هذه الصفحة تعتمد على صفحات الطرز المتراصة (CSS)
2012/11/21

916 سيدي جابر

ما حدث حوالي الساعة 14:00 في قطار 516 على رصيف محطة سيدي جابر يوم 18 نوفمبر كان في نظري دالا على حال مصر.

على غبار التجديدات التي لم تتم بعد المتناثر على الأرصفة وقفت مع كثيرين غيري، كلٌ ينتظر قطاره.

قطارات الضواحي و القرى، أبو قير و ما شابهه، تتوقف في المحطة لثوان كل بضع دقائق ثم تتركني أفكّر كيف كانت حياتي ستصبح لو كان علي ركوب مثل هذا القطار يوميا إلى مدرستي و منها، مثل الألوف من هؤلاء الفتية و الفتيات.. كهل يمشي بتؤدة بعد أن نزل من عربة قطار رآها مزدحمة أكثر من طاقته على الاحتمال؛ ينتظر التالي.

التباين بين المطموح إليه بالتجديدات في المحطة و بين حالة القطارات كذلك كان دالا: المحطة التي كانت رايقة على طراز معماري بسيط مفتوحة على السماء تحوّلت إلى النسخة المصرية من محطة عصرية مُطوّرة: سُقِفت بدور علوي صُمّم ليضم محال تجارية و مقاه على ردهات بأبواب زجاجية ذوات أطر معدنية، و كُسيت جدرانها بالرخام، و وضِعت فيها سلالم متحركة سد أحدها نصف المدخل القديم للمحطة إلى الرصيف البحري. في مكاتب الموظفين تكدّست معدات حاسوبية جديدة، شاشات و طابعات لا تزال في صناديقها. أقارن بينها و بين التي يعملون عليها في شباك التذاكر؛ تحديثة جديدة، جراحة تجميل لجسم متداع. تذكرة الدرجة الثانية المكيفة قيمتها 35 جنيها.

تذكرة القطار 916 يوم 2012-11-18

بعد الساعة الثانية بدقائق وصل القطار المباشر المتجه إلى القاهرة. بينما القطار يدخل المحطة أسمع هتافا أعرف وقعه جيدا و أميّز بعض كلماته، هتاف طلاب جامعيين ينددون بحادثة قطار منفلوط الواقعة قبل يوم و يطالبون محاسبة المسؤولين. لا أرى المسيرة على الرصيف المقابل إلا لمحا أقدّر منه عددهم بعشرات لأن مرور القطار يحول بيننا، لكن الصوت لا يزال يصلني.

فور توقف القطار أنتبه إلى أني على الرصيف الخطأ متصورا أنه لن يقف كثيرا، فأهرول إلى الرصيف الآخر. أصعد إلى العربة الخامسة و أبحث عن المقعد رقم 16 و أجلس. المسافرون حولي من الطبقة الوسطى بفئاتهم. أتأهب للغفو. من آن لآخر تُسمع مكالمة تليفونية يُبلغ فيها أحدهم محادثه بقرب انطلاق القطار، و دعابة عن ركوب القطارات غير مضمون العواقب هذه الأيام، تنتهي بتمني السلامة و الدعاء بستر الله.

يندفع قادم من عربة مجاورة يظهر أن التكييف مش شغّال. في لحظات يعلو التذمر، و تبدأ مشاورات التصرف. رجل يبدو أنه محام يهدد بأنه - مفترضا تضامننا - لن يسمح بانطلاق القطار على هذا الحال، حتى لو نزلنا لنقف أمامه على القضبان، فيلقى كلامه استحسان البعض. الجالسة أمامي تتذمر بلا انقطاع من تعطيل الحال و تنخرط في تبادل الشكوى مع الجالس إلى جوارها الذي ألمحه عند التفاتها عنه يرمقها بنظرات تفحّص متحفّظ، يقترح آخر أن نكتب شكوى نودعها في إدارة المحطة، قبل أن يقترح المحامي تشكيل وفد لمحادثة رئيس القطار و عرض مطالب تتضمن رد قيمة التذكرة أو قيمة التكييف، و يبين لنا حبير بأننا لن نرى وجه مسؤول واحد حتى ينطلق القطار و يفوت أوان الشكوى.

من ثنيّات النقاش و اقتراحات الحلول راكب آخر يخبر العربة بأن القطار لن يغادر المحطة لأن المتظاهرين قابعون على القضبان أمامه احتجاجا. يتحول الموقف دراميا: يعلو التذمر الجارف من تداعي حال البلد كلها فتتطاير الشكوى من كل صوب و من كل شيء في البلد. ينال المتظاهرين و الثورة نصيبا وافرا من التذمر و اللوم و السباب، كل راكب و ضميره، فأسمع ضمن ما قيل "شوية عيال فاضيين" و لا مش فاضيين... و عن بعد شوية شيوعيين معطلين البلد...

تنهض الجالسة أمامي خارجة من القطار بسرعة و قد فاض بها الكيل متوعدة بأنها سترجع التذكرة غصبا عنهم و تركب سيارة أجرة لترجع إلى أبنائها في الموعد، و أثناء اندفاعها تكون قد طال تذمرها رئيس الوزراء الذي يُبدي أبناء غزّة التي تتحكم في مصر على أبناء مصر المنكوبين، قبل أن يضع أحمر الشعر المندفع عبر ردهة العربة إلى المخرج واسطة عقد التذمر بعبارة يطلقها و هو يحفّ مقعدي في طريقه إلى الخارج مرسي دا أزفت واحد أصلا مجددا قوة النقاشات الجانبية التي تزخر بها العربة و مغيرا في اتجاه كل منها بمقدار. عن بعد أسمع ما هم قبضوا على عامل المزلقان... و ...الوزير استقال...إيه المطلوب ثاني!... و ...الحكومة...

