هذه الصفحة تعتمد على صفحات الطرز المتراصة (CSS)
2005/01/29

المحرقة و السبط الثالث عشر

يغضب اليهود المتعصبون من أي مقارنة بما حدث في المحرقة الشهيرة بالهولوكوست في الحرب العالمية الثانية على يد النازيين، و يحاجّون بأنه لا يوجد ما يقاربها. أي أنهم يكافحون بكل السبل لإبقاء أسطورة المحرقة متفردة و متمايزة عن كل مصائب البشر الأخرى، و بغض النظر عن مدى المبالغة أو تضخم الأرقام التي يتبناها اليهود رسميا و يروجونها في الذكرى السنوية للمحرقة التي مرت هذه الأيام الماضية، و يكرسونها في المتاحف و النصب التذكارية، و يخلدونها في الأفلام و الكتابات.

مآسي شعب الله المختار لا ينبغي أن تكون مثل أي مأساة أخرى.

نجح اليهود في تأصيل عقدة الذنب العميقة من النوع المستعصي في ضمير العالم الغرب عموما و الشعب الألماني خصوصا، بحيث لم تكفي الاعتذارات و التعويضات و المساعدات التي قدمها الألمان إلى إسرائيل باعتبارها وريثة و ممثل اليهود في العالم، بل أيضا ابتزاز الألمان في كل المواقف لانتزاع دعمهم في المناسبات الدولية، أو على الأقل صمتهم عن تجاوزاتهم عن تصرفات إسرائيل أو حقوق الآخرين عندها.

و بهذا تكون إسرائيل قد ضمنت حياد الأوربيين و إبقائهم تحت السيطرة بجرعات الندم المركز، و بالطبع ولاء الأمريكيين في شرائحهم المتعاطفة دينيا من الأصل مع اليهود.

الحقيقة أن المحرقة كانت نتيجة للفكر الذي أشاعه اليهود عن أنفسهم بأنفسهم: فكرة أن اليهود في العالم كله ينحدرون من أصل واحد، و ترسيخ فكرة العرق اليهودي و هي فكرة غريبة جدا تخلط بين معتقد ديني و مفاهيم عرقية إثنية تتعارض مع أساس كل من المجالين. و مع هذا يسكت الأكاديميون الغربيون عن هذه النقطة و يتجاوزونها في صمت في معظم الأحيان.

لهذا، فقد آمن هتلر بأن الحل الأمثل لمشكلة اليهود يتمثل في التخلص منهم، فيريحون العالم و يستريحون من شقائهم الممتد عبر العصور، مثل المريض الميئوس من شفائه.

في العالم العربي هناك من يشمت و يسخر و يهوّن من شأن المحرقة من منطلق وطني أو ديني معادي لليهود في خلط ما بين اليهودية و الصهيونية، و هناك من يباري الأوربيين و الأمريكيين في التعاطف مع المحرقة كدليل على التحضر و عدم التعصب، و درءا لتهمة معاداة السامية. و أيا كان الموقف من هذه القضية فإنه يكون مشوبا دائما بالحساسية بسبب الصراع العربي الإسرائيلي.

هذه النقطة الأخيرة خطيرة جدا و مرتبطة كما قلت بالمحرقة باعتبار أن معاداة السامية هي نتيجة فكرة توحد العرق و الدين في كيان واحد التي روج لها اليهود و آمنوا بها.

و بما أني لا أكل و لا أمل من تكرار ما أراه كافيا لتفنيد هذه التهمة، فسوف أقوم بذلك مرة أخرى هنا. سوف نتغاضى مؤقتا عن عدم دقة ألفاظ معينة و صدقها علميا، لنعود إليها في ما بعد، و لنتناول أولا النصف الأول منها، و هو المعاداة:

مبدئيا هذه التهمة و إن جازت أيضا بشكل مؤقت، على العالم كله لا يمكن أن تجوز على مواطني الدول العربية، سواء الساميين أصلا مثل شعوب شبه الجزيرة العربية و معظم سكان الشام و جزء كبير من سكان العراق، أو من خالط هذه الشعوب في البلاد العربية في شمال أفريقيا. و توجيه هذه التهمة لأي عربي هو من قبيل الاتهام بمعاداة الذات.

