هذه الصفحة تعتمد على صفحات الطرز المتراصة (CSS)
2007/08/09

مُخْتَلُّ

حتى هويتك كإرهابي أصيل قد لا تكون مناسبة أحيانا؛ و عندها يتوجب عليك البحث عن هوية أخرى.

لماذا؟

لأن هناك حالة واحدة في هذا البلد: "الأمن مستتب"!

في بلاد يعد فيها مختلا عقليا يهذي بكلمات غير مفهومة كل من:

عندها لا يبقى سوى خيار أوحد: أنا مختل.

قميص قطني عليه تصميم من كلمة "مُخْتَلُّ" بخط النستعليق

مختلون آخرون:

2007/08/04

جزيرة الزمرد: أيرلندا

أثناء القراءة، استمع إلى أغنية Kiss me, I'm Irish لفريق Gaelic Storm، بتنزيلها من موقعهم.

جوناثان سويفت مؤلف رحلات جلفر، جيمس جويس، صمويل بيكيت، برنارد شو، أوسكار وايلد، برام ستوكر مؤلف رواية دراكولا؛ كلهم أيرلنديون، و كلهم ما عدا الأخير ولدوا في دبلن.

دَبلِن اليوم إحدى أغنى المدن الأوروبية و أسرعها نموا، مثلها مثل باقي أيرلندا كلها التي ارتفع فيها مستوى حياة الناس بمعدلات كبيرة فصنفت أفضل دولة في مستوى المعيشة عام 2005، و هي حاليا صاحبة أكبر نصيب للفرد من الناتج القومي من بين الدول الأوروبية، و ذلك بأثر نمو اقتصادي مستمر منذ أوائل التسعينيات دفع الصحافة الاقتصادية لتسميتها النمر الكِلتِيّ Celtic Tiger، بعد أن كانت قبل عقدين إحدى أفقرها. و رغم هذا فلا تزال أمارات الحياة الرقيقة بادية في هيئات و بيوت الكثيرين، و هي أكثر في الريف، بعيدا عن العاصمة التي يسكنها ربع السكان.

منذ دخلت إيرلندا حيز الاتحاد الأوربي انساب إليها عدد غفير من الساعين إلى العمل من دول شرق أوروبا التي انضمت إليه حديثا، حيث لا تتطلب الإقامة و العمل تصاريح خاصة و لا تأشيرات؛ فكل الأوروبيين متساوون في كل أوروبا. يشكل الأجانب حاليا عُشر تعداد السكان، يأتي في مقدمتهم البولنديون و المولدوفيين و اللاتفيين. سمعت خلال تجوالي العربيةَ لغة للحديث بين عابرين و أُسَر، و كانت المصرية أكثر لهجة عربية سمعتها.

كان الأيرلنديون تقليديا فلاحين و رعاة و صيادي سمك. مجاعة البطاطس الشهيرة هي مثال على ما يمكن أن يحدث عندما تبدي الطبيعة وجهها الآخر للإنسان؛ ففي أربعينيات القرن التاسع عشر انخفض عدد الأيرلنديون إلى النصف في بضعة أعوام. معظمهم ماتوا و كثيرون هاجروا إلى العالم الجديد.

تقليديا كانت أيرلندا تنتج الحبوب، و بالذات الشعير الذي يستخدم في صناعة الجعة، و اللحم، و الصوف. حديثا أصبحت الصناعات الدوائية و عالية التقنية تتخذ لها من أيرلندا مرتكنا مفضلا لفتح مقارها. فتش في الكتابة الصغيرة على قرص إصدارة ويندوز التي تستخدمها أو صندوق تغليف معالج إنتل و من المرجح أن تجد كليهما قد طبع عليه أنه صنع في أيرلندا. لكي تغري هيئة تنمية الصناعة الأيرلندية شركة إنتل لأن تختار البلد سنة 1989 مقرا لفتح مصانع و مراكز أبحاث بها قدمت لها تسهيلات و دعما قيمته 110 مليون يورو! كما أن ربع حواسيب أوروبا تصنع في مصانع شركة أبل في مدينة كورك.

و مع هذا فإن عديدين من الشباب الأيرلنديين، ممن لم يحصلوا المهارات اللازمة لا يجدون عملا، و على قلة عدد السكان فلن يتعذر عليك أن تجد شحاذا أو متشردا يفترش مدخل دكان ليلا في العاصمة.