لا يقطع موجات التذمر و النقاش المتتالية غير صياح أحدهم أن الشرطة تضرب المتظاهرين لتزيحهم عن السكة، و قبل أن ينهي عبارته يتحرك القطار عنوة مستغلا ثغرة فتحتها الشرطة فيندفع بسرعة مغادرا الرصيف قبل أن يتوقف في منطقة المناورة مجددا، بعد بضع اهتزازات و مراوحة في المكان، يعاود الانطلاق لبضعة أمتار قبل أن نسمع أصوات ارتطام حجارة. ينبطح بعض الركاب، و أنظر عبر النافذة لأرى صبيا يحمل حجرا يمر به القطار سريعا.

مع تحرّك القطار عاد بعض الحديث إلى مسألة التكييف العطلان. قال المحامي ذو المركز القيادي في انتفاضة التكييف: إذا جاء المحصل لا تخرجوا تذاكركم..فأضاف آخر لو أعطاه واحد تذكرته فسنخسر كلنا موقفنا.

دلف رئيس القطار خَلفَه فنيّ، فانبرى لهم الجميع مبدين التذمر و الضيق و الشكوى، فحاول الرجل تهدئتيهم، إلا أن شيخا ملتحيا ريفي السَّمت بالغ في الصراخ و الاحتجاج، فعندما احتد عليه مساعد رئيس القطار مطالبا إياه بالجلوس ريثمات يُصلح التكييف، فتمتم الشيخ غاضبا ثم عاود الصراخ محوّلا الشكوى إلى "بتوع الثورة ال عاوزين يعملوا ثورجية و بيعطلوا القطار و يقذفوه بالحجارة" قبل أن يعاود الجلوس.

مكالمات الركاب مع ذويهم و منتظري وصولهم تغيّر حشوها من حادثة أسيوط إلى أحداث اليوم: رموا حجارة و كسّروا القطار علينا تكررت عبارات مشابهة في مكالمات أحدهم مرات عديدة فيما بعد خلال الرحلة حتى ظننته بلّغ كل أهله و عشيرته.

ما حدث بعد ذلك في الرحلة أغلبه لا يهم.

2011/07/11

تدوينة فئوية: الثورة تكمن في التفاصيل

بينما أخي و أصدقائي و رفاقي معتصمون في التحرير، أخوض أنا معركة صغيرة جانبية، في شارعي.

التدوينة التالية في معظمها متن بلاغ مكتوب تقدّمت به إلى نقطة الشرطة شاكيا قطع شجرتين على رصيف عقارنا.

السيد مأمور قسم المقطم..بعد التحية،

أتقدم أنا أحمد حامل البطاقة الشخصية رقم ×××××××××××××× القاطن في شقة 1 في الدور الأرضي من العقار القائم في قطعة ×××× في شارع 17 في المقطم ببلاغ لإثبات حالة تعدٍ على أشجار الشارع العمومي المعمرة أكثر من 15 سنة قام بها المدعو محمد مستأجر الدكان الواقع في الدور الأرضي من العقار القائم في القطعة ×××× الملاصق لمحل سكني، و ذلك بالمخالفة للمادة 367 من قانون العقوبات الذي يحظر إتلاف الأشجار و يعاقب عليه بالغرامة و الحبس، و ذلك لتضرري المباشر من ذلك لأن تلك الشجرة ملكية عامة كانت تظلل علينا و على سياراتنا علاوة على المخالفة القانونية الصريحة.

إذ أنه مساء يوم الجمعة 8 يوليو 2011 رأيت المدعو الشيخ محمود خادم مسجد ×××× المواجه للعقار المذكور عاليه و بصحبته شخص آخر لا أعرف اسمه و قد فرغا للتو من قطع شجرة فيكَس من ساقها الرئيسي عند سطح الأرض، كانت الشجرة قائمة على طرف الرصيف المحاذي للعقار القائم في قطعة ×××× الموالي لمحل إقامتي، و عندما أعلمتهم أن إتلاف الأشجار القائمة في الطرق العمومية محظور قانونا و سألتهم عمن طلب منهم القيام بذلك أخبروني أنه المستأجر الجديد للدُّكان الذي يقع في الدور الأرضي من العقار ×××× و أشاروا إلى الدُّكان، فطلبت منهم عدم تكرار قطع الأشجار في الشارع.

مساء يوم الأحد 10 يوليو خرجت من بيتي على صوت سقوط شجرة أخرى و ذلك لانزعاجي من استمرار تقطيع أشجار الشارع و كذلك خشية أن تكون قد سقوطها قد أتلف سيارتنا التي تقف أمام مدخل منزلنا الملاصق لمكان وقوف الأشجار، أو أن تكون أتلفت الأشجار القائمة أمام بيتنا، فوجدت المدعو الشيخ محمود خادم المسجد و معه ذات الشخص المذكور في واقعة يوم الجمعة المبينة عاليه و قد فرغوا للتو من قطع شجرة التوت التي كانت محاذية لشجرة الفيكَس المقطوعة في الواقعة السابقة، علما بأنهم كانوا قد قاموا سابقا يوم الجمعة 8 يوليو بتقليم شجرة التوت فأزالوا كل أفرعها السفلية على ارتفاع 4 أمتار من الأرض. مع العلم بأن سقوط الشجرة لم يتسبب في تلفيات في سيارتنا.