فإذا عدنا للنصف الثاني و هو السامية و المقصود به سامية الشعب اليهودي، وجدنا أن الغالبية العظمى من يهود العالم لا يمكن بحال من الأحوال أن يكونوا ساميين. فهؤلاء اليهود الروس و الأوكرانيين و البولنديين و الأوربيين الشرقيين الآخرين، أو الغربيين من الشقر و الحمر، زرق و خضر العيون لا تجري في عروق أي منهم دماء تمتُّ لإسحق و أولاده بصلة، و لن تجد في خرائطهم الجينية دليلا لهذا النسب المزعوم. و إن وجد فسيكون مخففا كنقطة حبر في محيط، بحيث يكون ممكنا بعدها أن أدعي وجود سلف لي من قبائل السِيوكْسْ الأمريكية باعتبار أننا كلنا بشر!

من أين إذن جاء كل هؤلاء اليهود؟

في القرن الثامن، تحول شعب كامل هو شعب الخَزَر إلى اليهودية!

هذا الشعب التركي الذي كان يسكن القوقاز حول نهر الفولجا (أتل) بين البحر الأسود و بحر قزوين (بحر الخزر). كان لهم شأن و وزن سياسي، فشكلوا في البداية خط دفاع متقدم للبيزنطيين و حائلا أمام اجتياح العرب أوربا في حروب دامت قرنا من الزمان، و إن كانت علاقاتهم بالعرب قد اتخذت شكلا وديا فيما بعد، إلى أن قضى الروس على دولتهم في النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي، و إن كانوا احتفظوا باستقلال شكلي داخل حدود أضيق، إلى أن سقطوا فريسة غارات المغول في منتصف القرن الثالث عشر فساهمت جالياتهم في شرق أوربا في تكوين جاليات اليهود فيها، و فيما بعد في أمريكا الشمالية.

يقول كوستلر في كتابه القبيلة الثالثة عشرة و على الأرجح في سنة 740م اعتنق ملك الخزر و حاشيته و الطبقة العسكرية الحاكمة الديانة اليهودية و أصبحت اليهودية الدين الرسمي لدولة الخزر، و لا شك أن معاصريهم أصابتهم الدهشة لهذا القرار بالقدر الذي أصاب الباحثين المعاصرين عندما اطلعوا على ما يثبت ذلك في المصادر العربية و البيزنطية و الروسية و العبرية.

أما سبب تهود الخزر فهو محاولتهم أن يظلوا متميزين عن الإمبراطوريتين العربية الإسلامية و البيزنطية المسيحية اللتان كانتا تحيطان بها، و دفعا لأن يتم تمثلهم و إدماجهم في أيهما.

هذا ما ذهب إليه مؤرخون يهود من أمثال النمساوي المجري أرثر كوستلر سالف الذكر، و أبراهام بولياك الروسي المولد، بالرغم من محاولة العنصريين اليهود إثبات بطلان آرائهم.

و أين ذهبت سلالة العبرانيين، أحفاد اليهود التوراتيين؟

هم اليهود العرب، الذين اندمجوا في المجتمعات العربية في العراق و الشام و مصر و المغرب؛ دخلوا أيبيريا مع العرب و خرجوا منها معهم، فعاد منهم من عاد إلى بلاد العرب، و هاجر منهم إلى أمريكا الجنوبية من هاجر، و تنصر من تنصر و أسلم من أسلم و بقي على يهوديته من بقي، و عاشوا في بلادهم العربية حتى منتصف القرن العشرين. المهم أنهم ليسوا كيانا منفصلا عن التاريخ.

و لن أعرض أمر يهود الهند و الصين و الفلاشة الأفارقة.

الحقيقة أنني أثناء تدويني لتفنيد تلك الأفكار هذه المرة صدمتني مدى عبثيتها..فإذا كان من غير الممكن الإدعاء بنقاء ملايين الساميين في شبه الجزيرة العربية لاختلاطهم بالشعوب الأخرى المحيطة منذ فجر الإنسانية، فكيف يمكن للصهاينة إقناع العالم بالنقاء العرقي للشعب اليهودي المتشرذم ضئيل العدد؟!