قد ينخدع القادم من الصحراء مثلي عندما يرى السهول و التلال الخضراء و المطر الذي لا ينقطع و الزرع الذي لا يحتاج إلى ريّ يدوي شاق، فيظن أن الحياة هنا لا بد و أنها كانت سهلة، لكن الحقيقة أن الأعشاب لا تطعم سوى الماشية، أي أنك إن لم تكن راعيا فإن حياتك لن تكون رغدة، و المطر الذي يندر أن يمر يوم دونه يجعل البشر هناك يوجهون جزءا من جهدهم نحو التغلب عليه بإصلاح البيوت و الطرقات و حماية أنفسهم و حيواناتهم منه. حياة البشر لم تكن سهلة في أي مكان على ما يبدو لي.

نتيجة للمارسات الخاطئة التي سادت أوروبا في القرن التاسع عشر من إزالة للغابات لإحلال الزراعة محلها و لاستغلال أخشاب الأشجار فقدت الجزيرة كل غاباتها تقريبا، مثلها في ذلك مثل بلاد أوروبية عديدة، و تجري الآن برامج لإعادة تشجيرها فيما وصل الآن إلى 10% من مساحة الجزيرة؛ إلا أنها ما زالت يتهددها دخول أنواع نباتية أجنبية تنافس الأنواع المحلية الأصلية. كما أنه نتيجة لتكثيف استعمال الكيماويات في الزراعة و لمحدودية مساحة الأرض فإن الأنواع الحية عموما تعاني من ضغوط تتهددها.

لكن قصة جزر أران الثلاثة تبين أنه بالإمكان استصلاح الصخر الأصم، و ليس فقط الصحراء. فتلك الجزر الثلاث الصغيرة عند فم خليج جالواي في المحيط الأطلسي هي في حقيقتها صخرات كبيرة في المحيط. هي حرفيا صخور تبرز من الماء فأرضها ليست بها تربة و لا ينمو عليها شيء و لا يحيا. إلا أنه عبر الثلاثمئة عام المنقضية تمكن قاطنوها القليلون من صنع تربة من أعشاب البحر المتحللة الخلوطة بالرمل، بعد أن قسموا أرض كل جزيرة إلى أحواض تحفها أسوار حجرية للحول دون أن تجرفها الريح، و زرعوا فيها البطاطس و ربوا الأغنام. لم يتح لي وقت للعبور إلى الجزر للأسف، ربما مرة أخرى.

يمكنك في وسط العاصمة أن تلمح نساء لاجئات، ربما كن أوربيات شرقيات، يحملن أطفالا يستجدين بهم عطف المارة. و بينما أجلس عند أقدام تمثال تحت شجرة أستغل انهمار المطر في الراحة و التفكير في الخطوة التالية، اقترب مني طفل يسألني مالا و يشير إلى حذائه المثقوب. عرفت بعد برهة أنه بوسني، لا يذهب إلى المدرسة، و لم يبد عليه فهم أين تقع مصر فظل يسألني إن كنت أيرلنديا أو أمريكيا.

موزايكو من 28 صورة من أيرلندا

قصة نضال الأيرلنديين ضد الاستعمار الإنجليزي معروفة لنا من الأفلام التي تحكي قصص ثوراتهم ضد الإنجليز في النصف الأول من القرن العشرين حتى إعلان الجمهورية عام 1916؛ لكن الأفلام وحدها لا تصف ما حدث. فمن تفكيك منظم للمجتمع الكلتي التقليدي بدأ منذ العصور الوسطى و إحلال نظم المجتمع الأنجلوسكسوني محله، إلى تهميش الأيرلنديين و أتباع المذهب الكاثوليكي و تقديم الإنجليز جنسية و دينا عليهم، إلى إعادة توزيع ملكية الأرض، مصدر الثروة الرئيسي، و خلق نظام إقطاع مختلف عن ما سبقه تكون اليد العليا فيه للإنجليز و من والاهم؛ إلى استطيان منظم و مباشر بجلب عائلات من الفلاحين الإنجليز لاستيطان الأراضي.

لا أعرف مدى أثر نضال الأيرلنديين الانفصاليين في الجزء البريطاني من الجزيرة على مجريات الحياة هناك، لكن يقال أن عاصمة الجمهورية، دبلن، لم تتأثر كثيرا بالحرب الأهلية التي كانت دائرة حول بلفاست، عاصمة الشمال البريطاني.

