يصورون لنا في كتب التاريخ المدرسية أن شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام كانت ماخورا كبيرا، الكل سكير و الكل عربيد و اليوم خمر و نساء
. و أن العرب كانوا همجا، جهلة، ظالمين مثل محمود مرسي في فيلم الشيماء، حواجبهم محدبة و يرتدون العمائم الحمراء النارية لأنهم أشرار و يحملون السياط. شيء مشابه للأورك في لورد أوف ذا رينجز، ملحمة تولكين الأسطورية.
لا يذكر أحد أن العرب، فضلا عن تنظيمهم الاجتماعي و مكانهم في اقتصاد العالم القديم كحضارة كانت تحمل كل تجارة العالم المعروف وقتذاك ما بين الهند و ما حولها و أوروبا و أفريقيا، أنهم بالتأكيد كانت لديهم حياة روحية غنية و متنوعة، و عقدا اجتماعيا متقدما .
ما نعرفه عن الديانة العربية قبل الإسلام ضئيل جدا، و إن كان من المتوقع أن لا يختلف كثيرا عن ديانات الساميين الآخرين في سورية و ما بين النهرين، و أنها لا بد مع كل هذا الانفتاح علىٰ العالم و أن تكون تأثرت بكل هذه العقائد المحيطة بها، قياسا علىٰ ما رأيناه في الحضارات المجاورة؛ سورية و ما بين النهرين و فارس و مصر و وادي الهندوس، لتنتج آفاقا جديدة من العقائد، بعضها زال و بعضها لا يزال. لكن مع وجود دولة فاشية مثل السعودية فمن غير المتوقع أن تدرس الآثار القديمة و النقوش، بل من غير المتوقع حتىٰ أن يبقىٰ عليها؛ إلا ما يُهرَّب منها أو يُخفىٰ.
و عندما تُحدثنا كتب التاريخ المشبعة بالدوجما الدينية عن آلهة العرب القديمة فإنه تصفها دائما باسم يحمل - أو أصبح يحمل - دلالات سلبية هو الأوثان، و يصور لنا بسذاجة أنها كانت كلها تماثيل مشخصة مفصلة ، مع أن الحقيقة هي أن بعضها فقط كان كذلك، و هي التماثيل التي استوردها العرب من الشام و ما بين النهرين و هي لآلهة سامية يشتركون في عبادتها مع الأقوام السامية الأخرىٰ، و بعضها كان أشجارا أو صخورا مميزة، و كما في كل المجتمعات القديمة كان لكل منطقة و قبيلة إلهها المحلي.
لا يتكلم أحد عن القبائل العربية النصرانية و لا عن العرب اليهود إلا أنهم خونة حاربهم محمد. بينما يُذكر علىٰ مضض أن العرب الغساسنة كانوا مسيحيين لمجاورتهم البيزنطيين، و أن المناذرة كانوا مجوسا لمجاورتهم الفرس. يندر أن يحدثنا أحد أن قبائل عربية ممن تذكر أسمائها كثيرا في التاريخ و أن ورقة ابن نوفل و ربما خديجة بنت خويلد كانوا نصارىٰ و لا يحدثنا أحد عن المانويين و المندائيين و غيرهم. و إن فعلوا فباعتبارها ديانات هلامية غريبة لم يسمع بها أحد، مع أن الحقيقة أن كل هذه الاسماء كانت هي ديانات معظم سكان المنطقة في ذلك الوقت، الذين هم أسلاف الرقباء علىٰ التاريخ.
قليلا ما يُذكر أن الكعبة كانت حولها و داخلها ثروة من العطايا و الهدايا و الأعمال الفنية القيمة من تماثيل لآلهة و لوحات جلبت من أقاصي الأرض علىٰ متون النوق التي كانت تحمل تجارة العالم، بالإضافة إلىٰ معلقات الشعر التي كانت أعمالا أدبية ذاع صيتها في أنحاء شبه الجزيرة من شمالها إلىٰ جنوبها - ثم يقولون لك مجتمع بدوي متخلف و منعزل - و خزانة هذه الثروة أحد المشارف المكيّة، التي كانت موزعة علىٰ العشائر القرشية إلىٰ جانب السِّقاية و الرفادة، و لواء الحرب، و الهدي. بل لا يكاد أحد يذكر أنه كانت هناك كعبات أخرىٰ؛ رموز لبيت للإله و محاج؛ ربما كانت أقل شأنا و شهرة.
مثال آخر:
عندما يحدثنا التاريخ الرسمي عن هجرة المسلمين الأوائل إلىٰ الحبشة فإنه يذكرها باعتبارها فرارا لبعض المستضعفين من الاضطهاد. لكننا عندما ننظر مثلا إلىٰ أسماء المهاجرين إلىٰ الحبشة في المرة الأولىٰ نجد أسماء سادات بني هاشم و أغناهم، فنجد جعفر بن أبي طالب، أخو علي، و عبدالرحمن بن عوف، أحد أغنىٰ أغنياء مكة، جهز جيشا و وزع حمل قافلة علىٰ الفقراء في مجاعة و ساعد بماله المسلمين في مناسبات عدة، و آخرين من الشخصيات الهامة التي لم يكن لأحد أن يمسسهم بسوء في قريش، علىٰ غير العبيد مثل بلال و الأُُسر الأقل شئنا مثل آل ياسر الذين عُذبوا، كما نجد في البعثة بعضا من كبراء بني عبدشمس مثل عثمان بن عفان الذي سيُقتل فيما بعد لمحاباته لأقاربه عندما أصبح خليفة.