يبلغ العبث أقصاه عندما نعلم أن مصطلح السامية من الأساس هو مصطلح فارغ من المعنى لأنه يستند على رواية الميثولوجيا التوراتية لتاريخ البشر، التي مثلها مثل كل الميثولوجيا القديمة للبشر تحاول تفسير الكون بأفكار تمثل طفولة العقل البشري؛ نستمتع بها..ندرسها في مجالها..لكن لا نعتمد عليها كمصادر تاريخية دقيقة.

في النهاية أقول:

هل محرقة اليهود أفظع من إبادة المستمرة للأمريكيين الأصليين في الأمريكتين الشمالية و الجنوبية منذ القرن الخامس عشر، و أشنع من مذابح الأرمن على يد الأتراك في 1915، و أكثر ترويعا من مجازر التوتسي و الهوتو طوال عقود، و البوسنيين في نهاية القرن الماضي!

لا أقول أن اليهود أقل من غيرهم، و لكنهم أيضا ليسوا أفضل من الغجر و الشيوعيون و الأقليات الأخرى التي قتلوا معهم لأن النازيين، بعقيدة التفوق الآري، وجدوا أن هذا أفضل للبشرية! هذه الظاهرة التي يسميها المسيري الأيقنة، أي تسليط الضوء على حدث معين باعتباره الوحيد من فئته أمر خطير، إنما يجب وضعه في مكانه الطبيعي في الضمير الإنساني الجمعي.

لو كان من الحيوانات مؤرخون لسمعنا حكايات انتصارات الأسود الشجعان على الصيادين. - مَثَلٌ أفريقي
2005/01/26

من المنتديات العربية و مجموعات ياهو إلى المدونات

سيطرت المنتديات على تجربة الشباب العربي مع إنترنت لأكثر من نصف المدة التي انقضت منذ وصول الوب إلى بلاد العرب في منتصف التسعينيات، خصوصا في منطقة الخليج. و بينما شغلت الدردشة أيضا حيزا لا بأس به من استخدام الشباب للشبكة، و خصوصا في مصر، إلا أنه نظرا للطبيعة الزائلة للدردشة فإنها لم تترك أثرا يمكن تقصيه على سطحها.

رغم أنني لا أدعي أن لي تجربة حقيقية مع المنتديات العربية يمكنني أن أتحدث من خلالها، إلا أنني استطعت من خلال مروري العابر الذي تدفعني إليه رياح الفضاء السيبرنتي أن أكوِّن فكرة مفادها أنني لا أريد أن تكون لي تجربة مع المنتديات العربية! فالقليل المفيد فيها كان مختفيا في أعماق قلاع محصنة تحميها اشتراكات و كلمات سر، و تسكنها غيلان القص و اللصق و أشباح قرصنة البرامج و الآداب و وحوش التوقيعات الملونة ذات الصور المتحركة! تسيطر على هذه القلاع مجموعات من الملاك\مديري النظم\الرقباء الذين يتحكمون في مصائرها و غالبا ما يفرضون رؤيتهم الشخصية على محتواها.

ربما كان هذا النمط السائد سببه هو الظهور المتأخر نسبيا عندما بدأت إنترنت تفقد طبيعتها التشاركية المفتوحة و تتحول إلى إقطاعيات من الحدائق المسورة التي نفختها فقاعة .كوم، و ذلك قبل أن تبدأ الأمور في التوازن مرة أخرى مع ثورة البرامج و المحتوى المجانيين و المفتوحين.

و لكن مع هذا يحمد للمنتديات العربية أنها كانت بمثابة الحاضنات التي تلقى فيها مئات المستخدمين العرب أولى دروس التعامل مع الشبكة في مناخ أليف نسبيا، و ذلك بغض النظر عن جودة المفاهيم التقنية التي رسخت في عقول هؤلاء المستخدمين، و ليشكل بعضهم فيما بعد نواة لقسم من المدونين العرب.

