استقلال القضاء حق كل المصريين
هذه الصفحة تعتمد على صفحات الطرز المتراصة (CSS)
2004/04/14

أسوان

من أبي سمبل إلىٰ أسوان قطع الميكروباس المسافة في ما يزيد علىٰ الساعتين. وصلنا أسوان بُعيد المغرب، فاتجهنا إلىٰ معبد فيله لنشهد عرض الصوت و الضوء و لكن كانت الأماكن كلها محجوزة لفوج أجنبي. و عندما وصلنا المتحف كانت قد بقيت نصف ساعة علىٰ موعد إغلاقه فقضيناها نتمشىٰ في أروقته قبل أن يغلق أبوابه.

ودَّعنا رفيقنا النوبي الذي اتجه إلىٰ بلدة التهجير في كوم امبو لزيارة عائلته.و سألنا سائق التاكسي عن مكان للمبيت سعره معقول فدلنا علىٰ فندق الأمين، الذي يبعد شارعين عن محطة القطار. الفندق يشغل عمارة و مدخله يدل علىٰ تواضعه. لم نبال.

حجزنا غرفة لثلاثة أشخاص بحمام خاص، و صعدنا إليها ثلاثة أدوار لنجد غرفة لا تزيد مساحتها عن تسعة أمتار مربعة، تتلاصق فيها الأسرة المتهالكة و الأثاث البالي.لم نبال.

آخر مرة نظفت فيها الغرفة كانت إبان افتتاح السد العالي. لم نبال.

جاء إلينا حسن ضخم الجثة، عامل خدمة الغرف ليحيينا، ثم رأف بحالنا فعرض علينا تحسين المستوىٰ و الانتقال إلىٰ غرفة تطل علىٰ الشارع و بها تكييف هواء مقابل 45 جنيها في الليلة بدلا من 40 فوافقنا، و انتقلنا.

نزلنا إلىٰ عامل الاستقبال لنعلمه بالتغيير و لنحصل علىٰ بركته، فرافقنا إلىٰ الغرفة الجديدة، لنجد أن لا فارق بينها و بين الأولىٰ سوىٰ جهاز التكييف العتيق المدلىٰ فوق نافذتها المطلة علىٰ الشارع، و خمسة جنيهات زائدة في الإيجار. أخذ عامل الاستقبال يستعرض إمكانات الغرفة الجديدة و لكن الهاتف المعلق علىٰ الحائط خذله.

جاء حسن جالبا لنا أغطية و أخذ يحدثنا عن أبنائه الثلاثة عشر و عن سنوات عمله الثلاث عشرة في الفندق، ثم تساءل عن سبب مجيئنا إلىٰ هذا الفندق مع أنه توجد في المدينة فنادق أحسن و ربما أرخص!

عندما طلب صاحبنا م من حسن صابونة للحمام، أصر حسن علىٰ أننا يجب أن ندفع أجرة المبيت مقدما، و أخبرنا أن هذا فندق شعبي و ليس سياحيا و أنه يجب علينا أن نشتري صابونتنا بأنفسنا من السوق. جادلناه لبعض الوقت، و كنا متعبين أكثر من أن نبالي.

نزلنا السوق في الشوارع المحيطة بالمحطة لنتعشىٰ و نشتري لوازمنا، فتناولنا أقمأ وجبة سمك في التاريخ و الأغلىٰ بالنسبة للمكان و للجودة، ثم اتجهنا إلىٰ الفندق لنستحم و ننام.

بعد اللإفطار عند المحطة

في الصباح، بعد أن حجزنا تذاكر العودة بالقطار، كنا متحمسين لزيارة منطقة غرب سهيل و الجزيرة التي سمعنا عن جمالها، فانطلقنا بعد الإفطار في الاتجاه الذي دُللنا عليه في غرب أسوان، عابرين فوق خزانها العتيق.

منظر لشاطئ النيل جنوب غرب سهيل

بعد تلكؤ ساعة قضيناها في البداية عند شاطئ النهر عند سفح الخزان، توغلنا شمالا داخلين في المنطقة النوبية ذات البيوت الملونة بالألوان الزاهية الصريحة، التي يسكنها الكنوز .

مناوشة بسيطة مع شاب نوبي حلا له أن يمارس سلطته علىٰ منطقة نفوذه، وصلنا بعدها في نهاية الدرب الطويل الذي يخترق البيوت إلىٰ أن وصلنا إلىٰ منطقة شبه سياحية يبدو أفواج السياح تزورها لشراء التذكارات.

