هذه الصفحة تعتمد على صفحات الطرز المتراصة (CSS)
2004/10/30

القاهرة ألا سباجتي

لا أرى سببا لحيرة المحافظين و مسؤلي الأحياء و الوزراء حول سبب حالة الاسباجِتِّي التي وصلت إليها القاهرة؛ فالسبب واضح: لا يوجد تخطيط تدعمه قوة القانون.

لا أقصد بالتخطيط اختطاط الأحياء الجديدة (و تسميتها مدنا) و استمرار التوسع غير المتناهي للقاهرة، بل أعني تنظيم الموجود منها.

في كل مدن العالم توجد مناطق تجارية و أخرى سكنية. فقط هكذا. لو وجد هذا في القاهرة لما أصبحت على ما هي عليه.

سِرْ في شوارع القاهرة و ستجدها كلها عبارة عن سوق مترامي الأطراف. كل العمارات السكنية بلا استثناء تحتها محال تجارية. في الأسواق يختلط البائعون بالمتسوقون و الباقي نتيجة طبيعية. و لا يمكن لأي شخص أن يتنبأ بما سيؤول إليه حال المنطقة التي يسكن فيها بعد عدة سنوات. أي شيء يمكن أن يحدث!

لم تعد هناك أوقات ذروة مرورية و غيرها، نحن باستمرار على قمة الذروة. شعور رائع طبعا.

كل الحلول المرورية من جسور و أنفاق، و القضاء على التقاطعات لن تفعل أكثر من أنها ستقتل المناطق التي تقام فيها و تحولها إلى طرق شبه سريعة ليس للمشاة حق فيها؛ و المشاة لا يجدون رصيفا؛ و الرصيف تحت رحمة أصحاب المحال التجارية؛ و أصحاب المحال التجارية يدفعون بسخاء لمسؤولي الحي؛ و المشاة لا يستسلمون فيطغون على السيارات؛ و السائقون يقودون عكس اتجاه السير لاختصار المسافات!

الجسور تحول ما تحتها إلى مستنقعات و مجاهل و تُنكد على من يسكنون أمامها، و الأنفاق تقضي على أي أمل في تمشية هادئة. مثل الجسر الذي شُيِّد في شارع الميرغني، و النفق في شارع الثورة.

كل هذا لأن الناس لا يحترمون إشارة المرور، و لا الجندي المغلوب على أمره بجوارها.

ثم أننا ليس لدينا طرق سريعة أساسا، فكلها تَحُفُّهَا البيوت على بعد أمتار بلا حرم للطريق، و يقطعها المارة في ما يشبه مغامرة الضفدع في لعبة الحاسوب الشهيرة.

2004/10/28

مددت يدي في الفرجة الضيقة بين المكتب و الجدار، فوجدت:

  • قلمان رصاص
  • قلم حبر جاف
  • اسطوانة ممغنطة ″3.5
  • شريحة ذاكرة عتيقة سعة ميجابايت واحد
  • عصا طعام صينية
  • ورقة زرقاء فارغة
  • إيصالا سداد ببطاقة إئتمان
  • بطاقة تحقيق شخصية جامعية

ضريبة الحرية: جدال مفتوح

صحيح أن التبدل و التغير الدائم هو صفة أصيلة في بنية إنترنت، بحيث لا يمكن أن يوجد خريطةمخطط أو رسم بياني يعبر عن حالتها في لحظة ما تعبيرا متناهيا في دقته، غير أن صفة التطور الدائم هذه لا تشغل غير المختصين بإنترنت نفسها، و لا تكاد تمس معظم مستخدميها إلا في أحوال محددة مثل حالات انتقال المحتوى و تقادم الروابط. و حتى هذه المشكلات تجد من يعمل على حلها و نستطيع أن نقول أنه في المستقبل القريب ستوجد طبقة أخرى من التقنيات التي تعمل على جعل هذه الصفة غير ظاهرة بحيث تعزل هذه الآليات و تجعلها شفافة بالنسبة للغالبية العظمى من التطبيقات.