في نفس ذلك الوقت تقريبا كانت ظاهرة أخرى من أعرق ظواهر إنترنت، و التي تعتبر الحافظة الحقيقية لتراثها القديم - مع مفارقة أننا نتحدث هنا عن أقل من ثلاثة عقود من الزمان - و هي يوزنِت أو كما كانت تعرف أحيانا بمجموعات الأخبار، تبدأ في الاختفاء مواكبةً لتحول مركز الثقل على إنترنت بعيدا عن الخدمات الأقدم إلى وِب. شهدت هذه الردهات الرقمية مناقشات و جدلا بين سكان الفضاء السيبرنتي و من ضمنهم في ذلك الوقت الآباء المؤسسون الذين كانت أعمالهم هي السبب في وجود هذا العالم في شكله الحالي، و لكن هذا لا يعني أن المغامرين و الرحالة و المهاجرين الجدد كان دورهم يقل عن دور المؤسسين. أدت هذه المحاورات الرواقية ما بعد بعد الحداثية إلى خلق العالم الرقمي الذي يراه اليوم مستخدمو الشبكة - أو لنقل ما يرون سطحه الظاهر.

و في نفس ذلك الوقت أيضا بدأت القوائم البريدية التي كانت منتشرة بين جماعات ذوي الاهتمامات المشتركة و العاملين على مشروعات معينة تتخذ بعدا جديدا عندما ضمت ياهو إليها في إحدى أكبر صفقات إنترنت على الإطلاق خدمة إيجروبس ذات الشعبية الكبيرة التي أتاحت لمشتركيها إمكانية استخدام واجهة وِب إلى جانب البريد للتحكم في الخدمة بدلا من الأوامر شبه اليونكسية التي كان مستخدمو الشبكة الأوائل يتقبلونها باعتبارها طبيعية، و كذلك للتعامل مع المحتوى نفسه؛ فأنشأت ياهو بذلك ما يعرف اليوم بخدمة مجموعات ياهو البريدية. عندها ازداد سطوع هذا الجزء من الشبكة الذي كان أصلا يضم مئات الألوف من المجموعات التي تضم ملايين الأعضاء غير المتفردين، في مختلف مجالات الأعمال و الهوايات و التنظيم و العمل المشترك و الحوارات الهادفة و غير الهادفة. و كما هي عادة مستخدمي إنترنت، فإنهم دائما يجدون طرقا لاستخدام ما هو متاح لهم لم تكن تخطر على بال من صمم الأداة أو الخدمة نفسها، حتى أن مجموعات ياهو البريدية تحولت في وقت من الأوقات إلى مخازن لمشاركة ملفات الصور و الأفلام و البرامج مما دعا ياهو إلى منع الملحقات البريدية فيها، و تعديل سياسات و شروط استخدام هذه الخدمة و خدمات أخرى.

في شريحة عريضة منها تحولت مجموعات ياهو البريدية من وسيلة للتراسل بين المشتركين إلى مساحة للنشر أو لإعادة النشر و إبداء الرأي، باعتبار أن الكثيرين من مستخدمي إنترنت واجهتهم صعوبات فنية حالت بينهم و بين إنشاء مواقع وِب لهم لهذا الغرض و متابعة تحديثها باستمرار من دون التعرض لعبث الأكواد و الشفرات الكابوسية.

على هذه الخلفية الاجتماعية الشبكية نجمت ثورة التدوين و المدونات، و تحولت إنترنت فعلا لأول مرة إلى دار النشر للملايين، التي تسودها الأوتوقراطية الأوتونومية و اللامركزية التي هي من صفات إنترنت الأصيلة، و حيث يمكن فعلا لكل من هب و دب لا أقصد المعنى السلبي السائد أن يقول ما يريد، ليشهد النشر الفردي الذاتي بالعربية على إنترنت أول صحوة حقيقية له، و ليجتذب إليه أفضل عناصر عصر المنتديات، الذين هم أكثرهم ألمعية، و تفردا و استشرافا للمستقبل، و كذلك ليغري للمرة الأولى العديدين ممن كانوا مستهلكين للمحتوى على إنترنت أن يتحولوا إلى منتجين له.

2005/01/20

نسبية الجحيم

الجحيم في الديانات السماوية الثلاث ذوات الصلة الوثيقة فيما بينها يتميز بصورة واحدة: نيران أزلية تفوق الوصف تحرق أجسام المذنبين إلى الأبد (مع بعض التنويعات). فإن كان هذا يبدو منطقيا لإنسان شرق أوسطي عاش قيظ الصيف خلال الاثنتي عشرة آلاف سنة و نيف التي انقضت منذ العصر الجليدي الأخير، فإنه قد لا يشكل أية صورة عقلية مؤثرة لدي شعوب أخرى.

