هذه الصفحة تعتمد على صفحات الطرز المتراصة (CSS)
2008/05/27

أ.ف.س تحت القبة

كل ما كان يحيط بأحمد كان يمثل أعمق مخاوفه، تلك التي حاول أن ينساها و يتجاهل الاحتمال المجرد أنها يمكن أن توجد في عالمه؛ النداء على أسماء النواب ليدلوا بأصواتهم؛ الصندوق الزجاجي الذي يُمرر عليهم؛ أن يقوم نائب ليسجل اعتراضه على آلية انتخاب الرئيس دون أن يزجره رئيس المجلس أو يقذفه بحجر ككلب ضل سبيله أو حمار أوصله تنطعه إلى فيء القبة.

فتحي الذي عُرف بهدوئه و رباطة جأشه حتى في اللحظات التي كان عليه فيها أن يلعب الثلاث ورقات أمام ملايين الناس و هو يقفز بقدم واحدة على الصراط، أو أن يبرر و يمرر بكل أريحيةٍ قرارات و قوانين لا يوجد من يفوقه معرفة بقدر فسادها؛ وضع على وجهه الابتسامة الأكثر غموضا في العالم، الابتسامة التي حيّرت الملايين على مر عقود، و التي لا يعرف أحد إن كانت لسبب فسيولوجي أم أنها بفعل إرادي، و جلس كامنا يراقب أفظع سيناريوهات رعبه يتحقق أمامه.

في اللحظة التي انتهى فيها عد الأصوات، و بالرغم من الهزة العميقة التي سرت في وجدانه كزلزال يوم الدينونة و هو يشعر بعالمه يكاد يتداعى من حوله مطبقا عليه، ككاهن يرى آلهته وكتبه تؤول إلى عدم، أو فيزيائي يدرك في لحظةِ كشفٍ كثيفة أن المنظومة التي بنى عليها فهمه للكون هي سراب لا يمت للحقيقة بصلة؛ في تلك اللحظة التي بدت له ضبابية كأنما تنعكس على مرآة قديمة، المرآة في قاع بحيرة، البحيرة يغشاها ضباب؛ اللحظة التي نطق فيها رئيس المجلس باسم الرئيس الجديد المنتخب، أدهش سرور جميع مراقبيه - بمن فيهم نفسه - بقدرته على السيطرة و منع نفسه من الصراخ كمن يفزع من كابوس: "مبارك…موافقون…مبارك…موافقة"، محققا بذلك أسطورته الذاتية قبل أن يعود ليمدد لسنتين أخريين كابوس الملايين.