركة في عيدك.

21 06 2006

الأمل في الغردقة قريبا

في الميناء السياحي في الغردقة ترسو بعد أيام أحدث و أكبر سفن السلام الأخضر، إسبرانثا، التي يعني اسمها بالإسبانية الأمل. و هذه الوقفة محطة في رحلتها التي هي جزء من حملة دفاعا عن المحيطات، التي تستمر لمدة عام بهدف التعريف بالأخطار التي تهدد المحيطات و الشواطئ و التنوع الحيوي بسبب الصيد الجائر و أنشطة بشرية أخرى غير مقننة و لا مدروسة بيئيا تتسب في تدمير البيئات البحرية على الشواطئ و في أعالي البحار و تؤثر سلبا على حياة البشر الذين يعيشون بالقرب منها بمن فيهم الصيادون المحليون و من يعتمد رزقهم على السياحة.

إسبرانثا يوم 17 أكتوبر 2005 بالقرب في روتردام في هولندا

فإن كنتم في الغردقة أو ستمرون بها ما يوم 25 أو 26 يونيو، يمكنكم زيارة المعرض الذي سيقام على ظهر السفينة و مشاهدة الفيلم التسجيلي الذي يوثق للجمال في ساحل البحر الأحمر و أيضا الخراب الذي أصاب بعض أجزائه سريعا بسبب التوسع العمراني و الأنشطة البشرية و حضور المؤتمر الصحفي في اليوم الأول و كذلك التبرع لدعم أنشطة السلام الأخضر و التعرف على ما يمكنكم فعله للمساعدة.

الزيارة في اليوم الأول من 15:30 حتى 19:00 و الثاني من 9:00 حتى 14:00

كما يمكنكم متابعة الصورة الحية التي تبثها كاميرا في مقدمة السفينة و متابعة يوميات الرحلة.

إسبرانثا هي ثاني سفينة تزور مصر في إطار حملة للسلام الأخضر إذ سبقتها زيارة القارب النهري آنّا في أكتوبر 2005 ضمن حملة الطاقة المسالمة.

22 04 2006

ثيتا خضراء كبيرة

منذ خمسة عشر عاما كانت أكياس البلاستيك رفاهية لا ينالها سوى من يتسوقون في المحال الفخمة القليلة في البلد.

و كان من يحصل على كيس بلاستيك نتيجة شروة ما يعامله معاملة الغالي النفيس، فيغسله و يجففه و يعيد استخدامه مرة بعد مرة، و يحرص إن أعطى أحدا شيئا أن يضعه له في كيس محترم.

لا زلت أذكر حقيبة التموين الضخمة ذات العجلات و ذراع السحب التي كانت تستعملها جدتاي، وشبكة الخضروات الخضراء ذات اليد الدائرية الكبيرة.

الآن أصبحت أكياس البلاستيك تطير حولنا في كل مكان!

Θ

يُصر أصحاب محلات البقالة و عمال السوبر ماركت على وضع ما أشتريه في كيس بلاستيك حتى لو رفضت، و حتى لو كان كل ما اشتريت شيئا واحدا بحجم اليد. يعتبرونها كرما أو مجاملة أن يضع كل قطعتين في كيس كبير بمفردهما! ويستغربون رفضها، و يعتبر الكثيرون مسك ما اشتريته في يدك عيبا!

العمر الاستخدامي لمعظم هذه الأكياس قصير جدا، لأن الغالب الرخيص منها رديء الصنع و بالكاد يكمل رحلة عودة المتسوق إلى منزله. كما أن وفرتها لا تشجع المستهلكين على إعادة استخدام القليل الجيد منها بنفس حرصهم القديم على ذلك. و النتيجة أن معظم نفاياتنا تتكون من أكياس البلاستيك التي يصل جزء منها إلى مطامر النفايات على حواف المدن، حيث تنتظر تحللها في بضعة عشرات الألوف من السنين، و جزء كبير منها إما يحرق مطلقا الدايوكسينات المسرطنة، أو يطير في الهواء حولنا ليمنح الربيع مذاقا خاصا.

ستندهش من المدى الذي تصل إليه أكياس البلاستيك بعيدا عن العمران. و ستجدها عالقة في النباتات الصحراوية على جانبي الطرق في أماكن تبدو للوهلة الأولى نائية و بعيد عن العمران و الأنشطة البشرية. مزارع البلاستيك الشيطانية.

Θ

في مثل هذه الأيام من عام 2004 و تزامنا مع يوم الأرض (الذي في أبريل، إذ يوجد اثنان)، نظمت مجموعة من محبي الطبيعة و المحافظة على البيئة، أغلبهم من جماعة صحارىسفاري، حملة ليوم واحد لتنظيف وادي دجلة الذي يقع جنوب ضاحية المعادي، و الذي كان بمثابة مزار جيولوجي و إيكولوجي يتميز بقربه من المدينة و مهرب صحراوي خلوي للكثير من العائلات و الشباب في ما مضى قبل أن يزحف عليه العمران و الطرق، و قبل أن تنشأ المحافظة إلى جواره مكبا للنفايات و قبل أن تعلنه الحكومة محمية و تبني مركزا قبيحا للزوار و بوابات للتذاكر لما بقى منه.