تخيل شعبا كالإسكيمو، الذين لم ير أحد فيهم و لا في أجداد أجدادهم شمسا و لا صيفا حارا قائظا مثل الذي تعرفه أمتنا العربية الواحدة ذات الرطوبة الخانقة ، ثم تأتي محاولا إقناعة بأن النار شيء مرعب و أن البرد و الجليد هو الجنة، بينما في الحقيقة أن أخشى ما يخشاه إنسان الإسكيمو هذا، الذي يشاع أن لغته تفرق ما بين أربعين اسما لأنواع الثلج و الجليد المختلفة، هو أن تحاصره عاصفة ثلجية أو أن تتجمد أطرافه أو أن ينسل إليه خدر الموت بردا!

علينا أن نتوقع أن الجحيم إن وجد في مخيلة أو عقيدة هذا الشعب لا بد و أن يكون هو البرد!

هذه ليست مجرد فرضية: في أساطير الفايكنج الذين تلي أرضهم أرض الإسكيمو جنوبا، أن الجحيم بارد و متجمد، بينما الجنة مشمسة و دافئة.

و بالمناسبة فإن الفايكنج يشتركون مع المسلمين في عقيدة النصر أو الشهادة إذ أن المحاربين الذين يسقطون في الغزو يبعثون، فيذهب نصفهم ليعيش مع الإلهة الغانية الغنية فريا في حديقة مشمسة و دافئة، بينما يذهب أشجعهم، جنود أودين، إلى فالهالا التي يعني اسمها حرفيا رواق الذين سقطوا، لها خمسمئة و أربعون بابا مصنوعة من الرماح، و سقف من التروس و أرائك من الدروع؛ يتمرنون فيه على الحرب و القتال حتى تتمزق أجسادهم في نهاية كل يوم قبل أن يبعثوا من جديد في اليوم التالي على صياح الديك الذهبي ليعيدوا الكرة؛ و ذلك استعدادا ليوم راگناروك، المعركة الفاصلة بين الآلهة و المردة في نهاية العالم، التي سيُقتل فيها كل الآلهة و المردة و يُدمر الكون، و التي يسبقها الشتاء العظيم الذي يحل لثلاث مواسم متعاقبة بلا صيف يفصل بينها!

أما الذين يموتون من الشيخوخة أو ميتة ليست بطولية في معركة، يذهبون إلى هِلگاجرد، عالم الظلال الباردة الذي تسود عليه الإلهة هِل، التي يشتق من اسمها لفظة الجحيم في لغات أوربية عديدة.

وبينما تؤمن ديانات بحلول الأرواح في أجساد أخرى في دورات متعاقبة حتى تصل إلى درجات من التنوير تتيح لها الاتحاد بذات الكون العليا، فهناك ديانات أخرى تختلف لديها تصورات عالم ما بعد الحياة، و كثير منها لا يؤمن بحياة أخرى أو ببعث و حساب و خلود، مثل كثير من الديانات السامية القديمة، و منها ديانة العبرانيين القدماء بل و اليهودية المبكرة!

طيف لامتناهي من العقائد و الفلسفات، تتشابه و تختلف و تتقاطع و تأخذ من بعضها البعض، و لا يمكن أن نقول على سبيل الإطلاق بصواب أحدها و خطأ الأخرين، و إنما فقط أنها مختلفة. و هذا الاختلاف ذاته هو ما نحتاج إلى فهمه.

2005/01/19

أسبوع الثقافة المصرية في ويكيبيديا الإنجليزية

Wikipedia.org: Culture of Egypt

2005/01/14

جَنُّ الليْلِ

كان إسحٰق عظيموف، الملقب بسيد أدب الخيال العلمي، و واضع قوانين الروبوتية الثلاث، قد كتب قصة قصيرة عام 1941 اسمها Nightfall جَنُّ الليْلِ تحكي ما يحدث لحضارة لا تعرف الظلام أبدا، عندما يحل الظلام، و عن كتاب الجلوة المقدس الذي هو أساس عقيدتهم، الذي يروي تاريخ نهاية العالم.