ح

عندما خاطبت الشخصين القائمين بالقطع معيدا على أسماعهما حظر قطع الأشجار و مستعلما عن سبب تكرار الفعلة بعد واقعة يوم الجمعة وجدت المدعو محمد مستأجر الدكان يصيح فيّ من مجلسه على نحو مهين و ينهرني و يقول أنت شكلك ماتعرفش أنا مين و وريني هتعمل إيه..روح اعمل ال عاوز تعمله و اشتكيني و عندما أخبرته أنه ليس من حقه كمستأجر للدكان قطع أشجار الشارع و لا التصرف فيها لأنها تخص الشارع و سكّانه سبّني بقوله دا شكله مجنون و كان ذلك أمام حضور لا يقل عددهم عن عشرة، فيهم المذكورين عاليه و آخرين يعملون لحساب المدعو محمد في إنشاءات المقهى الذي يعتزم افتتاحه، و في حضور شخص يدعى صلاح يتواجد أحيانا في الشارع أمام العقار المذكور يبيع السجائر من على الرصيف، و كذلك في حضور والديّ اللذان يقطنان معي في المنزل نفسه، و ×××× بوّاب العقار الذي أقطنه، و في حضور أشخاص آخرين. كما وجّه إليّ تهديدا مستترا بالإيذاء الجسدي و أبدى حركات يُفهم منها أنه بصدد التعدي عليّ بالضرب، فدخلت إلى منزلي و لم يحدث بيني و بينه أو أي من المذكورين تعامل و لا تخاطب من ساعة تلك الواقعة و حتى ساعة تقديم هذا البلاغ.

أطلب إثبات هذه الواقعة في دفتر أحوال القسم و انتداب مندوب من القسم لمعاينة محل الوقائع و بقايا الأشجار المقطوعة قبل إزالتها الجارية حاليا و سؤال الأشخاص المذكورة أسماؤهم.

في 11 يوليو 2011

أحمد

بطاقة رقم ××××××××××××××

الأمين عاطف قام بواجبه قدر استطاعته فصاغ بلاغي بأسلوبه مستخدما التعبيرات و التراكيب المعتادة في المهنة معيدا سرد الأحداث بمقادير متباين من التفاصيل و السيّاق، لكنه على الأقل أرفق شكواي المكتوبة بالمحضر. ربما سيتمكن مؤرخ في المستقبل من فهم شيء يذكر من واقعة الشجرة في شارع 17 في شهر يوليو 2011.

م

يخبرني الأمين أنهم سيفعلون ما بوسعم، لكن اﻷقوى منهم شرطة البيئة، كما أنه مع علمه بأن افتتاح المقاهي بين العمارات مخالف إلا أن غرامة 101 جنيه لا تردع أحدا و أن الشرطة مالهمش حاجة عند المواطن، لذا فهم يستعملون الورقة و القلم و أن القوانين يجب أن تتغيّر.

معركتي الهامشية في جوهرها مثال أصيل لما ثُرت أنا لأجله: حياة أفضل للجميع و حكمٌ محليّ أقرب إلى الرشد، يحفظ كرامة الناس أن يستيقظوا يوما في شارع كانوا سكنوه فإذا بهم لا يعرفوه. لستُ من أشد الناس تضررا من البطالة و الغلاء، و أظن هذا السبب ذاته يجعل حظّي من المعاناة على يد الشرطة و الدولة المعسكرة أقل كثيرا من أغلب أقراني الذين ثُرت معهم لأجل الحرية و الكرامة. لكني أريد أن أعيش في شارع أملكه مع جيراني في حي نملكه جميعا في مدينةٍ ننتمي لها و نألفها كما نألف بيوتنا في بلدٍ نشعر أننا، في المجمل على اﻷقل، نديره و نحدد مصيره، لا يُسيِّره كما يهوى انتهازيٌّ مارٌّ جَراديّ النزعة لا يرى في كل ما يحيط به سوى وسيلة لربح محتمل، وزيرا كان أو رئيسا، أو صاحب مقهى، مُدركا و مُستغلا أن حتى أولئك الذين يأبهون و لديهم رفاهية الغضب لشجرة سيعجزون لأن تظلماتهم ستسقط غالبا بين سنون العجلة.

ربما غضبت أنا لشجرة، و ربما يشكو ملايين غيري عوَز ما هو أكثر إلحاحا، لكنها في المجمل التفاصيل الفارقة بين أن نتقدم، و أن نظل على الكفاف كمجتمع.

م

أذكر حكاية أحد عن شجرة أخرى تصادف أن قاطعها كان كذلك خادم مسجد. أتمنى أنها مصادفة.

2010/12/22

متحف الزراعة العالمي

متى كانت آخر مرة زُرت فيها المتحف الزراعي؟

أو لأعد صياغة السؤال: متى كانت آخر مرة زرت فيها المتحف الزراعي بإرادتك، ثم خرجت منبهرا؟

أنا زرته مرتين، آخرهما مجاملة لصديقة أجنبية منذ عشر سنوات، دفعت للدخول أرخص تذكرة في الوجود، عشرة قروش صاغا، و خرجت حزينا على الفرصة المهدرة. لو زرته اليوم لربما كنت مجبرا على دفع خمسة و عشرين قرشا لا لشيء غير أن عملة العشرة قروش لم تعد متداولة.

