على أسنّة الرِماح
لم ألحق بمقال ابن عبد العزيز وقت كتابته، فقد تنبهت إليه الآن فقط من إشارة إليه في رنك هبة، لكن ما بدأ كتعليق عليه تحول إلى ما يلي.
يقول ابن عبد العزيز:
فبينما يسجل التاريخ محاولات الصحابة اليائسة في تحديد اداب القتال التي تعلموها من النبي الا انهم كانوا قد اصبحوا قلة في عشرات الالاف ممن لم يروا حتي النبي ولم يتعلموا شيئا بعد وتحول الاسلام لديهم الي فريق كرة ومشجعين او عصابة واتباع.
بالنسبة لي هذه هي أكثر اللحظات رعبا في التاريخ، لحظة تخرج الفكرة\العقيدة إلى العالمية فيتلقاها من يتلقاها ليس لذاتها بل لمجرد أنه يحتاج إلى فكرة يتبناها و يدافع عنها مهما كانت، و لو لم تكن هذه لكانت أخرى. في هذه اللحظة الحرجة يولد التطرف، عندما تخرج الفكرة عن العقل الذي صاغها و بصوغها تَشَكَّل هو نفسه. نشهد دائما زوال الفكر و بقاء الصراع بالرغم من ضياع أسبابه الأصلية من عقل أجيال المتصارعين. ذلك لأن العقل الذي يتلقف الفكرة جاهزة لا يمكن أن يكون مستعدا لها مثل العقل الذي تكونت فيه. و هذه ميزة و عيب في جنس اتصف بالتفرد و الاختيار مثل جنسنا. فالتفرد يسمح بالتجدد و الاختيار لكن على حساب الكفاءة و الحاجة إلى اختراع الفكرة كلما ماتت و صعوبة التواصل، أنا العقل الجمعي الذي يضم الجنس كله على قلب رجل واحد عقل الخلية، فهو عقل ممتد، لا يموت بموت الفرد و لا ينسى شيء من قريحته بل يحتفظ بمعرفة الجنس كلها. لكني لا اعرف كيف تعالج مسألة التجديد في مثل هذا النموذج.
أعود إلى موضوع الشيعة و السنة و الذي أُصر على أنه لا يمكن فهمه إلا بدراسة تاريخ قريش منذ ما قبل الإسلام؛ فلم تكن لحظة مقتل الحسين أو علي هي لحظة البداية في هذا الصراع الذي هو في حقيقته تنافس قديم بين العشيرتين القرشيتين، بنو هاشم و بنو أمية، من قبل أن يصبحوا جميعا مسلمين. قريش التي كان تحالفا قبليا لا قبيلة واحدة، بالرغم مما تزعمه الأنساب الأسطورية و الأجداد المفترضين.
فكر معي في الموضوع بعقلية محايدة. انس أنك مسلم و أنك سني النشأة. فكر في توازنات القوى بين العشيرتين القرشيتين اللتان كانتا تتنافسان على المكانة و الشرف و المنعةالثروة في ذلك المجتمع القديم.
بنو هاشم فيهم الرفادة و السقاية و بنو أمية فيهم لواء الحرب
لم يكن المجتمع المكي القديم مجتمع بدو همج كما أصبح يحلو للبعض أن يصور الآن، يعيشون يوما بيوم؛ فقد ورثت مكة ما كان لحواضر العرب القديمة، عُبَارُ و سَلْعُ و تدمر، من وزن جيواستراتيجي كمحطات على طرق كانت تمر بها تجارة العالم المعروف وقتذاك تماما كما تمر الأموال بمصارف المدن الغربية الكبرى الآن، و نتيجة لهذا نشأ مجتمع معقد - بمعايير ذلك الزمان - و مُسَيَّسٌ؛ لا يمكن مقارنته إلا بمجتمعات أثينة القديمة أو العشائر اللاتينية المؤسسة لروما، و على مر مئات السنين التي تلت ذلك لم يختلف مصير القرشيين عن مصير اليونان أو اللاتين الذين نهضوا ليحكموا العالم و ليحولوا قراهم القديمة إلى مراكز و عواصم عالمية، ناشرين لغتهم و ثقافتهم على مساحات شاسعة و لتخلق - خارج سيطرتهم - حضارة عالمية تنصهر فيها ديانات و عقائد شعوب جمة. و هكذا انتقل الصراع القديم بين العشيرتين من شعاب مكة ليصبح عالميا بين جيوش جرارة لأمير المؤمنين تقتتل في ثلاث قارات، بعد أن دخلت عوامل الزمن و التعصب الذي أشرت إليه أعلاه و دخول أطراف خارجية في الصراع، فتغيرت أسبابه و دوافعه و أساليبه عن تلك التي كانت في مكة.
يمكننا في هذه الحالة أن نتصور أن مجيء الدعوة إلى الدين الجديد على يد رجل هاشمي، و التغير في موازين القوى و المعايير الجديدة للشرف و القوة أو لنقل القواعد الجديدة للعبة، كلها عوامل كانت تهدد بتركيز القوة كلها في يد بني هاشم و من والاهم و إقصاء بني أمية. تفاعلات القوى تلك كانت هي المحرك الرئيسي للأحداث التي ظهرت جلية منذ مسألة التحكيم و الفتنة الكبرى و الصراع على الخلافة.
لهذا لن يمكننا فهم ما حدث في هذه المرحلة من التاريخ إلا عندما نسعى إلى دراستها، بأحداثها و شخوصها و مقولاتهم، في إطارها البشري القابل للتفسير كما ندرس تاريخ أثينة القديمة أو روما لا كما ندرس سيرة الأولياء و القديسين و الكتب المنزلة و الكلمات المنزهة.
في النهاية أحب أن أسجل اعتراضي على مصطلح العلوية
الذي ضمنه ابن عبد العزيز في عنوان مقاله لأنه يخلط - في عقلي على الأقل - بين دلالات مختلفة، و أفضل عليه ما استقررنا عليه و هو التَّشَيُّع
و إن كنت أفهم أنه يحاول تفادي إظهار الموضوع على أنه تكريس للصراع بين الطائفتين في طرحه فقه المهادنة و التقريب الذي بنى عليه فكرته.
فعلا أنا لم أذكرأكن ذكرت كلمة الثروة لكني بالتأكيد عنيتها ضمن حديثي. معك حق في هذه النقطة. لكن مقتل عثمان الأموي كان امتدادا للصراع الأصلي، و إن كان بدأ يتخذ مناحي جديدة و يظهر في ضوء مختلف، و كذلك الصراع بين عائشة و عليّ؛ زوجة القائد و ابن عمه الوريث. ذكرتُ السقاية كنموذج لمواطن التنافس القديمة و ليس كحصر لكل مظاهره. مثالية علي و الحسين التي وصلتنا في رأيي مصدرها تأويلي في الإطار الإجلالي لأشخاصهم أكثر منه تاريخي.