و لما كان هدفنا هو الجزيرة المقابلة لهذه المنطقة، سألنا عمن يمكنه أن يأخذنا إليها بقاربه، لكن أصحاب القوارب ادعوا أنه ممنوع، و لكن فتىٰ منهم ألمح لنا أن جنود الشرطة النهرية الذين كانوا يغطون في نوم أهل الكهف تحت الأشجار علىٰ شاطئ النهر، يمكنهم أن يُقلّونا إلىٰ هناك في زورقهم المطاطي، فوسطناه بيننا و بينهم.

بعد مفاوضة سريعة علىٰ السعر، أخذنا جنديان منهم في الزورق إلىٰ الجزيرة، علىٰ أن نجد نحن وسيلة رجوعنا.

علىٰ جزيرة غرب سهيل

الجزيرة ساحرة..هكذا بدا لنا. صعدت صخرة لأتطلع فاكتشفت جداول تمر بين الصخور الجرانيتية و أحواض ماء، و كثبانا رملية و أشجارا متناثرة، و عن بعد لاحت بيوت. و لم أر أحدا غيرنا.

جلسنا في ظل شجرة، نتحدث و ننظر ما حولنا، و نصور في اتجاهات مختلفة. حاولت أن أصور طائرا صغيرا كان ينقض من السماء غاطسا في البركة ثم يشق الماء خارجا و في فمه سمكة، و لكني فشلت.علىٰ الضفة الأخرىٰ من البركة ظهر رجل يسحب جاموسة حان موعد استحمامها.

عاودنا المشي في اتجاه الشمال..تقافزنا فوق الصخور في وسط الجداول حتىٰ و صلنا حوض بركة يصب فيها الجدول المترقرق، و ظهر الناس. أطفال كانوا يلهون في الماء، لكنهم غادروا ما أن رأونا، زورق مربوط في جدار منزل ملاصق للبركة، صيادان يصلحان زورقا و آخر يجمع شبكته من الماء. وراء البركة، علىٰ ربوة صخرية توجد بيوت القرية. أزقة صغيرة بين بيوت زاهية..كأنها متاهة طمسها طفل بأقلامه الملونة.

الطريق صاعد يرتقي الربوة..قابلنا نساء و أطفالا، رحبوا بنا و أخبرونا أن هذه الجزيرة أصبحت شهيرة بعد أن صور فيها فلم مثله أحمد السقا. دعونا إلىٰ بيوتهم، و لكننا شكرناهم و تابعنا المسير.

في وسط الجزيرة منطقة صخرية وعرة، جافة و ترابية. في الظهيرة، كان القيظ قد بدأ يشتد.

لمحت سورا حديديا يحيط بمنطقة واسعة، لكن لا يظهر من خلفه سوىٰ الصخور و الربوات. سرنا بجوار السور، و عندما انعطفنا و صرنا عند بوابته طالعتنا اليافطة منطقة آثار و كشك رسوم مهجور. طرأ لي أن هذه منطقة حجر المجاعة التي كان صديق حدثني عنها و إن لم يحدد مكانها: ربوة حجرية عليها رسم مصري قديم يمثل رجلا كبير الحجم، و حوله نقوش هيروغليفية. يشاع أن الرسم يمثل يوسف النبي و أن النقش يحكي قصة السنوات السيع العجاف. وقفنا إلىٰ أن ظهر البواب في كشكه الذي يشبه كشك بيع الخبز.سألناه بكم التذكرة فقال بجنيه للمصرين، و سألناه إن كان يوجد شي آخر غير هذا الحجر البادي لنا فأجاب أن لا، فانصرفنا.

بعد بضعة أمتار، ظهر مرسىٰ القوارب فعرفنا أننا قد اخترقنا عرض الجزيرة كله، فعبرنا في زورق مع مجموعة من النساء و الأطفال إلىٰ بر أسوان، حيث اتجهنا إلىٰ معبد فيلة مرة أخرىٰ و قضينا فيه ساعتين أو ثلاثة.

كنا ننوي قضاء الوقت المتبقي لنا حتىٰ موعد القطار في المتحف، إلا أننا وجدنا أنه لا يفتح أبوبه قبل الخامسة، فانتظرنا الساعة و النصف في ردهة فندق قريب و تناولنا المشروبات.