على طرق السفر بين المدن أتذكر شخصية في فلم Brave Heart - الذي لا أحبه - لرجل أيرلندي صاخب مفرط الحماس لقتال الإنجليز و هو يصيح إتس ماي أيلاند (إنها جزيرتي). ثمة نهضة واضحة في إنشاءات الطرق السريعة و التقاطعات المصممة لتسهيل و زيادة أمان السفر و النقل عبر الأقاليم، و كذلك أعمال الشبكات و المرافق داخل المدن. ما يبدو لك لأول وهلة أشجارا عشوائية و أراضي تركت لتنمو فيها الأحراش على جوانب الطرقات، ستعرف إن حالفك الحظ أن تراها أثناء تشييدها أنها صممت لتبدو كذلك و بذل فيها من الجهود الهندسية الكثير.

في دبلن كان ينتصب عمود لنلسون، شبيه بالذي لا يزال في ميدان ترافالجار في لندن، أقدم منه و أقصر منه بعشرين مترا، أقامه الحاكم البريطاني لأيرلندا عام 1808 رغم معارضة بلدية المدينة، و ظل العمود مكروها باعتباره رمزا للاحتلال، لكن كل خطط إزالته تعثرت، حتى فجره أعضاء سابقون في الجيش الجمهوري الأيرلندي عام 1966 في عملية لم يصب فيها أي شخص؛ منهم واحد كان قد صرف من المنظمة بسبب دأبه على القيام بعمليات غير مصرح بها، و بعدها تصدرت أغنية Up Goes Nelson قائمة الأغاني لأسابيع. معظم الأيرلنديين سرَّتهم إزالة العمود، و لم يُدن أحد بسبب تلك الواقعة حتى اليوم. الجيش الذي جاء ليفجر قاعدة التمثال بعد أن أصبح مشوها و لا جدوى من ترميمه، أحدث تفجيره المدروس على يد خبراء الجيش في الشارع أضرارا أكثر مما أحدثه التفجير الأول، مما جلب عليهم سخرية المواطنين. احتفالا بحلول الألفية الميلادية الثانية أقيم في موضع العمود المدمر نصب هو الأطول في العالم.

الأيرلنديون يشتهرون بباراتهم. البار عندهم هو مقابل المقهى في ثقافتنا، و ليس مقابل الحانة كما نعرفها. مكان يجتمع في الكهول و الشباب، رجالا و نساء، و يدور فيه جانب كبير من حياتهم، أفراحهم، و أحزانهم. لا توجد قرية في أيرلندا ليس فيها بار و كنيسة، حتى لو كانت من دارين. و إن حالفك الحظ فقد تدخل بارا تعزف فيه جوقة محلية موسيقا شعبية. يرى بعض السامعين الموسيقا الشعبية الأيرلندية متشابهة فيملونها بعد فترة، لكني أجد تلك التنويعات اللامتناهية و ارتجال العازفين بالدخول و الخروج في المناطق التي يشاؤون مذهلا و لا أمل منه أبدا. الموسيقا الأيرلندية أشبه بموجة قادمة من المحيط إلى جزيرتهم. كل الموج متشابه، لكن لا توجد موجتان متطابقتان. جينس اختراع حقيقي، كما يمكن زيارة معمل تصنيعها الذي يسهم وحده بنسبة معتبرة من الدخل القومي للدولة، و الذي حول إلى متحف و مزار.

رغم أن اللغة الأيرلندية Gaeilge - و هي إحدى اللغات الجايلية، لغات الكلت - اللغة الرسمية الأولى للدولة ليست حاليا اللغة الأم لأغلب الأيرلنديين فيما عدا من يعيشون في أقاليم تعرف لهذا السبب باسم جايلتاخت، إلا أنها تسبق الإنجليزية كتابة في كل مكان، كما أن الجميع تقريبا يفهمون إحدى لهجاتها الأربع الرئيسية، كما أنها تدرس إلزاميا في كل المدارس التي تدعمها الحكومة ماديا.

لا يمنع اعتزاز الأيرلنديين بثقافتهم التقليدية أن يتخذوا من جارتهم العملاقة بريطانيا قدوة في مجالات التنظيم و الإدارة. يظهر هذا لكل من زار البلدين في جوانب مختلفة. كما أن ثقة الأيرلنديين المتزايدة في أنفسهم كأوروبيين ناهضبن اقتصاديا لا تمنع كون علاقاتهم الثقافية و الاقتصادية بالولايات المتحدة الأمريكية وطيدة حيث تحقق لأيرلندا فائض تجاري معها يبلغ 15 بليون دولار عام 2003.