ثم زرته الليلة.

متحف الزراعة العالمي

ففي مركز الصورة المعاصرة في 22 شارع عبدالخالق ثروت في القاهرة، و لمدة محدودة، يوجد متحف اللزراعة العالمي، و هو عرض مفاهيمي مركّب تثير من خلاله صاحبة الرؤية و قائدة فريق العمل، الإسبانية أسونثيون مولينوس گوردو، قضايا الغذاء و البيئة و الجوع و التنوع الأحيائي.

دعك مما اعتدته من أعمال التركيبات في الفراغ التي هي بحق في معظمها رَكاكات تُهدَر عليها المساحات في المعارض و متاحف الفنون، لا مغزى من وراءها سوى محاولة التذاكي، فعمل أسونثيون إن جاز تصنيفه ضمن أعمال التركيبات في الفراغ المفاهيمية، هو أوّل عمل من هذا النوع و الحجم يُبهرني على مستويات عدة، و هو يليق بالعروض التي تُنشئها المتاحف و مراكز التعلّم و الاستكشاف و التوعية؛ واجهةٌ مُنَفَّذَةٍ بإتقان لفكرة واضحة قام عليها جهد بحثي جاد.

المبهر في العرض ليس جِدَّة التقنيات الفنية، و لا البراعة في استخدام المواد و تطويعها، و لا باطنية الفكرة و مراوغتها، فلا شيء من هذا هنا. إذ تستلهم أسونثيون في مساحة تقل عن 80 مترا مربعا روح المتحف الزراعي العريق في الدقي في الجيزة، ناقلة الطراز العتيق للعرض، و التداعي و التهالك الطاغيين على المكان و المعروضات، و حتى الرائحة، خالقة فضاء يتعرف عليه لحظيا كل من زار المتحف الزراعي.

توظّف الفنانة هذه الحالة لتعرض على الزائر حقائق عن إنتاج الغذاء في العالم، و عن انعدام العدالة الذي لا يُمكن أن يكون عفويا. فنرى مثلا في رسم بياني على لوحة مؤطرة بطراز عتيق خطين متصاعدين باضطراد يبين أحدهما إنتاج الغذاء في الأرجنتين و الآخر الجوع! ثم صِوانَي عرض يحوي أحدهما ما تنتجه هَييتي للتصدير من حاصلات زراعية فاخرة من فاكهة و حبوب و مكسرات، يجاوره صِوان يوضح كيفية صنع فطيرة الطين بالزيت و الفلفل و الملح التي يأكلها الهَييتيون.

وبعد أن تعرض علينا في بضع لوحات توضيحية مُسندة على الحائط بإهمال صفات بضعة أجيال ناتجة من تهجين الطماطم و العنكبوت أو البقرة وقصب السكّر و نتائج تهجينات عبثية أخرى، فإنها توضح لنا باقتضاب شديد مفهوم الجين المُنهي، تجاوره صورة فلاح منياوي يوقع عقدا شراء بذور معدّلة وراثيا. إذ يُضطر الفلاحون في مصر كما في بلدان عديدة إلى شراء بذور عقيمة لا تنتج عنها تقاوي بعد زرعها فيما يُعد خروجا على فطرة الزراعة منذ عرف الإنسان تقنياتها قبل عشرة آلاف سنة! ليس هذا و حسب، بل تمنع الفلاحين تعاقداتهم مع الشركات من إعطاء أي قدر من البذور لغيرهم، لا لزراعتها و لا للبحث، و تلزمهم باستخدام منتجات الشركة من مبيدات إن ارادوا استخدام مبيدات، و تجبرهم على عدم الاحتفاظ بأي قدر من المحصول بعد الحصاد. صوّر المستشرقون لنا أن تاريخ الفلاحين المصريين كان حالك السوّاد و البؤس!

غير أن العرض لا يقف عند حد تحذيرنا من الهندسة الوراثية، فهي مجرد تقنية ليس عليها حكم أخلاقي مسبق، بل توضح لنا كذلك أن الهندسة الوراثية يمكن أن تساعد بزيادة إنتاج المحاصيل فتقلل من الجور على الغابات لاستغلال أراضيها في الزراعة فتقلل بالتالي من الأضرار على البيئة و التنوع الأحيائي.

و تشرح لنا لوحة أخرى كيف احتكرت شركات أمريكية اسم "أرز بسماتي" الذي تندرج تحته آلاف الأنواع من الأرز التي ولّدها على مر أجيال عديدة المزارعون الهنود، فأصبح واجبا عليهم دفع عوائد للشركات إن أرادوا بيع الأرز الذي يزرعون باسم "بسماتي" و إلا خالفوا اتفاقات الملكية الفكرية! ثم تواصل مدّ الفكرة على استقامتها، فإلى جانب جرار زجاجية تحوي عينات من الأرز نجد جرة فيها بذور صنف من الحشائش الخضراء عليها ملصق يعلمنا أن هذا الصنف الممتاز من نجيلة الملاعب يملكه فكريا (يا للعبارة العرجاء!) نادي ريال مدريد. سخرية مريرة شديدة الذكاء أرجو ألا تستحيل يوما واقعا.