دخلنا المتحف فقضيت ساعتين أطالع صور النوبة الغارقة، ثلث الساعة أجري في أروقة المتحف الباقية قبل أن ننطلق بأقصىٰ سرعة إلىٰ محطة القطار.

2004/04/13

النوبة

عدت أمس، شم النسيم، من رحلة إلىٰ أسوان و ما خلف السد، بدأناها أنا ورفاقي من محطة قطارات رمسيس بعد ظهر الخميس.

كنت زرت أسوان و كوم أمبو منذ أعوام طويلة في رحلة سياحية نيلية، لكن هذه الزيارة كانت مختلفة.

كانت لدي صورة عقلية عما كانت عليه الحياة في النوبة القديمة...قبل السد. كنت دائما أطور هذه الصورة و أزيد من وضوحها و تفاصيلها، مضيفا إليها من شذرات الحقائق و الصور و قصاصات المعلومات التاريخية و المعارف الإناسية التي أكتسبها مع الوقت. بالنسبة لي كانت النوبة مكانا خياليا...يمكن أن يكون أي شيء.

هذه الزيارة أكسبت الصورة العقلية الخبرة العملية المباشرة بالناس - و إذا جاز لي أن أضيف - بالأرض.

ما أثار إعجابي و دهشتي هو كيف أن النوبيين، الأذكياء، الكادحون، الأعزاء، و الطيبون في الوقت ذاته ما زالوا يسعون حثيثين للعودة بأقرب ما يستطيعون لموطنهم الغارق.

لتتضح الرؤية أكثر، يجب أن نعرف أن أرض النوبة القديمة بكاملها يرقد الآن في قاع بحيرة السد العالي، التي ارتفع ماؤها مالئا وادي النيل حتىٰ حافة سهلي الصحراوين الشرقية و الغربية، اللتان أصبحتا الآن تشكلان شطآن هذه البحيرة.

في البحيرة: من أبو سمبل إلىٰ الشرق

لهذا، فإن أي تجمعات سكنية جديدة تقام علىٰ سواحل بحيرة النوبة، بما فيها أبو سمبل، البلدة الجميلة، المخططة و المنشأة إنشاء، تقع كلها في الصحراء، علىٰ ما كان يبدو للنوبيين القدماء قمم الجبال تجاوزا المحيطة بأرضهم. أو مثلما قال عبد المجيد أبو شفة العمدة غير الرسمي في قسطل الجديدة.

لأكون أكثر دقة يجب أن أوضح أنني هنا أتكلم عن النوبيين الفدجيكا، اللذين كانت أرضهم تمتد من جنوب أسوان حتىٰ وادي حلفا، التي تقع الآن في السودان التي فيها ثلث مساحة بحيرة النوبة.

علىٰ ما أعلم، فإن المجموعية الإثنية الأخرىٰ من النوبيين في مصر، هم الكنوز، اللذين يتحدثون لغة أخرىٰ، و اللذين أصبحوا جزءا من المشهد السكاني في وادي النيل في موجة هجرة ما قبل تاريخية مختلفة، لم يتأثروا كثيرا ببناء السد العالي، حيث أنهم يعيشون إلىٰ الشمال منه أكثرهم.

في الوقت الذي كنت فيه هناك بصحبة أخي و صديقنا م كانت تُعرض مؤقتا صورا فوتوجرافية من نوبة ما قبل السد في المتحف النوبي في أسوان، منها ما صوره الرحالة تشارلز برِستِد الذي زار هذه المنطقة في مطلع القرن العشرين، و التي ساهم بها المعهد الشرقي التابع لجامعة شيكاجو، ثم علمت أنه يوجد مقر دائم له في مصر باسم بيت شيكاجو في الأقصر.

عندما تطالع الصور، و بعد أن تبحر في البحيرة، ستدرك كيف كان كل شيء قريبا من النيل، محور حياة النوبيين. الوادي هناك لم يكن متسعا كما هو الحال في أماكن أخرىٰ؛ القرىٰ، المعابد، الحصون، الكنائس القديمة، المساجد، كلها علىٰ مسافات متقاربة و في حدود المشي قربا من النهر. مع هذا فالقرىٰ منبسطة و غير مزدحمة كقرىٰ الدلتا، و البيوت الفسيحة بطرازها المعماري الشهير لا ينافسها في الانتشار و الانتثار سوىٰ بيوت البدو.

