هذه الصفحة تعتمد على صفحات الطرز المتراصة (CSS)
2006/02/20

2 خيال علمي

تعجبني أفلام الخيال العلمي إذا توافرت فيها أحد مقومتين، أو كليهما:

  • الصنعة: الديكور، الصورة، الخدع (التي يمكن أن تكون بسيطة لكنها فعالة، و ليست المبالغ فيها)، الابتكار في خلق جو محيطي عموما.
  • القصة و المعاني الظاهر منها و ما يشار إليه بطرف خفي.

منذ أسبوع شاهدت فيلم The Fifth Element (العنصر الخامس)، و أعجبني للسبب الأول. القصة بسيطة و غير جديدة لكن التنفيذ مبهر.

أردت مشاهدة الفيلم عند ظهوره و خصوصا أنه اختير فيلم الافتتاح لمهرجان كان 1997 كما لفتت نظري ألوانه، لكني لم أتمكن من ذلك وقتها. أقنعت أصدقاء لي بمطاردة الفيلم في سينما السيارات الوحيدة التي عمَلت لفترة بالقرب من القاهرة، إلا أن استكشاف مكان سينما على طريق الإسماعيلية الصحراوي في ليلة خريفية مع مجموعة من أصدقائك الضايعين ليست أمرا سهلا. في النهاية و قفت على تبة رملية بالقرب من سكة حديد لألمح بضعة مشاهد من الفيلم على الشاشة الكبيرة عن بعد قبل أن ننصرف إلى مطاردة بعضنا، و الفرار من الكلاب و القطار الذي توهمنا أنه قادم.

تعجبني كذلك كمية المعلومات و الخفايا العقلية و الثقافية التي يدسها المخرجون و المصممون وراء الكواليس في كل مكان في طيات الفيلم. عندما تعرفها تزداد قيمة الفيلم بالنسبة لك كثيرا، و إذا اكتشفت بعضها وحدك شعرت أنك شاركت بشكل ما عملية خلق العمل الفني، و لم تعد مجرد متلقي يجلس على الكنبة تحت الغطاء ، أو على الكرسي في صالة العرض و يلتقط حبات الفشار. كثير من هذه الخفايا يكون ذا خصوصية ثقافية محلية، من الموسيقا و الكتب و الأشعار و الأحداث الأمريكية، لذلك لا يمكننا فهمها بسهولة.

بعض هذه الرسائل الخفية يكون مدمجا في صورة الفيلم ذاتها في شكل رسائل دون حسية يتلقاها المشاهد دون أن يدري، و هو أسلوب يُعتقد أنه لا زال قيد البحث يمكن أن يستخدم للسيطرة العقلية و التحكم واسع النطاق في الجماهير و لذلك كان موضوع قصص من الخيال العلمي، كما أن له تطبيقات محتملة في الترويج الإعلاني التجاري، و هو أيضا مجال للتكهنات و نظرية المؤامرة، حيث أن وجوده لم يثبت بالرغم من دعاوى قضائية أقيمت؛ و هو ما كان بطل فيلم Fight Club (نادي القتال) يمارسه في أحداث الفيلم عندما كان يلصق قصاصات لقطات جنسية في الأفلام التي يعرضها في السينما التي يعمل بها، و هو أيضا ما نجده في بنية الفيلم ذاته.

لكن الرسائل التي توجد في الأفلام عادة تكون على سبيل المزاح و ترك الأثر، مثل التوقيع للذكرى الخالدة على الجدران، أو بيضة عيد الميلاد في البرمجيات و الإلكترونيات.

أما الليلة الماضية فقد شاهدت فيلم A.I. (الذكاء الاصطناعي) للمرة الثانية. فيلم جميل آخر و الغريب أنه يؤثر فيّ بشدة. لم أر الآلة التي صنعها الإنسان، لكني رأيت الطفل الذي انتظر ألفي سنة ليرى أمه لليلة واحدة. و عندما يكون هذا الطفل\الألة هو الحافظ الوحيد لذاكرة حضارة بادت و هي في أوج ازدهارها؛ حضارة قادرة على صنع آلة تستطيع أن تحلم، فإن الأمر يتعمق أكثر.