إن هموما مثل التوثيق و صحة البيانات و منع الإنكار قد وجدت في تقنيات التوقيع الرقمي حلولا لها، بينما سيظل مدى الثقة في مصداقية المحتوى دائما متروكا لحكم المتلقي، تماما مثلما كان الحال على طول الزمان مع كل وسائل الاتصال و حفظ المعرفة الأخرى. فعلى غير ما قد يتراءى لبعض مستخدمي إنترنت الجدد، أو ربما كما يدور في خلد الكثيرين منهم، لا تحمل إنترنت مصداقية مطلقة، بل إن قوتها تكمن في عكس ذلك تماما، و هو أمر يجب التوكيد عليه دائما.

يطرح المحتوى المفتوح على إنترنت أسئلة من نوع مختلف، لا تتعلق ببنية إنترنت بقدر ما تتعلق بمستخدميها أنفسهم، الذين هم في وقت واحد متلقو و واضعو هذا المحتوى.

مثال على ذلك منظومات ويكي التي بدأت مع ويكيبيديا-الموسوعة الحرة (التي أسسها جيمي ويلز)، ثم بدأت بالانتشار في مجالات عديدة: من شبكات إنترانت، إلى نظم معرفة الدعم الفني للبرمجيات، و غيرها. و التي يعتبرها المحللون الشيء الجديد القادم بعد البلوج، كما أنها تكتسب تدريجيا شعبية و اعتمادية متزايدين في أوساط الصحفيين و الطلاب باعتبارها مرجعا موثوقا به.

تتيح أنظمة ويكي للعديد من المستخدمين المشاركة في تحرير المحتوى الذي تضمه، و بغض النظر عن كيفية تحديد من لهم حقوق التعديل و المستويات المختلفة لهذه الحقوق، و التي يمكن أن تنحصر في مجموعة صغيرة من المستخدمين أو أن تكون مفتوحة لكل مستخدمي إنترنت كما هي الحال في الموسوعة، فإن فكرة أن أكثر من شخص بإمكانهم أن يعدلوا نفس المحتوى بشكل لا مركزي و دون الرجوع إلى طرف ثالث يمكن أن يسبب حلقة مفرغة من التعديل\إعادة التعديل لا نهاية لها، تصاحبها بالطبع نقاشات جانبية على هامش المحتوى يحاول فيها كل طرف إثبات وجاهة رأيه و جدارته بالبقاء.

و الفكرة هي أن هذه الصراعات حول المحتوى مفيدة بحيث أن وجود عدد كبير جدا من المحررين و المراجعين يؤدي إلى بقاء المعلومات الصحيحة بينما تخرج المعلومات غير الصحيحة ويقل التحيز الفكري في النظام خلال عمليات التحرير المتعاقبة بحيث تعكس في النهاية فكر العقل الجمعي لمجتمع مستخدميها.

هنا نجد أن بعض الموضوعات تصل بشكل سريع نسبيا إلى حالة من الاستقرار ترضي المجموعة النشطة من المحررين، يظل بعدها المحتوى محل الاهتمام ساكنا لفترة. إلى أن يجِّد جديد أو ينضم قادم جديد إلى مجتمع المهتمين\المحررين فيقوم بإحداث تغيير يتسبب في تفاعل متسلسل من التعديلات. تماما مثل كومة الرمال التي ما أن نسقط عليها حفنة من الرمل حتى تأخذها سلسلة من الانهيارات و إعادة التبدل حتى تسكن. و عادة ما تكون مواضيع العلوم الطبيعية عموما أكثر ثباتا و أقل حساسية، في حين أن الموضوعات المتعلقة بالسياسة و الأحداث الجارية و الأديان و الفلسفة، و ربما العلوم الإنسانية بوجه عام هي غالبا أقل استقرارا. أي أن درجة خمول أو نشاط الموضوعات تختلف حسب طبيعتها، و كذلك عتبة استثارتها.