أمضيت أكثر من ساعتين أطالع أقل من ثلاثين صورة، كلها مؤرخة و موصوفة محتوياتها، بالرغم من أن اللوحات العربية كان مختصرا أكثر من اللائق و يفتقر إلىٰ الكثير من المعلومات الهامة التي كانت في الإنجليزية! كنت بقيت أكثر لولا أنه كان علينا أن نلحق بالقطار.

محمد رمضان في قسطل

أكثر لحظات الرحلة تأثيرا جاءت في العبارة في البحيرة، و نحن نبحر من أبو سمبل إلىٰ الضفة الشرقية متجهين نحو قسطل و أدندان، عندما أشار صاحبنا و دليلنا محمد رمضان إلىٰ قمة صخرة بيضاء ما زالت ناتئة فوق سطح الماء و قال: شايف الجبل الأبيض اللي هناك ده؟ لما كنّا أنا و والدي رحمه الله نعبر بجواره في العبارة كان يقرأ الفاتحة علىٰ أرواح أجداده المدفونين عند سفحه، دلوقت تحت المية.

هذه المقالة ترجمتها بتصرف في وقت لاحق علىٰ هذا التاريخ، عن رسالة كنت كتبتها بالإنجليزية بعد أن عدنا من الرحلة، لكني أضعها في هذا التاريخ لكي أحافظ علىٰ قوانين السببية الكونية :-)

2004/03/06

كاترينة

و بمناسبة حديثنا عن الصحراء؛ فلقد عدت للتو من رحلة تمشية أربعة أيام في جبال و وديان منطقة سانت كاترين في جنوب سيناء..البدو الجبالية شعب رائع، و مناظر بديعة. الليلة التي قضيتها فوق قمة جبل كاترين كانت أبرد ليلة قضيتها في حياتي كادت أطرافي فيها تتجمد، كما سمعت صوت نظارتي و هي تتحطم تحتي أثناء تقلبي بحثا عن الدفء بلا جدوىٰ!

المشي في الدروب و المسالك التي يطرقها الجبالية منذ مئات السنين شيء رائع و مُوْحٍ. الصحراء هناك ليست علىٰ الصورة التقليدية التي تسكن مخيلتنا عادة؛ موحشة و قاحلة و جرداء، بل هي أشبه بحديقة من الصخور الملونة و الشجيرات و الأعشاب العطرية، و أحيانا الحيوانات.

عندما تمضين الليلة في جنان الرمان و الزيتون الصغيرة في الوديان، يمكنك أن تدركي المعنىٰ الفعلي لكلمة جنة، و كذلك ما يعنيه أن يطرد شخص من الجنة. عندها فقط يمكن للمرء أن يفهم منطق الديانات الثلاث، و من أين أتت بمفاهيمها، و هو ما لا يمكن للغربيين أن يستوعبوه عن بعد، و لا حتىٰ الشرق أوسطيين في مدنهم العظمىٰ المكتظة.

فوق هذا، سيمكنك أن تلمحي دستة من الشهب اللامعة في السماء أثناء جلوسك حول نار المخيم تتجاذبين أطراف الحديث مع رفاقك و مضيفيك البدو السيناويين الذين ستدهشك دماثتهم و كياستهم و حسن طباعهم، بل و خجلهم منا نحن الصاخبين القادمين من وادي النيل. بعد مشي يوم طويل، قد يتسنىٰ لك أن تلمحي بعض الشهب أيضا في اللحظات القليلة التي تبقين فيها مستيقظة ما بين أن تدسي نفسك في فراشك، و ما بين التقاطك لأول مذنب عابر إلىٰ عالم الأحلام.

هذه ترجمة جزء من رسالة كنت أرسلتها لصديقتي ك بعد عودتي من تمشية في جبال و وديان سانت كاترين مع أخي، و صديقنا م، و صحبة لنا في أكتوبر:

صباح الجمعة الثالث من أكتوبر انطلقنا من الملقىٰ، بلدة سانت كاترين الصغيرة بين الجبال. كنا ستة و دليلنا صالح. مشينا صاعدين وادي الأربعين جنوبا علىٰ درب قديم، يكاد يكون مُعَبَّدًا بالحجارة، و منه إلىٰ وادي شق موسىٰ حتىٰ سفح جبل كاترينة. عندما تمشي هنا لأول مرة يلفت نظرك تنسيق المكان، الدرجات الحجرية، الأسوار، حتىٰ أنك لتظن أن الصخور المتناثر موضوعة في أماكنها بنظام. و مع أن الجفاف يضرب هذه المنطقة منذ سنوات، إلا أن النباتات الصابرة و عيون الماء القليلة التي لم تجف، تجعلك تحس بالألفة و كأنك تمشي في ردهة منزل و ليس في الخلاء. هذا الإحساس لن يزول.