كون عبقري مثل ستانلي كوبريك عمل على فكرة هذا الفيلم لاثنتي عشر عاما قبل أن يسلم لواءه إلى عبقري آخر هو ستيفين سبيلبرج في حد ذاته يجعل العمل جديرا بالمشاهدة. و بعد أن تعرف المزيد عن الفيلم ذاته، أو قصة القصة، فإن أهميته تزداد.

كل من كوبريك و سبيلبرج من اكتشافات طفولتي، الأول من فيلم 2010: 2010: A Space Odyssey (2010:أوديسة فضائية)، و الثاني من Close Encounters of the Third Kind (لقاءات قريبة من النوع الثالث). كلاهما من الكلاسيكيات التي لا تخبو.

سأكون سعيدا لو عشت لأرى دمية مثل تيدي الدب.

لا تحتاج لأن تكون ناقدا فنيا تستضيفك مذيعات التلفزيون ليلة الخميس أو أن تحرر عمودا في جريدة حكومية لكي تتذوق فيلما. الفارق أن الناقد إذا ما كان فاهما يستطيع أن يخبرك لماذا يعجبك العمل الفني، أيا كان، صورة أو منحوتة أو فيلما، في حين قد لا يتمكن المتذوق العادي من ذلك. و لأفضل نتائج يفضل أن يكون الناقد من النوع الآدمي غير المنفسن، و لندرة هؤلاء فإن فنانا حقيقيا أو متذوقا متمرسا إذا ما كان أحدهما صديقا سيقوم بهذه المهمة.

هناك فيلم خيال علمي لم أشاهد منه سوى الدقائق الخمس الأخيرة و أغنية النهاية منذ أكثر من عشرين عاما، قبل أن أتمكن من إيجاد معلومات عنه بعد بحث مضن على إنترنت قبل بضعة أعوام، إذ أني لم أكن أعرف حتى اسمه.

من يعيشون مثلنا في دول نوافذها مغلقة، و تمسك الحكومة بمحبس ماسورتها الوحيدة إلى الفنون العالمية يجب أن يحسوا بنعمة إنترنت، التي تحوي هذه المعلومات و الأفلام ذاتها و لو بشكل غير شرعي؛ لكن بما أننا لم نكن في عداد الزبائن المحتملين لمثل هذه المصنفات أصلا فإثم القرصنة يقل كثيرا و هو عند DMCA من الكبائر و الله أعلم.

أعلم أننا في مصر أفضل كثيرا من غيرنا لكن الاحتكار المطلق في حد ذاته فكرة سيئة جدا و لا يمكن أن يؤدي إلا إلى الأسوء، و بدرجة أكبر عندما يكون احتكارا لوسائل الفكر و المعرفة. لكنني مع هذا لا أتوقع أن يعرض التلفزيون أو دور السينما فيلما لمخرج مثل دافيد لينش مثلا.

من ناحية أخرى قد يكون هذا طبيعيا لأن تلك النوعية الأخرى لا تحقق أرباحا تجارية حتى في بلادها التي فيها الرقابة المفروضة شبه معدومة. ناهيك طبعا عن أفلام يكون الجنس عنصرا أساسيا في موضوعها (يخدم موضوع العمل و كل شيء، لكنها ليست بورنو)؛ كما أنها تقصي الأفلام غير الأمريكية، و غير الهوليوودية من الأفلام الأمريكية؛ و هذا ليس بفعل الرقابة، و تبقى المراكز الثقافية الأجنبية متنفسا صغيرا.

لكني قبل أن أعرف اسم الفيلم الغامض عرفت أن أغنية النهاية الحزينة تغنيها سيدة أمريكية من عتاولة الغناء هي جون بيز. هي أيضا ممن أعجبت بفنهم قبل أن أعرف أسماءهم، و منهم العرافون بينك فلويد.