يقال أنه من المؤشرات التي يمكن أن تستدل بها على انتقالك من الشطر الشمالي التابع لبريطانيا إلى الجمهورية - إلى جانب تغير شبكة الهاتف المحمول - تغير لافتات الطرق من النمط الأوروبي/البريطاني إلى الأمريكي. ليس بين شطري الجزيرة حواجز حدود و لا جمارك، كما أن كثيرا من جوانب الحياة تديرها في كلا الشطرين إدارات مركزية موحدة عابرة للدولتين، أيرلندا و بريطانيا، و كذلك في مجال الاتحادات العمالية و الرياضية.

حتى ثمانينيات القرن العشرين، في فترة التدهور الاقتصادي و السكاني، كان حلم الشاب في الريف الأيرلندي الهجرة إلى أمريكا، حيث العمل وفير و النساء متحررات؛ على ما كانوا يظنون في صورة نمطية يبدو أنها لا تقتصر علينا. أجزاء عديدة من أيرلندا اليوم كثافة السكان بها أقل مما كانت عليه منذ مئتي عام، ففي أوقات الشدة هُجرت قرى عن بكرة أبيها، مع كون بعض الأماكن في الجزيرة استمر مأهولا منذ بدايات العصر البرونزي و حتى ذاك الحين؛ و حيث لا تزال تنتصب إلى اليوم آثار غامضة المنشأ. يوجد من ذوي الأصول اليرلندية في في العالم الجديد أكثر مما يوجد في الجزيرة، و لذلك يعد الأيرلنديون أيرلندا وطنا أكبر كثيرا من مساحة أرضه.

أيرلندا ليس فيها أفاعي، بسبب آليات الطبيعة، إلا أن الأيرلنديين يعزون هذا إلى أسطورة ترجع ذلك إلى بركة القديس بادرِِج.

الأيرلنديون الذين راقبتهم متحفظون لا يبالغون في الانفعال سلبا أو إيجابا مع الغرباء، لكنهم ليسوا أفظاظا إن حادثتهم، و هم ودودون فيما بينهم يرحبون و يبتسمون.

صباح يوم أحد، كنت أجري في الميدان الرئيسي في دبلن، حول نصب النور، إلى محطة الباصات الإقليمية حاملا حقيبتين من الأمام و الخلف و أمسك في يد طعاما اشتريته للتو و في الأخرى خارطة، سألني كهل إن كنت ضللت الطريق؛ شرح لي كيف أصل إلى المحطة و همَّ أن يسير معي إليها بالرغم من عرجه الواضح.

في الوقت الذي كنت أقرأ فيه عن أخبار اعتداء جديد على المسيحيين المصريين بسبب الكنائس، لفتت نظري لافتة على حجرة في إحدى ردهات كلية جامعة دبلن. و عندما دخلتها لأعرف لصلاة من خصصت، لم يخب ظني؛ إذ وجدتها لصلاة المسلمين.

لافتة مكتوب عليها 'C301 - Male Prayer Room' و عليها شعر كلية جامعة دبلن   غرفة صلاة المسلمين في مبنى علوم الصحة في كلية جامعة دبلن؛ تبدو سجادتي صلاة على أرض غرفة خاوية و قد سقطت عليهما أشعة شمس خفيفة من نافذة. خلف المصور توجد ميضأة صغيرة في قسم مدخل غرفة.

أغلب الأيرلنديين كاثوليك متدينون، لن يخيبوا ظنك إن وقفت يوم أحد تراقب خروجهم بالعشرات من كنيسة في بلدة صغيرة، و لا يزال بإمكانك أن تلمح شيخا أو امرأة عجوز ترسم علامة الصليب عند مرورها في الشارع أمام كنيسة. أيرلندا من الدول الأوربية التي لا يزال الإجهاض فيها ممنوعا، و الطلاق كان كذلك حتى سنة 1995.

لكن ذلك لم يمنع مجموعة من الطلاب الوافدين، الأجانب، غير المواطنين، الذين تصادف أنهم مسلمون، أن يُخصص لهم مكان لصلاتهم في جامعة في بلد من المفترض أن الأغلبية الكاسحة من مواطنيه و أجانبه يعتقدون دينيا أن دين هؤلاء الوافدين هرطقة و بدعة و ضلالة، و رغم ما يسود العالم من غضب على المسلمين بحق أو بغير حق…لا يهم