هذه القصة من كلاسيكيات الخيال العلمي، و كثيرا ما تعتبر أفضل قصة خيال علمي على الإطلاق؛ أرى أنها تعرض في أسلوب درامي الفكرة السابقة: كيف تتحول رواية معينة للتاريخ إلى ما هو أكثر من مجرد تاريخ، عندما تحل كارثة كبرى تمحو كل ما عداها، و هي الفكرة التي تناولها حمد.

في عام 1990، قبل وفاته بسنتين، أعاد أزيموف كتابة القصة بالتعاون مع روبرت سلڤربرج في شكل رواية طويلة.

22:17 14-01-2005

أزيموف نفسه يعتبر أن قصته القصيرة الأخرى المعنونة السؤال الأخير The last Question التي كتبها في عام 1956، هي أفضل ما كتب.

هناك قصة اسمها حل وحيد Sole Solution كتبها إرِك رَسِل أيضا عام 1956. لا أدري إن كان أزيموف الذي نشرت قصته في نوفمبر قد تأثر بقصة رسل التي نشرت في أبريل من العام نفسه، إلا أنك إذا قرأت الأولى و ألحقت بها الثانية وجدت في انتظارك مفاجأة!

  1. أستعير هنا اسم كتاب الجلوة المقدس عند الإزيديين اليزيديين كترجمة لاسم الكتاب كما ورد في القصة Book of Revelations، لأني لا أجد أفضل منه.
2005/01/13

شِرْشُ الزَّلُّوعِ

شرش الزلوع

تعرفت على شرش الزلوع لأول مرة في معرض للمنتجات الزراعية في 8/2004.

بجوار المنتج المعلب، كانت توجد الجذور الخام؛ داكنة و متشعبة.

لم أعلم أن شرش الزلوع معروف في سوريا أيضا، و لكن من الواضح ان شعبيته كبيرة، لأنه بعد التقاط هذه الصورة بقليل حلت كوكبة من السيدات تخاطفن العلب فلم تبق واحدة منها على الأرفف!

2005/01/12

كوب من اللبن

منذ قليل طرأ لي أن أشرب كوبا مع اللبن أثناء العمل:

  1. فتحت الثلاجة و أخرجت قنينة اللبن.
  2. ذهبت إلى خزانة الأكواب و فتحت بابها.
  3. صببت اللبن في أحد الأكواب، وهو في الخزانة، ثم أغلقت باب الخزانة.
  4. أعدت قنينة اللبن إلى الثلاجة، و عدت إلى مكاني قبل أن انتبه إلى ما فعلت!
2005/01/08

الحرف العربي

بينما كنت أكتب هذه، خرج علينا حمكشة بما كتب حول نفس الموضوع تقريبا، و لهذا سأصل كلامي بكلامه.

لم يكن شريف الشوباشي أول من اقترح تعديل العربية في مجال من المجالات، فقد دعى بعضهم في منتصف القرن العشرين؛ من أمثال عبد العزيز فهمي، عضو مجمع اللغة العربية إلى استبدال الخط العربي باللاتيني، و نوقش اقتراحه في جلستين في يناير 1944 شيء مُخجل. و رغم أني مع تطوير اللغة بشكل واع و عقلاني مدروس بدلا من تركها للتطور العشوائي، إلا أن إلغاء مناطق القوة في صرف اللغة و نحوها ليس هو ما سيسهلها للناس، و بالتأكيد ليس تغيير نظام كتابتها، و لا أقصد الإملاء بل الأحرف العربية التي لا يوجد في رأيي - غير الخبير - ما هو أكثر منه موائمة للغة العربية، بل و للغات أخرى.

خلال القرن الماضي تحولت شعوب عديدة عن كتابة لغاتها بالأحرف العربية التي كانت قد اختارتها:

  • في آسيا الوسطى: فرض الاتحاد السوفيتي الأبجدية السيريلية على شعوب التركمان و الطاجيك و القرغيز و الأوزبك و الأزر و القزاخ و التتار و الشيشان و البشكير و البلوش و غيرهم، ثم تحول معظمها بعد انهيار الاتحاد إلى الخط اللاتيني تحت التأثير الأمريكي و التركي، و ربما يحاولون مع الأفغان أيضا.
  • في شرق آسيا: المالايو في ماليزيا، و لغة دنجان و حتى الصينية بين الصينيين المسلمين.
  • في أسيا الصغرى و أوروبا: تحولت التركية إلى اللاتينية كما هو معروف، و كذلك البوسنية و الألبانية، و استخدمها في بيلوروسيا المواطنون من أصول تتارية.
  • في أفريقيا: النوبية و السواحيلية و الصومالية، و السونجاي حول نهر النيجر، و الأفريكانز لغة هجينة، أوربية الأساس أول ما كتبت في جنوب أفريقيا بين المواطنين الملايو.
  • و تاريخيا: كتبت السنسكريتية في الهند في وقت ما، و كل من الأراجونية و البرتغالية و القشتالية و قبلها الموزاربية في شبه جزيرة أيبريا؛ و العبرية أحيانا بين اليهود العرب.

و لا زالت تكتب بالحروف العربية:

  • في آسيا: الفارسية و الأزرية في إيران؛ و الأوردو و البُنجابية في باكستان؛ و السندية و الكشميرية و البلوشية في الهند و باكستان؛ و الباشتو و الأوزبكية في أفغانستان؛ و الملايو في بروناي؛ و القرغيزية في الصين، و كل من الأويغور و القزاخية في الصين.
  • الأكراد و التركمان في الدول العربية ما زالوا يستعملون الأحرف العربية، على غير الأكراد في تركيا، و لكن إلى متى؟
  • و في أفريقيا: الهاوسا و الوولوف واسعتي الانتشار في غرب أفريقيا، و كذلك الماندينكا؛ كما تكتب القمورية بأحرف العربية جنبا إلى جنب مع اللاتينية.

الأمازيغ في شمال أفريقيا في جدال حول ما إذا كان عليهم أن يستمروا في كتابة لغاتهم التمزيغت بالأحرف العربية مثلما فعلوا لقرون عديدة مضت، أم أن عليهم أن يحيوا إحدى تنويعات حروف التفيناق التراثية، أم أن يكتبوا بالأحرف اللاتينية على سبيل الحداثة كما يدعوا بعضهم و في الحقيقة تبرؤا من مواطنيهم العرب.

كل هذه اللغات وجدت الأحرف العربية مناسبة بدرجة تزيد أو تقل لكتابة أصواتها فتبنتها و عدلت فيها ما لزم انظر يونيكود، و عندما تخلت عنها، كان هذا لأسباب سياسية، و لأن أصحاب الأحرف الأصليين لم يعودوا مثالا يحتذى به عموما.

قال حمكشة أن العربية ليست مقدسة و لا هي لغة أهل الجنة، و لكن هذا الخطاب الذي ساد طويلا رسَّخ في عقلية الشعوب غير العربية التي تعيش في المنطقة أنهم و لا بد أن يقارعوا الحجة بمثلها إن أرادوا أن يكون لهم اعتبار في عالم لا مصداقية فيه لغير ما يأتي من السماء، فنجد من كتب في مقالة اللغة الأمازيغية في ويكيبيديا:

ويبدوا أن هناك تأثير بين اللغة العربية والأمازيغية حتى قبل الأتصل ببعظهمم بعد الأسلام, فالسيوطي قد جعل بعض الأسماء في القرآن أأمازيغية الأصل ومن أمثلتها: جهنم, زنجبيلا, قنطار... بل أإن البعض أضفى عليها صفة القداسة, أذ يروى عن أبى هريرة أن الله قد تحدث بالأمازيغية, ويروي السيوطي أن لله قد تحدث بجميع اللغات مع النبي موسى, فكانت الأمازيغية أول مما تحث به الله مع موسى قائلا في ما معناه أنا ربك الكبير. وهذا أن وأن كان لا يفيد في علم اللغة ألا أنه يعكس الأحترام للأمازيغية قبل أن تستعرب شمال أفريقيا

على أي حال يكفينا أن نطمئن إلى قنوات المحادثات الجنسية التليفزونية تؤكد على وجود خطوط للخدمة العربية بها.

سحت من موضوع لآخر كالعادة.

2005/01/06

بابا!

لماذا كتب موقع مسابقة أفضل مدونة في العالم العربي بالإنجليزية؟

منذ بضعة سنوات كانت هناك مشاكل تقنية في النشر بالعربية على إنترنت. و لكن الآن!