ما لا يذكره العرض صراحة لكني وجدته غير غائب عن ذهن الفنانة أثناء حديثي معها هو أن كل الأصناف النباتية و الحيوانية التي يربيها الإنسان و يستغلها في معيشته هي نتاج صيرورة اصطفاء اصطناعي و تهجين استمرت آلاف السنين كانت المعرفة التي تنتجها ملكا للبشرية كلها و انتشرت تقنياتها في كل أرجاء الأرض، محتفظة أحيانا حتى بأسماءها عبر آلاف السنين: الوَين في العربية (و شقيقاتها الساميّات) هو صنف من العنب. و للمفارقة مع مثال الأرز السابق فإنك إن تركت حقلا من الأرز يتوالد ذاتيا بلا تدخل بشري فإنه يعود بعد بضعة أجيال إلى أصله: حشائش النجيلة البرية.

إذاخرجت من هذه الغرفة التي على بابها لافتة "الملكية الفكرية" وجدت أبوابا موصدة عليها لافتات مثل "القانون" و "التجارة"، كما ستجد لافتة متهالكة قد سقطت على الأرض و انكفأت على جانبها عليها "العمالة".

إلى جانب القدر البالغ من الإبداع في عرض الفكرة، و اللمحات الذكية الساخرة في تصميم معروضات المتحف المُفترض، فإن إتقان محاكاة غير المُتقن أبهرني حقا؛ العناية البالغة بالتفاصيل. فالصوانات المتهالكة، و اللوحات المدهونة باللاكيه، و اللافتات المكتوبة بالخط الديواني، و الشروح و عناوين المعروضات المكتوبة بآلة كاتبة ميكانيكية عتيقة، بل حتى المجسم الساذج التي تنتثر عليه بقع صغيرة من صباغ أبيض إثر عملية طلاء سابقة غير متقنة للجدران.

أدعو كل المهتمين بقضايا الزراعة و الغذاء، و الملكية الفكرية في هذا المجال، و التربويين، و الفنانين إلى زيارة متحف الزراعة العالمي.

شكرا لينا على التزكية و الصحبة الممتازة.

المعرض قائم حتى يوم 25 يناير، مبدئيا، و أعربت الفنانة عن سعيها إلى مده لشهر آخر

2009/10/06

الجزيرة العلمية تقصف العمر

قبل أن تنقضي ثلاثة أيام على نشر الجزيرة الخبر المحرَّف عن المستحاثة أردي و نظرية التطور نشر موقع الجزيرة خبرا علميا محرفا آخر. عنوان الخبر السائل المنوي لعمر مديد، و فيه جاء أن مادة سبيرمدين قد وُجدت لها في التجارب المعملية آثار على إطالة عمر بعض الكائنات.

لا أظن الخبر قد وُضع على شريط الأخبار في الفناة التلفزيونية بوم كامل مثل سابقه، لكنه أيضا فيه خطأ.

يذكر الخبر مصادر وجود تلك المادة:

يذكر أن ماء الرجل يحتوي على تركيز عال من مادة سبيرمدين، لكن هذه المادة توجد أيضا في عناقيد العنب وجرثومة القمح وفول الصويا.

بينما المصادر الأخرى للخبر، بما فيها سي‌إن‌إن العربية، تذكر الگريب فروت (بالإنگليزية: grapefruit :من الحمضيات\الموالح)، و ليس العنب (بالإنگليزية: grapes). لا تؤاخذوا سي‌إن‌إن على كلمة بزرة؛ عذرهم أنهم خواجات.

خطأ ترجمة بسيط في رأيكم؟ ممكن. لكنه و إن كان بسيطا - مقارنة بالسابق - إلا أنه يبين درجة جودة الصحافة العلمية في الجزيرة.

مصادر أخرى للخبر (بالإنگليزية):

للجميع العمر المديد، لكن اعتمدوا على جنين القمح لأن المصادر الأخرى قضت عليها الجزيرة.

2009/09/07

مصر.مبارك.نُصّكم

نريد قانونا يمنع تسمية المنشآت العامة و المرافق و الطرق و الميادين و الأحياء و المدن و المدارس و المعاهد و كل المشروعات الخدمية و الإنشائية التي أسهمت الدولة فيها بالتمويل أو الإشراف المباشر، بأسماء المسؤولين العموميين و موظفي الدولة في درجة مدير عام أو ما يعلو ذلك، و المحافظون و رؤساء الأحياء، طالما شغلوا منصبا عاما له علاقة أو ليست له علاقة بالشأن محل التسمية، لمدة خمس سنوات بعد تقاعدهم عن آخر وظيفة عامة شغلوها. و يمنع إصدار طوابع بريد أو دمغات أو عملات تذكارية أو جارية عليها صورهم أو أسماؤهم خلال ذات المدة. و فيما يتعلق برؤساء الجمهورية فيمتد الحظر السابق وصفه إلى مدة تعادل مِثلَي المدة التي قضوها في منصب رئيس الجمهورية يبدأ احتسابها منذ تقاعدهم عن آخر وظيفة عامة شغلوها، و يشمل أزواجهم و أقرباءهم من الدرجة الأولى.

لكي لا توصلنا نطاعة مسؤولينا أو كل من يريد أن يتملّق رئيسه على حسابنا إلى حال دولة فخامة الرئيس نيازُف.

18:00 08-09-2009

وجدت مقالة لحسن نافعة منشورة في المصري اليوم إثر نقل تمثال رمسيس يطالب فيها بإصدار قانون يحقق ذات الغرض.