كانت حصيلة الجهد الذي شارك فيه أكثر من 180 متطوعا، و نظمته مجموعة من الشباب منهم صاحب لأشجار، أكثر من 14 بالة جوالا كبيرة يكاد يكون كل محتواها من أكياس البلاستيكية الخفيفة التي جمعت من الوادي. كانت الحملة منظمة تنظيما عاليا يفوق في كفاءته ما يحققه المحترفون. روَّجَت له و غطته الإذاعة و مطبوعات و التلفزيون.

تصميم شهادة مشاركة في حملة وادي دجلى 2004

لم تكن الرسالة الرئيسية للحملة أن يتشارك عشاق الوادي الجميل في تنظيفه و حسب، بل أن يلفتوا الأنظار إلى ما يمكن أن ينجزه التطوع و التنظيم الجيد، و إلى خطر الأكياس البلاستيكية بشكل عام و إثارة حوار حولها و يتطرق إلى ترشيد استخدامها و بدائلها.

كانت الخطوة التالية هي حملة للترويج للعودة إلى استخدام أكياس القماش ذات العمر الطويل في التسوق و على الأخص في التسوق اليومي للضرورات و المستهلكات، بدلا من تلك البلاستيكية؛ لكن انشغال المنظمين في شؤونهم الخاصة و عدم اكتمال دراسات الجدوى المتعلقة حال دون اتمامها.

لكن الفكرة لا تزال قائمة لمن يريد تنفيذها.

18 01 2006

مرة أخرى تلعب حكومتنا دور المغفل الدولي

..فسمحت بعد انتظار ثلاثة أيام لحاملة الطائرات الفرنسية الكُهنة كلمنصو بالعبور في قناة السويس إلى مثواها الأخير في الهند، حيث ستدفع لتشحط على ساحل گُجرات لينقض عليها مئات العمال الهنود الفقراء فيقطعوا فيها و يفككوها بما يكاد يكون أيديهم العارية. هذه هي هدية العام الجديد من فرنسا إلى الهنود. (الخبر في الإنجليزية أوفى في المعلومات دائما، حتى في بي بي سي!)

تذرَّع المسؤولون في وزارة البيئة بأن حاملة الطائرات، لأنها معدات عسكرية كما ادعى الفرنسيون، لا تخضع لاتفاقية بازل الدولية بشأن المواد الخطرة. المفروض أن السفينة الخردة التي نزع منها كل ما له قيمة عسكرية أو تكنولوجية معتبرة، حتى المحركات، انتهت صفتها العسكرية و تحولت إلى سفينة خردة، و إلا كيف ستسمح البحرية الفرنسية للعمال الهنود بالعمل على تخريدها!

المسؤولون المصريون، في محاولة لإظهار أنهم شايفين شغلهم، صرحوا بأنهم سوف يفحصون السفينة للتأكد من أنها لا تشكل خطرا على البيئة المصرية - باعتبار أن البيئة المصرية منفصلة عن باقي العالم و تهضم الزلط أيضا، و بالطبع المفارقة واضحة لأن السفينة لو كانت لا تزال تعتبر آلية عسكرية لما سُمح لأحد بالاقتراب منها.

الهند لم تقبل بعد رسميا دخول السفينة إلى مياهها اللإقليمية و لا زالت القضية منظورة أمام محاكمها و لن يبت فيها قبل منتصف فبراير.

في الوقت الذي يُذعن فه المسؤولون المصريون للضغط الفرنسي يتهمون بكل صفاقة نشطاء السلام الأخضر المصريين بالتعاون مع الأجانب ضد السيادة الوطنية!

تفاصيل أكثر و خلفية الأحداث سجلها صاحب الأشجار.

الخطر يكمن في المواد الخطرة التي تدخل في تركيب جسم السفينة العملاقة العتيقة، مثل الإسبستوس المستخدم للعزل و مقاومة الحريق (في سفينة حربية يكون هذا مضاعفا) و مئات الكيلومترات من الكابلات التي تغلفها اللدائن و كذلك طلاء الهيكل الذي تدخل في تركيبه العناصر الثقيلة السامة. كل هذه الملوثات تتسرب إلى البحر و الهواء و أجسام العمال.

السبب وراء كل هذا هو أن تكلفة تفكيك السفينة في أوروبا، باستخدام تقنيات متقدمة و حيث الأمن الصناعي مفروض بحكم القانون و في ظل احتياطات بيئية مناسبة ستقارب قيمة الحديد الخردة المستخرج من جسم السفينة. في الهند لا يوجد شيء من هذا القبيل.

لكن حسابات الجدوى بهذا الشكل لا تكون صحيحة. لأن لم في الاعتبار تكلفة عوامل أخرى، مثل الأثر البيئي و الإنساني. فاستهلاك موارد بيئية غير متجددة له ثمن، و السماح لملوثات بالخروج إلى البيئة لتبقى تأثيراتها لمئات السنين له ثمن، و تدهور صحة البشر له ثمن، و ضعف انتاجية البيئة من الصيد و الزراعة له ثمن، و انقراض الأنواع له ثمن. بعض هذه التكاليف مداها قريب و آثارها محسوسة فورا و بعضها ستظهر آثاره بعد سنوات قليلة و بعضها ستدفع الأجيال القادمة و الكوكب كله ثمنه في المستقبل.

النموذج الاقتصادي السائد في العلم كله حاليا بحاجة إلى مراجعة و إعادة نظر.

و لترى بنفسك مستوى موظفي وزارة البيئة المصريين اطلع على نموذج مراسلاتهم مع السلطات الفرنسية، و التي ردت عليها الأخيرة بمستندات ملغية.