اكتشفت البرنامج الثقافي و أنا في الإعدادية. و انبهرت الحقيقة. مقارنة ببله و سخافة التلفزيون، و تعجبت لأني رأيتها مثل كنز لأني لم أسمع من يذكرها من قبل
وقتها كان اسمها إذاعة البرنامج الثاني و كانت مدة إذاعته 4 ساعات فقط يوميا، من 8 مساء إلى منتصف الليل.
كانت تذاع فيها مسرحيات عالمية مترجمة يخرجها مخرجين كبار و يمثلها نجوم التمثيل المصري فيبدعون فيها حقا.
ابتداء بمسرحيات سوفكليس و أسخيلوس، إلى مسرحيات دورنمات و بريخت و بيكيت و يونسيكو و جورج شحادة و الحكيم و غيرهم و أعمالا لكافكا، و غيرهم الكثير جدا مما نشر في سلاسل المسرح العالمي
و روائع المسرح العالمي
.
و أيضا أعمالا إذاعية تاريخية و علمية درامية مسلسلة عن الحضارة و العقيدة المصرية القديمة، و الحضارة العربية، و أخرى عن حياة شخصيات تاريخية مصرية و عربية و عن أحداث تاريخية فارقة.
و أحيانا لقاءات إذاعية مع شخصيات أدبية و علمية عن أبحاثهم التطبيقية في الزراعة و الصناعة.
و قراءات لأعمال أدبية، نثرية و شعرية، و محاورات لنقاد عليها، (لا تفيد سوى بالتعريف بوجود الأعمال لأن النقاد ضايعين).
و برامج قصيرة لتبسيط العلوم ليست بالسيئة.
و موسيقى كلاسيكية مصحوبة بشروحات الحسين فوزي، و أوبريتات سيد درويش.
و برنامج عن الاستخدامات المختلفة للمفردات العربية و معانيها، و الاخطاء الشائعة.
و فيها سمعت رواية ساحر الصحراء لأول مرة التي عربها بهاء طاهر عن باولو كويلو، و لم ألتفت إليها كثيرا. كان ذلك قبل سنوات طويلة من شيوع الهوس بكويلو.
في تلك الإذاعة كان يوجد مذيع اسمه الجمل كان يقرأ ملخصات مقالات مجلة العلوم دون ذكر مصادرها، و منه سمعت اسم إنترنت منطوقا: إنْتْرِنْت
، بالتسكين.
مع الوقت تحول اسم الإذاعة و زادت مدة بثها على مراحل حتى تضاعفت عن بداية عهدي بها، وزادت قوتها و أصبحت تصل إلى معظم أنحاء البلد.
و أصبحت فيها مسلسلات طويلة منها اثنان من السير الشعبية و الملاحم كتبهما فاروق خورشيد عن الجرهمي التائه
و الإسكندر ذي القرنين
.
ثم اختفى منها الشريف خاطر، المخرج الإذاعي اللامع.
ثم زادت فيها لقاءات النقاد و جدالاتهم.
و قلت الأعمال العالمية الكلاسيكية.
و زادت البرامج الدينية و سير الشخصيات الإسلامية حتى طغت عليها، حتى أصبحت أظنها أحيانا إذاعة القرآن الكريم أثناء توليفي محطات الراديو.
ثم اختفت الأعمال الكلاسيكية تماما، و اختفى برهة بنامج من كنوز البرنامج الثاني
الذي كان يذيع أعمالا من بدايات تلك الإذاعة.
و زادت إلى حد مبالغ فيه تسجيلات مناقشات رسائل ماجستير و دكتوراه لطلبة يبدو من طرق كلامهم أنهم متواضعين جدا علميا، ثم أنهم يتلقون زجرا عنيفا من الأساتذة الذين يناقشونهم في الإملاء و المنهجية و نقصان صفحة المحتويات، إلا أنهم دائما ما ينالون الدرجة بمرتبة الشرف. أحسن من الشرف مفيش، و يا عيني على البحث العلمي.
ثم لم أعد أستمع إليها إلى ما ندر، و أعود إليها من آن لأخر - مثل هذه اللحظة - آملا أن أجدها كما تعودت عليها.
لكني فكرت أن أبدأ في تجميع ما أطاله من تلك الأعمال و رقمنتها، لمحت بعضا من تلك التسجيلات عند أحد أصدقاء والدي، و أتسائل إن كان يوجد من لديه المزيد منها و يريد الاشتراك في هذا المشروع الثقافي الصغير؟