في منتصف النهار توقفنا عند عين شنير الظليلة لنرتاح و نتناول غدائنا. عندما انطلقنا مجددا كانت الشمس قد بدأت رحلة هبوطها.

مع نهاية وادي شق موسىٰ الوعر كنا وصلنا سفح الجبل و بدأنا الصعود. الصعود في الدرب المتعرج الذي يرتقي علىٰ جانب الجبل أضنىٰ رفيقة لنا و استنزف كل طاقتها فقررت الانهيار. جلسنا مرة أخرىٰ نرتاح إلىٰ أن أمكنها متابعة المسير. عندما بلغنا مكانا منبسطا يشرف علىٰ السفح الشمالي للجبل كانت جمالنا تنتظرنا فيه مع راعيها سالم، استلقينا يغمرنا الغسق البرتقالي في نوره لبعض الوقت قبل الصعود الأخير إلىٰ القمة. استجمعنا قوانا لنتابع الصعود الأخير نحو القمة؛ هدفنا في اليوم الأول و مكان مبيت ليلتنا.

علىٰ سطح صومعة الرهبان القديمة شهِدْتُ غروب شمس ذلك اليوم من فوق أعلىٰ قمة في مصر 2،640م، التي آوت مع أخواتها السبع المحيطات بها في القديم رهبان القديسة كاترينة في معازلهم. كان دليلنا يخبرنا أن هذه ستكون آخر الرحلات التي تقصد المبيت علىٰ قمة الجبل. من اليوم سيحول البرد دون ذلك.

بعد غروب الشمس انخفضت الحرارة أكثر فأكثر، فتناولنا عشائنا حول نيران تغالب التجمد، و ذهبت لأقضي أبرد ليلة في التاريخ، حال البرد أن أنامها إلا سويعات.

في الصباح التالي بدأنا رحلة النزول لنتابع المسير الذي يصبح بعد اليوم الأول و كأنه الشيء الوحيد الذي كنت تفعله طوال حياتك. و إذا كنت مثلي ممن يجدون في المشي متسعا لإطلاق العنان لفكرك، فستجد أنك بعد قليل صرت لا تمشي بل تحوم.

من طرف وادي شق موسىٰ نزلنا غربا في وادي أحمر الذي تزينه جلاميد الجرانيت و تفوح فيه رائحة الأعشاب، لنمشي في نهايته علىٰ إفريز ضيق نتحسس جدارا حجريا لا بد و أن منظرنا أثناء عبوره كان أشبه بالسحالي التي تقف لتتشمس علىٰ أجناب الحجارة. دلفنا بعد ذلك إلىٰ وادي الشق لنرتاح و نتناول غدائنا في الحديقة الصغيرة في أوله و لنرىٰ أول المسافرين غيرنا. عندما بدأت الشمس رحلة الغروب، بدأنا نحن رحلتنا إلىٰ وجهتنا، وادي زواتين ذي الزيتونات القديمة، لنصله قبيل أن تصل هي.

أشجار الزيتون في وادي زواتين عتيقة، بل عتيقة جدا. تغضنات جذوعها تجعلها أشبه بأعمدة حجرية قديمة نحتها الزمن. أذكر أن صديقي م.م. أخبرني مرة أن هذا الوادي بشكل حدائقه و أسواره الحجرية و أشجاره القديمة لم يتغير في مجمله من أيام موسىٰ الرسول!

من مدخل الوادي كان بإمكاننا أن نرىٰ قمة جبل كاترينة التي استيقظنا فوقها صباح ذلك اليوم. قابلنا صديقتنا المنهارة، التي كانت ركبت جملا عندما بدأنا نزولنا و ذهبت مع الجمال التي تحمل حقائبنا من طريق مختصر . وجدناها باشّة مبتسمة، و حكت لنا كيف أمضت معظم النهار في ضيافة أسرة سليمان. تناولنا عشائنا حول النار كالعادة، و تبادلنا الحكايات.

ليلة دافئة نمتها تحت شجرة تفاح صغيرة في حديقة الست عامرية الشهيرة اللطيفة. بعد الليلة السابقة المتجمدة، لم يعد هناك ما يمكن أن يزعجنا. في الحقيقة أني كنت مرتاحا لدرجة أني تأملت النجوم لدقيقة كاملة قبل أن أدخل قوقعة النوم العميق.