ويكيبيديا الإنجليزية تضرب مثالا بمدخلاتها عن موضوعات مثيرة للجدل مثل الرأسمالية، التطور الأحيائي، الإسلام، الإجهاض، و غيرها، و كيف أنها دخلت في دورات عديدة، و أحيانا عنيفة من التعديل و التبديل إلى أن وصلت إلى توازنات يقبلها عموم المتلقين، حسب زعمهم. أو ما يسميه هذا المقال حروب الويكي التي تدور الآن حول مدخلات ويكيبيديا عن بوش و منافسه كيري. و هذا ما أدركه المصممون، حيث أتيحت لمديري هذه النظم آليات تمكنهم من تجميد أجزاء من المحتوى لفرض أجواء هدنة عليها في حالة الضرورة و ظهور التخريب المتعمد.

مع كل هذا - وربما بسببه - فإن ويكيبيديا تفتخر بأن لديها مدخلات أكمل و أكثر توازنا مما يوجد في أي موسوعة أخرى عن مواضيع جدلية عدة و أن باحثين قد قاموا بدراسة ما يتوافر لها من قدرة على تحييد الجدل الذي عادة ما يكون عنيفا حول هذه الموضوعات، مع أنها ستظل دائما مسودة موسوعة و عملا لم يكتمل.

10:01 01-11-2004

طرأ لي أنني كان يمكنني أن أسمي هذا المقال "ضريبة الديموقراطية". فتجربة المحتوى المفتوح تجربة في ديموقراطية المعرفة، و في كتابة التاريخ، و في تحديد دلالات المصطلحات. يميزها أن الحرية فيها هي الأصل، بينما تأتي إجراءات التصدي للفوضوية كرد فعل، أو لنقل رقابة لاحقة.

2004/10/25

تنظيم الأذان

الأخبار التي تناقلتها الصحف مؤخرا حول استعداد وزارة الأوقاف لتنظيم الأذان في المساجد خطوة إيجابية ينتظرها الكثير، و كذلك تأييد المفتي علي جمعة. الأهم من توحيد الأذان هو قصر استخدام مكبرات الصوت على المساجد، و ليس الزوايا و السقائف.

و الحقيقة أني أعجبت بالأفكار المطروحة من حيث جدتها و ما نقل عن فيه الوزير حمدي زقزوق بحثه بدائل ذات تقنية متقدمة. لو لم تفعل وزارة الأوقاف غير هذا المشروع لكان مبررا كافيا لبقائها.

يستغل القائمون على المساجد في مصر، و معظمها بُني و يُدار بمعرفة الأهالي، تدين الناس و تحرجهم من التذمر من الأذان فتسيء استخدام مكبرات الصوت لتسبب إزعاجا بالغا.

ألم يلاحظ أحدهم كيف أن انقطاع الكهرباء لا يعيق الصلاة، بل على العكس!

ربما لأن أحدهم لم يجرب الصلاة في سكون الصحراء تحت النجوم، هي إذن صلاة سكان المدن الصاخبة الذين يريدون أن يتأكدوا أن صوتهم يصل إلى السماء.

و مع أنه توجد قوانين تحدد السماح باستخدام المجاهير في الأذان فقط، إلا أن كل المساجد تذيع خطبة الجمعة، و شعائر صلاتي المغرب و العشاء كاملة، و ينضم إليها في رمضان التراويح.

و من الطبيعي أن نجد أن الكنائس أيضا بدأت في استخدام المجاهير في إذاعة موعظة الأحد و أحيانا الصلوات. و حدة وطنية ضوضائية.

لدى كل الناس تلفازات و مذاييع مفتوحة طوال الوقت، و لن يفوت وقت الصلاة على أحد، كما أن بين كل مسجد و مسجد يوجد مسجدان في الكتل العمرانية المكتظة.

في الأماكن الشعبية، تنتشر ظاهرة مزعجة أخرى هي سد الطرقات بسرادقات العزاء و الأفراح و فتح الأبواق بزئير يصم الآذان لساعات طويلة. و لا أحد يتذمر. صبر قاتل.

الناس في هذا البلد يتنازلون بسهولة عن حقوقهم أمام الضغوط المجتمعية المختلفة. و غالبا أنه حتى لو اشتكى أحد، فلن تفعل الشرطة شيئا، فهم:

  • إما مشغولون بمهام أمنية أخطر كالعادة و لن يستجيبوا قبل حدوث إصابات؛
  • أو أنهم يتعاطفون مع المزعجين، فأفراد الشرطة في النهاية من نفس الشعب؛
  • أو أنهم لا يهتمون ما دام رؤسائهم لن يكدروهم بسبب أمور تافهة (أنظر السبب الأول).