2004/04/14

أسوان

من أبي سمبل إلى أسوان قطع الميكروباس المسافة في ما يزيد على الساعتين. وصلنا أسوان بُعيد المغرب، فاتجهنا إلى معبد فيله لنشهد عرض الصوت و الضوء و لكن كانت الأماكن كلها محجوزة لفوج أجنبي. و عندما وصلنا المتحف كانت قد بقيت نصف ساعة على موعد إغلاقه فقضيناها نتمشى في أروقته قبل أن يغلق أبوابه.

ودَّعنا رفيقنا النوبي الذي اتجه إلى بلدة التهجير في كوم امبو لزيارة عائلته.و سألنا سائق التاكسي عن مكان للمبيت سعره معقول فدلنا على فندق الأمين، الذي يبعد شارعين عن محطة القطار. الفندق يشغل عمارة و مدخله يدل على تواضعه. لم نبال.

حجزنا غرفة لثلاثة أشخاص بحمام خاص، و صعدنا إليها ثلاثة أدوار لنجد غرفة لا تزيد مساحتها عن تسعة أمتار مربعة، تتلاصق فيها الأسرة المتهالكة و الأثاث البالي.لم نبال.

آخر مرة نظفت فيها الغرفة كانت إبان افتتاح السد العالي. لم نبال.

جاء إلينا حسن ضخم الجثة، عامل خدمة الغرف ليحيينا، ثم رأف بحالنا فعرض علينا تحسين المستوى و الانتقال إلى غرفة تطل على الشارع و بها تكييف هواء مقابل 45 جنيها في الليلة بدلا من 40 فوافقنا، و انتقلنا.

نزلنا إلى عامل الاستقبال لنعلمه بالتغيير و لنحصل على بركته، فرافقنا إلى الغرفة الجديدة، لنجد أن لا فارق بينها و بين الأولى سوى جهاز التكييف العتيق المدلى فوق نافذتها المطلة على الشارع، و خمسة جنيهات زائدة في الإيجار. أخذ عامل الاستقبال يستعرض إمكانات الغرفة الجديدة و لكن الهاتف المعلق على الحائط خذله.

جاء حسن جالبا لنا أغطية و أخذ يحدثنا عن أبنائه الثلاثة عشر و عن سنوات عمله الثلاث عشرة في الفندق، ثم تساءل عن سبب مجيئنا إلى هذا الفندق مع أنه توجد في المدينة فنادق أحسن و ربما أرخص!

عندما طلب صاحبنا م من حسن صابونة للحمام، أصر حسن على أننا يجب أن ندفع أجرة المبيت مقدما، و أخبرنا أن هذا فندق شعبي و ليس سياحيا و أنه يجب علينا أن نشتري صابونتنا بأنفسنا من السوق. جادلناه لبعض الوقت، و كنا متعبين أكثر من أن نبالي.

نزلنا السوق في الشوارع المحيطة بالمحطة لنتعشى و نشتري لوازمنا، فتناولنا أقمأ وجبة سمك في التاريخ و الأغلى بالنسبة للمكان و للجودة، ثم اتجهنا إلى الفندق لنستحم و ننام.

بعد اللإفطار عند المحطة

في الصباح، بعد أن حجزنا تذاكر العودة بالقطار، كنا متحمسين لزيارة منطقة غرب سهيل و الجزيرة التي سمعنا عن جمالها، فانطلقنا بعد الإفطار في الاتجاه الذي دُللنا عليه في غرب أسوان، عابرين فوق خزانها العتيق.

منظر لشاطئ النيل جنوب غرب سهيل

بعد تلكؤ ساعة قضيناها في البداية عند شاطئ النهر عند سفح الخزان، توغلنا شمالا داخلين في المنطقة النوبية ذات البيوت الملونة بالألوان الزاهية الصريحة، التي يسكنها الكنوز .

مناوشة بسيطة مع شاب نوبي حلا له أن يمارس سلطته على منطقة نفوذه، وصلنا بعدها في نهاية الدرب الطويل الذي يخترق البيوت إلى أن وصلنا إلى منطقة شبه سياحية يبدو أفواج السياح تزورها لشراء التذكارات.