2007/08/04

جزيرة الزمرد: أيرلندا

أثناء القراءة، استمع إلى أغنية Kiss me, I'm Irish لفريق Gaelic Storm، بتنزيلها من موقعهم.

جوناثان سويفت مؤلف رحلات جلفر، جيمس جويس، صمويل بيكيت، برنارد شو، أوسكار وايلد، برام ستوكر مؤلف رواية دراكولا؛ كلهم أيرلنديون، و كلهم ما عدا الأخير ولدوا في دبلن.

دَبلِن اليوم إحدى أغنى المدن الأوروبية و أسرعها نموا، مثلها مثل باقي أيرلندا كلها التي ارتفع فيها مستوى حياة الناس بمعدلات كبيرة فصنفت أفضل دولة في مستوى المعيشة عام 2005، و هي حاليا صاحبة أكبر نصيب للفرد من الناتج القومي من بين الدول الأوروبية، و ذلك بأثر نمو اقتصادي مستمر منذ أوائل التسعينيات دفع الصحافة الاقتصادية لتسميتها النمر الكِلتِيّ Celtic Tiger، بعد أن كانت قبل عقدين إحدى أفقرها. و رغم هذا فلا تزال أمارات الحياة الرقيقة بادية في هيئات و بيوت الكثيرين، و هي أكثر في الريف، بعيدا عن العاصمة التي يسكنها ربع السكان.

منذ دخلت إيرلندا حيز الاتحاد الأوربي انساب إليها عدد غفير من الساعين إلى العمل من دول شرق أوروبا التي انضمت إليه حديثا، حيث لا تتطلب الإقامة و العمل تصاريح خاصة و لا تأشيرات؛ فكل الأوروبيين متساوون في كل أوروبا. يشكل الأجانب حاليا عُشر تعداد السكان، يأتي في مقدمتهم البولنديون و المولدوفيين و اللاتفيين. سمعت خلال تجوالي العربيةَ لغة للحديث بين عابرين و أُسَر، و كانت المصرية أكثر لهجة عربية سمعتها.

كان الأيرلنديون تقليديا فلاحين و رعاة و صيادي سمك. مجاعة البطاطس الشهيرة هي مثال على ما يمكن أن يحدث عندما تبدي الطبيعة وجهها الآخر للإنسان؛ ففي أربعينيات القرن التاسع عشر انخفض عدد الأيرلنديون إلى النصف في بضعة أعوام. معظمهم ماتوا و كثيرون هاجروا إلى العالم الجديد.

تقليديا كانت أيرلندا تنتج الحبوب، و بالذات الشعير الذي يستخدم في صناعة الجعة، و اللحم، و الصوف. حديثا أصبحت الصناعات الدوائية و عالية التقنية تتخذ لها من أيرلندا مرتكنا مفضلا لفتح مقارها. فتش في الكتابة الصغيرة على قرص إصدارة ويندوز التي تستخدمها أو صندوق تغليف معالج إنتل و من المرجح أن تجد كليهما قد طبع عليه أنه صنع في أيرلندا. لكي تغري هيئة تنمية الصناعة الأيرلندية شركة إنتل لأن تختار البلد سنة 1989 مقرا لفتح مصانع و مراكز أبحاث بها قدمت لها تسهيلات و دعما قيمته 110 مليون يورو! كما أن ربع حواسيب أوروبا تصنع في مصانع شركة أبل في مدينة كورك.

و مع هذا فإن عديدين من الشباب الأيرلنديين، ممن لم يحصلوا المهارات اللازمة لا يجدون عملا، و على قلة عدد السكان فلن يتعذر عليك أن تجد شحاذا أو متشردا يفترش مدخل دكان ليلا في العاصمة.

قد ينخدع القادم من الصحراء مثلي عندما يرى السهول و التلال الخضراء و المطر الذي لا ينقطع و الزرع الذي لا يحتاج إلى ريّ يدوي شاق، فيظن أن الحياة هنا لا بد و أنها كانت سهلة، لكن الحقيقة أن الأعشاب لا تطعم سوى الماشية، أي أنك إن لم تكن راعيا فإن حياتك لن تكون رغدة، و المطر الذي يندر أن يمر يوم دونه يجعل البشر هناك يوجهون جزءا من جهدهم نحو التغلب عليه بإصلاح البيوت و الطرقات و حماية أنفسهم و حيواناتهم منه. حياة البشر لم تكن سهلة في أي مكان على ما يبدو لي.

نتيجة للمارسات الخاطئة التي سادت أوروبا في القرن التاسع عشر من إزالة للغابات لإحلال الزراعة محلها و لاستغلال أخشاب الأشجار فقدت الجزيرة كل غاباتها تقريبا، مثلها في ذلك مثل بلاد أوروبية عديدة، و تجري الآن برامج لإعادة تشجيرها فيما وصل الآن إلى 10% من مساحة الجزيرة؛ إلا أنها ما زالت يتهددها دخول أنواع نباتية أجنبية تنافس الأنواع المحلية الأصلية. كما أنه نتيجة لتكثيف استعمال الكيماويات في الزراعة و لمحدودية مساحة الأرض فإن الأنواع الحية عموما تعاني من ضغوط تتهددها.