و هكذا تتعمق السلبية أكثر => عودة إلى بداية الدورة.

يَعْلَمُ الجَهْرَ وَ مَا يَخْفَىَ

2004/10/22

موسيقا في قلعة الجبل

حضرت الليلة حفلا موسيقيا في أعلى بهو في القلعة [كما تظهر أمامي الآن في التلفاز في البرنامج عنها الذي بدأ للتو! ثم قطع بدون مبرر].

هو حفل مشترك بين فرقة راديو تاريفا الإسبانية و نصير شمة. ابتدءته الفرقة بموسيقى هي مزيج من الفلامينكو و الجاز و الروك و الأندلسية، و بآلات من مدارس و ثقافات عديدة، و على صوت مغنيهم الأجش المبحوح الذي ينهي كل مقطع بحركة فلامينكو حادة، ثم انضم إليهم نصير بعد خمس أو ست مقطوعات لتمتزج الأصوات.

كان المكان مزدحما، و المسرح هو مصدر الإضاءة الوحيد في المكان الفسيح الذي تقف فيه بضع شجرات و نخلات متفرقات، و من وراءه يطل مسجد محمد علي من عل.

غير المصريين، كانت الجالية الإسبانية في القاهرة كلها تقريبا موجودة، و العديد من الفلبينيين، و آخرون من جنسيات مختلفة.

لم أميز سوى بضع جمل بسيطة متفرقة، مما ذكرني بضرورة العودة لمتابعة دراسة الإسبانية.

تذكرت ليلة مماثلة في مايو كنت و أصدقائي فيها في نفس المكان و اكتشفنا مصادفة المغني الفرنسي العجوز، السكندري المولد، جورج موستاكي، الذي جاء ليغني في الإسكندرية احتفالا بمولده فيها منذ سبعين عاما لوالدين يونانيين هما نسيم و سارة أسمياه وقتذاك يوسف!

يومها كان الحاضرون من الفرنسيين و المصريين، معظمهم ممن تجاوزوا الخمسين. كانوا يغنون و يتمايلون معه و كأنما هم يحلمون، أو كانما عادوا في الزمن عقودا؛ بل هذا ما حدث حقا.

من هنا، يمكنك أن ترى جانبا من القاهرة الغارقة في الضَبَخَانِ الذي أمسى يجثم على سماءها كل الخريف منذ أعوام.

2004/10/20

تلقيت هذا المقال من صديقة اليوم.

للأسف كل ما جاء به صحيح و معروف، و مع هذا يستمر النفخ في الذات و التهليل لكل أمر تافه ينجز حتى لو كان أضعف الإيمان سببا لتخلفنا؛ إنها الحضآاارة و العرآااقة على طريقة محمد صبحي في الهمجي.

المخجل حقا هو عدم التورع عن الإشادة بالريادة و الفضل الذاتيين في كل مناسبة و بدون.

هذا السلوك الذي يجد في الشعارات و التسميات المفتعلة مخرجا للتمويه عن أوجه قصوره العديدة ليس غريبا، و هو نمط من التفكير انتقل من كبار المسؤولين عن مشروعات ظاهرة، إلى متلمسي السلطة من الموظفين و أصحاب الأعمال و وصولا إلى عامة الناس البسطاء حتى أصبح ثقافة شائعة.

و إلا لماذا يسمي صاحب مطعم أو مقهى متواضع أو حتى حقير محله المطعم الفلاني السياحي ما لم يكن قد رأى أمامه الحديقة الدولية، و المركز النموذجي و المستشفى الدولي و المنتج المُعد للتصدير!

فما الذي يمكن أن يكون دوليا في مستشفى! و ما الذي يصنع من المقهى سياحيا؟ أهو ختم وزارة السياحة أم الأسعار المبالغ فيها! و هل يظل المرفق الحكومي نموذجيا طوال عمره! و يظل هكذا اسمه! و هل تظل حديقة تعرف بأنها مشروع حديقة الطفل إلى الأبد!