و الأوقع هو أن السفارة المبكرة إلىٰ الحبشة كان الهدف منها هو التحالف مع ملكها و استمالته ربما لنصرة المسلمين عسكريا أو علىٰ الاقل بالضغط السياسي، بما هو معروف عن أطماع تاريخية للأحباش في شبه الجزيرة العربية، و الصراع الذي دار بين الأحباش و بين عرب الجنوب لقرون تبادلوا فيها فرض السيطرة الإقليمية؛ كان آخر مظاهره زحف الأحباش نحو الحجاز في لحظة لا تبعد كثيرا من السنوات عن حدث الهجرة هذا؛ و هو أيضا ما يتوافق مع تركيب البعثة: المتحدث الرسمي، جعفر بن أبي طالب، خطيب أخو خطيب؛ عبدالرحمن (عبدعمرو) بن عوف، رجل الأعمال، لتقديم الدعم المادي و المال السياسي، عثمان بن عفان من الوجهاء، و آخرون من الأعيان المشرِّفين. و يزيد من وجاهة هذا التفسير أن مدة إقامة المهاجرين في الحبشة لم تتجاوز بضعة أشهر، تبلغ ثلاثة في اغلب السِّير، أي مسافة الطريق و الراحة و الاستعداد للعودة.
كل هذا يجعلنا نرىٰ مكة قرية كوزموبوليتانية، بمعايير ذلك الزمان، تتعايش فيها ديانات و عقائد، و تتحول في مواسم الحج إلىٰ مهرجان حقيقي تتلاقىٰ فيه ثقافات و تعقد صفقات و تقام مآدب و تلقىٰ أشعار. شيئ يجمع ما بين معرض دولي للتجارة و محفل و تظاهرة ثقافية و حج، بمفاهيم اليوم؛ و في آن واحد. روعة!
هكذا مجتمعات التجار، ليبرالية و نفعية إلىٰ الحد الأقصىٰ، و من غير الممكن أن تجد مجتمعا تجاريا من المتعصبين أو ذوي الأفق الضيق. انتماؤهم الأهم هو الربح، و دين العميل لا يهم . هذا لا يعني عدم وجود عادات و تقاليد و انتماءات و أنماطا اجتماعية، لكن كل شيء بحساب و لا شيء أبدي أو مطلق.
حتىٰ في فيلم الرسالة يظهر بوضوح إسلام أبي سفيان علىٰ مضض عندما دخل المسلمون مكة عند فتحها؛ إسلام شكلي تسليما بالأمر الواقع و اعترافا بتغير ميزان القوىٰ علىٰ الساحة السياسية لصالح بني هاشم و تهديد بانسحاب البساط من تحت أقدام بني أمية، و هو ما عمل الجيل التالي من بني أمية علىٰ الحول دون حدوثه بكل الطرق، فيما نعرفه بحروب معاوية و زياد مع آل البيت، مع تغير المسرح ليصبح أكثر اتساعا و ليشمل أقاليم شاسعة.
طبيعي بعد كل هذا الإغفال المتعمد و التغيير المنهجي للتاريخ أن تكون هناك قطيعة ثقافية و روحية مع الماضي تزداد بمرور الوقت، و أن تظهر مشكلة الهوية العربية و الإسلامية بعد كل هذا الوقت. فبينما كانت كل هذه الأحداث لا تزال حاضرة في أذهان المسلمين الأوائل الذين عاصروها، و كانت آثارها و شواهدها لا تزال ماثلة أمام الأجيال التالية في القرون الأولىٰ للإسلام، إلا أن ما حدث بعد ذلك من إعادة كتابة للتاريخ بدوجما معينة فرض الوضع الحالي علىٰ الأجيال التي لم تعاصر الأحداث و لم يتح لها أن تتعرف علىٰ أصدائها عن طريق التراث المحكي و المتداول، و بعد أن تغير شكل المجتمعات جذريا، فانقطعت بها السبل إلىٰ معرفة الماضي، فكرهت نفسها. الشيء عينه تكرر مع الحضارات الأخرىٰ التي انضوت تحت لواء الإسلام و الثقافة العربية، إلا قليلا.
ربما لو كان التركيز في الدعوة علىٰ الجانب الروحي و القيمي للإسلام الذي يشترك فيه مع كل العقائد البشرية و ما عرفه العرب قبل الإسلام في صورته المجردة باسم الدين الحنيف بدلا من الحشد الذهني ضد الآخر و تصوير الفكرة علىٰ أنها صراع بين الحق و الباطل.
محرك هذا التداعي هو عرض فيلم الرسالة فيما أظن أنه أول عرض علني له منذ إنتاجه منذ ربع قرن، و هو ما يتوافق مع تحرر القنوات العربية نسبيا في شكلها الفضائي من السطوة المباشرة للحكومات. لم يشهد هذا الحدث العقاد مخرج الفيلم الذي توفي قبل شهرين.
في بداية الفيلم نجد لوحة تطمأننا إلىٰ موافقة الأزهر و المجلس الشيعي الأعلىٰ في لبنان علىٰ الفيلم، لكن ما منع عرض الفيلم طوال هذه السنوات هي أن الموافقة كانت علىٰ النص و لم تؤخذ موافقة سدنة الفكر و حماة الدين علىٰ العمل النهائي.
الفيلم نفسه غير مبهر في رأيي، ربما كان كذلك عند إنتاجه، لكن تأثيره علىٰ الأعمال التاريخية الإسلامية اللاحقة عليه واضح، و هو ما لاحظته بأثر رجعي لأنها المرة التي أشاهده فيها بنسختيه.