لكن قصة جزر أران الثلاثة تبين أنه بالإمكان استصلاح الصخر الأصم، و ليس فقط الصحراء. فتلك الجزر الثلاث الصغيرة عند فم خليج جالواي في المحيط الأطلسي هي في حقيقتها صخرات كبيرة في المحيط. هي حرفيا صخور تبرز من الماء فأرضها ليست بها تربة و لا ينمو عليها شيء و لا يحيا. إلا أنه عبر الثلاثمئة عام المنقضية تمكن قاطنوها القليلون من صنع تربة من أعشاب البحر المتحللة الخلوطة بالرمل، بعد أن قسموا أرض كل جزيرة إلى أحواض تحفها أسوار حجرية للحول دون أن تجرفها الريح، و زرعوا فيها البطاطس و ربوا الأغنام. لم يتح لي وقت للعبور إلى الجزر للأسف، ربما مرة أخرى.

يمكنك في وسط العاصمة أن تلمح نساء لاجئات، ربما كن أوربيات شرقيات، يحملن أطفالا يستجدين بهم عطف المارة. و بينما أجلس عند أقدام تمثال تحت شجرة أستغل انهمار المطر في الراحة و التفكير في الخطوة التالية، اقترب مني طفل يسألني مالا و يشير إلى حذائه المثقوب. عرفت بعد برهة أنه بوسني، لا يذهب إلى المدرسة، و لم يبد عليه فهم أين تقع مصر فظل يسألني إن كنت أيرلنديا أو أمريكيا.

موزايكو من 28 صورة من أيرلندا

قصة نضال الأيرلنديين ضد الاستعمار الإنجليزي معروفة لنا من الأفلام التي تحكي قصص ثوراتهم ضد الإنجليز في النصف الأول من القرن العشرين حتى إعلان الجمهورية عام 1916؛ لكن الأفلام وحدها لا تصف ما حدث. فمن تفكيك منظم للمجتمع الكلتي التقليدي بدأ منذ العصور الوسطى و إحلال نظم المجتمع الأنجلوسكسوني محله، إلى تهميش الأيرلنديين و أتباع المذهب الكاثوليكي و تقديم الإنجليز جنسية و دينا عليهم، إلى إعادة توزيع ملكية الأرض، مصدر الثروة الرئيسي، و خلق نظام إقطاع مختلف عن ما سبقه تكون اليد العليا فيه للإنجليز و من والاهم؛ إلى استطيان منظم و مباشر بجلب عائلات من الفلاحين الإنجليز لاستيطان الأراضي.

لا أعرف مدى أثر نضال الأيرلنديين الانفصاليين في الجزء البريطاني من الجزيرة على مجريات الحياة هناك، لكن يقال أن عاصمة الجمهورية، دبلن، لم تتأثر كثيرا بالحرب الأهلية التي كانت دائرة حول بلفاست، عاصمة الشمال البريطاني.

على طرق السفر بين المدن أتذكر شخصية في فلم Brave Heart - الذي لا أحبه - لرجل أيرلندي صاخب مفرط الحماس لقتال الإنجليز و هو يصيح إتس ماي أيلاند (إنها جزيرتي). ثمة نهضة واضحة في إنشاءات الطرق السريعة و التقاطعات المصممة لتسهيل و زيادة أمان السفر و النقل عبر الأقاليم، و كذلك أعمال الشبكات و المرافق داخل المدن. ما يبدو لك لأول وهلة أشجارا عشوائية و أراضي تركت لتنمو فيها الأحراش على جوانب الطرقات، ستعرف إن حالفك الحظ أن تراها أثناء تشييدها أنها صممت لتبدو كذلك و بذل فيها من الجهود الهندسية الكثير.

في دبلن كان ينتصب عمود لنلسون، شبيه بالذي لا يزال في ميدان ترافالجار في لندن، أقدم منه و أقصر منه بعشرين مترا، أقامه الحاكم البريطاني لأيرلندا عام 1808 رغم معارضة بلدية المدينة، و ظل العمود مكروها باعتباره رمزا للاحتلال، لكن كل خطط إزالته تعثرت، حتى فجره أعضاء سابقون في الجيش الجمهوري الأيرلندي عام 1966 في عملية لم يصب فيها أي شخص؛ منهم واحد كان قد صرف من المنظمة بسبب دأبه على القيام بعمليات غير مصرح بها، و بعدها تصدرت أغنية Up Goes Nelson قائمة الأغاني لأسابيع. معظم الأيرلنديين سرَّتهم إزالة العمود، و لم يُدن أحد بسبب تلك الواقعة حتى اليوم. الجيش الذي جاء ليفجر قاعدة التمثال بعد أن أصبح مشوها و لا جدوى من ترميمه، أحدث تفجيره المدروس على يد خبراء الجيش في الشارع أضرارا أكثر مما أحدثه التفجير الأول، مما جلب عليهم سخرية المواطنين. احتفالا بحلول الألفية الميلادية الثانية أقيم في موضع العمود المدمر نصب هو الأطول في العالم.