و كلها في حقيقتها منشآت عادية أو أقل من العادية. و حتى لو كانت أفضل ما يمكن، فليس دور من أنشأها أن يمتدحها كل هذا المديح و أن يضع المديح على يافطتها. العالمية تنبع من المحلية.

الفَضْلُ مَا شَهِدَتْ بِهِ الأَعْدَاءُ

2004/10/13

أمك و رئيسك و بلوگك

عندما تكتشف أمك بلوجك

و

ماذا تفعل لكي لا تقال بسبب بلوجك [حدثت من قبل]

أنا استقلت وحدي :-)

2004/10/11

يظهر أن الموضوع ليس حصرا على صحيفة الأهرام فها هو موقع آخر يفعل نفس الشيء.

ظلمناهم. فهم ليسو متفردين حتى في التخلف.

2004/10/10

طابا

مقدم سكورﭘيونز إلى سيناء كان إشاعة، و لكن بعد تفجيرات طابا، فلن يأتي سكورﭘيونز أو غيرهم لبضع سنوات أخرى.

لا زلت أذكر منظر جنود الأمم المتحدة ذوي القبعات الزرقاء عند طابا عندما مررنا بها عام 1985.

في مثل هذه الأيام من العام الماضي كنت في جبل كاترينة و ما حوله. هذا العام أيضا ذهب أصدقائي.

التعليقات أيضا تستحق قراءتها.

مطروح 04‘

معقولة! و لا قرطاس بوظة واحد في مطروح كلها!

يومئ لي بائع أن قد نفذ، و يقول آخر كل سنة و أنت طيب! الثلاجات كلها خاوية، و حتى المحل الذي لمحت يافطته عن بعد تحمل دعاية لبوظة نستله، اتضح عندما اقتربت منه أنه يبيع الكتب المستعملة!!

صحيح أن المدينة كانت خاوية، و كثير من الفنادق و المطاعم قد أقفلت أبوبها، و نوافذها، بألواح الخشب و الطوب، و دخلت في سبات شتوي سيدوم حتى الصيف القادم، و لكن هكذا أحب هذه المدينة.

في اليوم الأول تجولنا إلى الشرق من المدينة، في البوسيت و حمام كليوباترا، و الأُبَيِّض و عجيبة. ثم إلى ما وراء ذلك قليلا حيث لم تمتد المستعمرات بعد، و حيث لم يبع البدو كل المواقع المتميزة من أرضهم لزوار الصيف. هناك، زادت كثافة شباك صيد السِّمان، و لمحت عددا من السكان يحملون بنادق الصيد.

نَمَت هذه المدينة و اتسعت كثيرا. بعض التطور فيها إلى الأحسن، و بعضه كان يمكن أن يكون أحسن. أتمنى أن تبقى مناطق البدو فيها كما هي لأطول فترة ممكنة قبل أن تتوحش.

في مدخل المدينة و مركزها الحضري القديم يتجاور مبنى مديرية الأمن و بيت المحافظ، كما هو متوقع في مدينة ريفية!

تنتشر في الأسواق محال العطارين الذين تزدحم الأرصفة أمامهم بخلطات الأعشاب لكل الأدواء: الصداع و الأعين و الأمعاء و الجنس و المفاصل، بينما اختفت فرشات النسوة البدويات اللائي كن يعرضن عليها مشغولاتهن اليدوية، ربما بسبب انقضاء الموسم.

السائحون القليلون الذين تراهم في هذا الوقت حضروا من أوروبا، و من آسيا، و بعض الأسر المصرية و الليبيون، يلتقون في بضع الفنادق القليلة المفتوحة.

لم أر سوى ثلاث بقرات في ثلاثة أيام: واحدة تتمشى في شارع صغير يفضي إلى الكورنيش، و أخريان ترعيان في رقعة خضراء صغيرة في ميدان على مدخل جسر روميل الجديد الذي أكرهه. هذا الجسر ليس له ضرورة. و لو افترضنا أنه لا بد منه، فقد كان من الممكن أن يكون جسرا خفيفا رشيقا بدلا من كتلة الردم و الرصف الذي هو عليها الآن، و التي ستخنق الخليج الصغير وراءها.