أشكر رامي لترشيح مدونتي هذه للمسابقة و للتقديم الجميل الذي كتبه عنها. عيد ميلاد مجيد يا رامي.

عَبَدَةُ الحَرْفِ

في عدد أهرام الجمعة الماضية مقال عنوانه العالم الإسلامي بين عام مضى و أخر جديد، تناول تعليفات على أخبارا قصيرة شملت قضية الحجاب في فرنسا و رُهاب الإسلام الذي يجتاح الغرب منذ 11\9\2001، و أخبار أخرى، ما لفت نظري منها:

شيخ الأزهر الشريف أعلن رفضه لمبدأ استحلال أموال الزكاة التي يتم جمعها في بناء ورش و مصانع لتشغيل الفقراء لتعارضها مع الهدف من تشريع الزكاة، و لكون ذلك فيه تأخير في الاستفادة من أموال الزكاة.

و

تقرر أن تبدأ أعمال تصميم أول قمر صناعي إسلامي لرصد مطلع الشهور القمرية في مارس المقبل و ذلك حسبما أعلن د.علي عبد الرحمن رئيس جامعة القاهرة في مؤتمر صحفي بحضور د.علي جمعة مفتي الجمهورية، و أعضاء اللجنة العليا لإدارة مشروع القمر الصناعي و الإسلامي.

الخبر الأول يعني باختصار أن شيخ الأزهر غير مقتنع بالمثل القائل: إن تعطي الرجل سمكة تطعمة ليوم واحد، و إن تعطه سنارة تطعمه مدى الحياة.!

الخبر الثاني يذكرني بمهزلة استطلاع هلال رمضان كل عام، حينما تختلف الدول العربية في بداية الشهر و نهايته، إذ تُصِّر السعودية على الرؤية بالعين، و تتأرجح مصر بين اتباع السعودية أو اعتماد الحساب الفلكي حسب الظروف. المهم أن الحسابات الفلكية أوجدت جداول تبين مشارق و مغارب القمر و الشمس و كل الأجرام السماوية الأخرى بالدقيقة و الثانية لمئات السنين القادمة، و هو ما لم يكن متوفرا للمسلمين القدماء. و الأمر لا يحتاج لأقمار صناعية؛ بل إذا كانت الدول العربية تختلف هنا على الأرض، فماذا ستفعل عندما تنتقل المشكلة إلى الفضاء! إذا كان ابن باز قد أثبت عدم دوران الأرض، فماذا سيفعل أتباعه الآن!

هذا بالإضافة ما كتبه عمر العربي عن نفس الموضوع، جعلني أفكر:

هذه كلها أمثلة على سذاجة، بل عبط، بعض المشايخ المتمسكين بالحرفيات، عبدة النصوص..و بسببهم سيصبح المسلمون مثل اليهود الذين يعبدون التوراة مجازا، و يقدسون النص أكثر من تقديسهم ليهوه نفسه.

أمثلة أخرى: تحريم ارتداء الحرير و الذهب للرجال، اللذان كانا رمزا للرفاهية و الدعة قديما، و كذلك الأكل في أطباق الذهب و الفضة لأنه تكلف و إسراف لا داعي لهما، في الوقت الذي توجد فيه الآن من أنواع الملابس و الحلي ما هو أغلى من الذهب و الحرير، و مع هذا فجميعها حلال طبقا لحرفية النص لا روحه، لأن الهدف ليس تحديد خامات بعينها بل الامتناع عن الإسراف عموما. مع العلم بأني لا أرتدي الحرير و لا الحلي من أي نوع، و لم آكل في حياتي في غير أطباق الخزف و بغير شوكات و سكاكين الصلب.

من ناحية أخرى، فإن خبر أن مجمع البحوث الإسلامية أيد إباحة رمي الجمرات طوال أيام التشريق، و خلال ساعات الليل و النهار، نظرا للزحام الشديد الذي يحدث كل عام خلال أداء الحجاج لهذه الشعيرة، مما يترتب عليه ضرر كبير للضعفاء يؤدي إلى موت بعضهم. هو دليل على أهمية إعمال العقل الذي هو مصدر الفقه، أي الفهم.

تدوينات سابقة ⇒