في الصباح، بعد إفطار و حزم حاجياتنا، انطلقنا في وادي زواتين إلىٰ الشمال الغربي لنمر تحت جبل عبّاس، المسمىٰ علىٰ اسم الخديويْ الذي اعتزم أن يبني منزلا له فوق قمته للاستشفاء، و لكنه مات قبل أن يكمله. لما كنا لم نزر الجبل من قبل، فقد أقنعنا أنا و أخي صاحبا لنا أن يرافقنا إلىٰ قمته، بينما لم تكن بالآخرين رغبة، لأن بعضهم رآه، و بعضهم الآخر قرر أن يوفر قواه لباقي اليوم الذي كان في بدايته.

صعدنا الجبل في خطوات سريعة واسعة فوصلنا قمته بعد ثلث الساعة. من شرفات أطلال المنزل الحجري الناقص، يمكنك أن ترىٰ منازل بلدة سانت كاترين عند قدمه، بعيدة و صغيرة. نزلنا بعد ذلك لنتابع المسير مع أصحابنا الذين انتظرونا ساعة.

عند منحرف وادي طينيا إلىٰ الشرق، عبرنا منه عبر وادي صقر إلىٰ الغرب، نستهدف القَلْتَ الأزرق.

لا يمكنك و أنت تنزل المنحدر الوعر، الذي تختلط فيه الحجارة الصغيرة و الحصىٰ المفتت في مزيج يجعل من العسير أن لا تزِّل و تعثر علىٰ الأقل مرة واحدة، أن تتخيل أن في قاع هذه الحفرة العملاقة يقبع حوض جرانيتي من ماء المطر المثلج. أمضينا بعضا من نهار ذلك اليوم حول حفرة المياه المثلجة؛ سبح رفاقي فيها و تناولنا غداءنا وسط صخب أفراد عائلتين من الإسرائيليين كانوا قد سبقونا إلىٰ هناك و مجموعة أخرىٰ من المسافرين كنا صادفناهم في الطريق، تعرف إليهم رفاقي و تجاذبوا معهم أطراف الحديث.

الإسرائيليون هم السياح الأهم و الأكثر تجوالا في المنطقة. يعرفون دروبها و مسالكها و يشعرون فيها بالراحة. و بينما يصر الآباء و الأمهات المصريين علىٰ عدم اصطحاب أطفالهم خوفا عليهم من المشقة و الملل، يعيش أطفال الإسرائيليين ممن لا زالوا يخطون أولىٰ خطواتهم رحلاتهم مع ذويهم في سعادة طبيعية.

بعد أن صعدنا من القلت، عاودنا السير مارّين في وادي ضيق يغشاه شجر الزعرور، بينما كانت أسرة من الحمير البرية تراقبنا من فوق المرتفعات. لنصل في نهاية وادي التلعة إلىٰ فرش الرمانة، مبيتنا في ليلتنا الأخيرة التي كان جيراننا فيها العائلتين من القلت الأزرق و الصحبة الأخرىٰ من المسافرين الإسرائيليين. عند سور الحديقة الكبيرة تناولنا عشائنا، و جلس رفاقي يتسامرون مع رفقة الشباب الذين قابلناهم في القلت و مع الأدلة و الجمالين البدو، قبل أن أنسحب إلىٰ فراشي تحت شجرة رمان.

كان وقع المشي في اليوم الأخير و كأنما يضع اللمسات الأخيرة في قصة سحرية، أو لحن حداء عتيق. سرنا في هدوء و دعة المسافة المنبسطة الباقية عابرين من نقب جبال إلىٰ وادي جبال الذي سرنا فيه حتىٰ تقاطعه مع وادي زواتين عند نقب زواتين، فقطعنا الوادي من أوله مُسَلِّمِينَ علىٰ الست عامرية مرة أخرىٰ دالفين إلىٰ وادي طبوق الذي يسلمنا إلىٰ رحبة ندىٰ الندية التي أحيانا ما يتكون الصقيع علىٰ جنباتها في الشتاء، علىٰ ما سمعت.

مررنا علىٰ الحدائق الوارفة قبل نزولنا من أبو جيفة، بعدها عدنا ثانية إلىٰ مستوىٰ البلدة المنخفض تاركين منطقة المرتفعات.

مَنْ سَارَ عَلَىٰ الدِّرْبِ وَصَلَ.

⇐ تدوينات لاحقة