و لما كان هدفنا هو الجزيرة المقابلة لهذه المنطقة، سألنا عمن يمكنه أن يأخذنا إليها بقاربه، لكن أصحاب القوارب ادعوا أنه ممنوع، و لكن فتى منهم ألمح لنا أن جنود الشرطة النهرية الذين كانوا يغطون في نوم أهل الكهف تحت الأشجار على شاطئ النهر، يمكنهم أن يُقلّونا إلى هناك في زورقهم المطاطي، فوسطناه بيننا و بينهم.

بعد مفاوضة سريعة على السعر، أخذنا جنديان منهم في الزورق إلى الجزيرة، على أن نجد نحن وسيلة رجوعنا.

على جزيرة غرب سهيل

الجزيرة ساحرة..هكذا بدا لنا. صعدت صخرة لأتطلع فاكتشفت جداول تمر بين الصخور الجرانيتية و أحواض ماء، و كثبانا رملية و أشجارا متناثرة، و عن بعد لاحت بيوت. و لم أر أحدا غيرنا.

جلسنا في ظل شجرة، نتحدث و ننظر ما حولنا، و نصور في اتجاهات مختلفة. حاولت أن أصور طائرا صغيرا كان ينقض من السماء غاطسا في البركة ثم يشق الماء خارجا و في فمه سمكة، و لكني فشلت.على الضفة الأخرى من البركة ظهر رجل يسحب جاموسة حان موعد استحمامها.

عاودنا المشي في اتجاه الشمال..تقافزنا فوق الصخور في وسط الجداول حتى و صلنا حوض بركة يصب فيها الجدول المترقرق، و ظهر الناس. أطفال كانوا يلهون في الماء، لكنهم غادروا ما أن رأونا، زورق مربوط في جدار منزل ملاصق للبركة، صيادان يصلحان زورقا و آخر يجمع شبكته من الماء. وراء البركة، على ربوة صخرية توجد بيوت القرية. أزقة صغيرة بين بيوت زاهية..كأنها متاهة طمسها طفل بأقلامه الملونة.

الطريق صاعد يرتقي الربوة..قابلنا نساء و أطفالا، رحبوا بنا و أخبرونا أن هذه الجزيرة أصبحت شهيرة بعد أن صور فيها فلم مثله أحمد السقا. دعونا إلى بيوتهم، و لكننا شكرناهم و تابعنا المسير.

في وسط الجزيرة منطقة صخرية وعرة، جافة و ترابية. في الظهيرة، كان القيظ قد بدأ يشتد.

لمحت سورا حديديا يحيط بمنطقة واسعة، لكن لا يظهر من خلفه سوى الصخور و الربوات. سرنا بجوار السور، و عندما انعطفنا و صرنا عند بوابته طالعتنا اليافطة منطقة آثار و كشك رسوم مهجور. طرأ لي أن هذه منطقة حجر المجاعة التي كان صديق حدثني عنها و إن لم يحدد مكانها: ربوة حجرية عليها رسم مصري قديم يمثل رجلا كبير الحجم، و حوله نقوش هيروغليفية. يشاع أن الرسم يمثل يوسف النبي و أن النقش يحكي قصة السنوات السيع العجاف. وقفنا إلى أن ظهر البواب في كشكه الذي يشبه كشك بيع الخبز.سألناه بكم التذكرة فقال بجنيه للمصرين، و سألناه إن كان يوجد شي آخر غير هذا الحجر البادي لنا فأجاب أن لا، فانصرفنا.

بعد بضعة أمتار، ظهر مرسى القوارب فعرفنا أننا قد اخترقنا عرض الجزيرة كله، فعبرنا في زورق مع مجموعة من النساء و الأطفال إلى بر أسوان، حيث اتجهنا إلى معبد فيلة مرة أخرى و قضينا فيه ساعتين أو ثلاثة.

كنا ننوي قضاء الوقت المتبقي لنا حتى موعد القطار في المتحف، إلا أننا وجدنا أنه لا يفتح أبوبه قبل الخامسة، فانتظرنا الساعة و النصف في ردهة فندق قريب و تناولنا المشروبات.

دخلنا المتحف فقضيت ساعتين أطالع صور النوبة الغارقة، ثلث الساعة أجري في أروقة المتحف الباقية قبل أن ننطلق بأقصى سرعة إلى محطة القطار.