ما زال متحف كهف روميل كما أذكره، و لكننا لم نزر متحف العلمين هذه المرة.

و لم أر كارِتَّة واحدة.

روت أمي حكاية كيف أنها اكتشفت في الثمانينات أنها نزلت في السبعينات، قبل أن تتزوج، في ذات الغرفة التي كان أبي قد نزل فيها قبلها في الستينات، في الفندق الذي كانت تديره عائلة يونانية في المدينة!

هنا يأسرك السرير في التاسعة مساء و لا يحررك قبل الثامنة من الصباح التالي . عمي بهاء، رفيق غرفتي، الذي يعتقد لسبب ما أن النوم مبكرا عار على البشرية، استسلم هو أيضا. لكن ليس قبل أن يعد كوبا من الشاي. هو مشهور في العائلة بحبه الأسطوري للشاي و الحلاوة الطحينية. حُبَّان تمكنا منه أيام خدمته في الجيش، في 73، كما يقال. كان يستيقظ في منتصف الليل الطويل ليعد كوبا آخر، يظل بعده يجاهد النوم حتى يسقط و شاشة التلفاز لا تزال تتألق. يستيقظ بعد بضع ساعات صباحا ليعد كوبا آخر يبدأ به يومه.

تكاثفت الغيوم في النهار الأخير؛ كان مضيئا بغير شمس مباشرة إلا من حين إلى حين عندما تجد أشعة الشمس لها منذفا بين السحب فتزداد الوجوه و الصحراء جمالا، و تتجلى زرقات البحر. حيَّتنا زخَّات خفيفة أثناء تناولنا الإفطار في شرفة بهو الفندق المطلة على الكورنيش، و كان الهواء ساكنا تماما، و كذلك البحر. عكس اليوم الذي سبقه عندما ذهبنا للسباحة في شاطئ الأُبَيِّض، حيث كانت الرياح سريعة نوعا.

آخر زيارة لي كانت في أغسطس 1994، كان موسم التصييف لا يزال في ذروته، و كنت قد خرجت لتوّي من امتحانات الثانوية العامة - في انتظار النتيجة. كنا في صحبة عائلة صديقة.

قبلها كانت لنا زيارة صيف 1985، و قبلها في نهاية صيف 1982 إلى سيدي عبد الرحمن في فندق العلمين الرائع. توقفنا عنده في طريقنا إلى القاهرة أمس بصحبة أصدقاءنا، و ليتناول عمي الشاي الذي كان قد استنفذ مئونة الطريق منه. مازال تقريبا كما أذكره؛ وديع. صالة البلياردو التي كنت أجلس فيها طفلا أراقب الرجال و هم يلعبون مساء. اختفت الصوفة الأرجوحة، و حل ملعب كريكيت محل ذلك الجزء من الحديقة، و لكن النخيل كان ملآنا بالبلح، و الجهنمية تلتهب بألوان النار.

الطريق الساحلي تغير كثيرا: نبتت عليه مستعمرات ساحلية، و اختفت معظم تلاله الجيرية البيضاء. نِمت في الطريق و لم أتمكن من التحقق من كنه ما أعتقد أنه معبد لباخوس في المنطقة التي تسمى بغُّوش - بضعة كيلومترات إلى الغرب من مارينا.

مررنا على مقابر جنود الحرب العالمية الثانية في الطريق. تعجب عمّي: "كل هؤلاء؛ الألمان و الطليان و اليونان، يأتون ليموتوا و يدفنوا هنا في مصر!". جالت سريعا بخاطري أفكار عدة من نوعية ما لا يذاع غيره في نشرات الأخبار هذه الأيام، قبل أن أطردها جميعا و أسرح في الصحراء التي تظللها الغيوم.

من لم ير مطروح و العلمين، لا يمكنه تصور ما هي الرمال باهرة البياض ، تغسلها أمواج بحر به من درجات الزرقة أكثر مما أستطيع أن احصي.

الرِّحْلَةُ هِيَ الغَايَةُ