الأيرلنديون يشتهرون بباراتهم. البار عندهم هو مقابل المقهى في ثقافتنا، و ليس مقابل الحانة كما نعرفها. مكان يجتمع في الكهول و الشباب، رجالا و نساء، و يدور فيه جانب كبير من حياتهم، أفراحهم، و أحزانهم. لا توجد قرية في أيرلندا ليس فيها بار و كنيسة، حتى لو كانت من دارين. و إن حالفك الحظ فقد تدخل بارا تعزف فيه جوقة محلية موسيقا شعبية. يرى بعض السامعين الموسيقا الشعبية الأيرلندية متشابهة فيملونها بعد فترة، لكني أجد تلك التنويعات اللامتناهية و ارتجال العازفين بالدخول و الخروج في المناطق التي يشاؤون مذهلا و لا أمل منه أبدا. الموسيقا الأيرلندية أشبه بموجة قادمة من المحيط إلى جزيرتهم. كل الموج متشابه، لكن لا توجد موجتان متطابقتان. جينس اختراع حقيقي، كما يمكن زيارة معمل تصنيعها الذي يسهم وحده بنسبة معتبرة من الدخل القومي للدولة، و الذي حول إلى متحف و مزار.

رغم أن اللغة الأيرلندية Gaeilge - و هي إحدى اللغات الجايلية، لغات الكلت - اللغة الرسمية الأولى للدولة ليست حاليا اللغة الأم لأغلب الأيرلنديين فيما عدا من يعيشون في أقاليم تعرف لهذا السبب باسم جايلتاخت، إلا أنها تسبق الإنجليزية كتابة في كل مكان، كما أن الجميع تقريبا يفهمون إحدى لهجاتها الأربع الرئيسية، كما أنها تدرس إلزاميا في كل المدارس التي تدعمها الحكومة ماديا.

لا يمنع اعتزاز الأيرلنديين بثقافتهم التقليدية أن يتخذوا من جارتهم العملاقة بريطانيا قدوة في مجالات التنظيم و الإدارة. يظهر هذا لكل من زار البلدين في جوانب مختلفة. كما أن ثقة الأيرلنديين المتزايدة في أنفسهم كأوروبيين ناهضبن اقتصاديا لا تمنع كون علاقاتهم الثقافية و الاقتصادية بالولايات المتحدة الأمريكية وطيدة حيث تحقق لأيرلندا فائض تجاري معها يبلغ 15 بليون دولار عام 2003.

يقال أنه من المؤشرات التي يمكن أن تستدل بها على انتقالك من الشطر الشمالي التابع لبريطانيا إلى الجمهورية - إلى جانب تغير شبكة الهاتف المحمول - تغير لافتات الطرق من النمط الأوروبي/البريطاني إلى الأمريكي. ليس بين شطري الجزيرة حواجز حدود و لا جمارك، كما أن كثيرا من جوانب الحياة تديرها في كلا الشطرين إدارات مركزية موحدة عابرة للدولتين، أيرلندا و بريطانيا، و كذلك في مجال الاتحادات العمالية و الرياضية.

حتى ثمانينيات القرن العشرين، في فترة التدهور الاقتصادي و السكاني، كان حلم الشاب في الريف الأيرلندي الهجرة إلى أمريكا، حيث العمل وفير و النساء متحررات؛ على ما كانوا يظنون في صورة نمطية يبدو أنها لا تقتصر علينا. أجزاء عديدة من أيرلندا اليوم كثافة السكان بها أقل مما كانت عليه منذ مئتي عام، ففي أوقات الشدة هُجرت قرى عن بكرة أبيها، مع كون بعض الأماكن في الجزيرة استمر مأهولا منذ بدايات العصر البرونزي و حتى ذاك الحين؛ و حيث لا تزال تنتصب إلى اليوم آثار غامضة المنشأ. يوجد من ذوي الأصول اليرلندية في في العالم الجديد أكثر مما يوجد في الجزيرة، و لذلك يعد الأيرلنديون أيرلندا وطنا أكبر كثيرا من مساحة أرضه.

أيرلندا ليس فيها أفاعي، بسبب آليات الطبيعة، إلا أن الأيرلنديين يعزون هذا إلى أسطورة ترجع ذلك إلى بركة القديس بادرِِج.

الأيرلنديون الذين راقبتهم متحفظون لا يبالغون في الانفعال سلبا أو إيجابا مع الغرباء، لكنهم ليسوا أفظاظا إن حادثتهم، و هم ودودون فيما بينهم يرحبون و يبتسمون.

صباح يوم أحد، كنت أجري في الميدان الرئيسي في دبلن، حول نصب النور، إلى محطة الباصات الإقليمية حاملا حقيبتين من الأمام و الخلف و أمسك في يد طعاما اشتريته للتو و في الأخرى خارطة، سألني كهل إن كنت ضللت الطريق؛ شرح لي كيف أصل إلى المحطة و همَّ أن يسير معي إليها بالرغم من عرجه الواضح.

في الوقت الذي كنت أقرأ فيه عن أخبار اعتداء جديد على المسيحيين المصريين بسبب الكنائس، لفتت نظري لافتة على حجرة في إحدى ردهات كلية جامعة دبلن. و عندما دخلتها لأعرف لصلاة من خصصت، لم يخب ظني؛ إذ وجدتها لصلاة المسلمين.

لافتة مكتوب عليها 'C301 - Male Prayer Room' و عليها شعر كلية جامعة دبلن   غرفة صلاة المسلمين في مبنى علوم الصحة في كلية جامعة دبلن؛ تبدو سجادتي صلاة على أرض غرفة خاوية و قد سقطت عليهما أشعة شمس خفيفة من نافذة. خلف المصور توجد ميضأة صغيرة في قسم مدخل غرفة.

أغلب الأيرلنديين كاثوليك متدينون، لن يخيبوا ظنك إن وقفت يوم أحد تراقب خروجهم بالعشرات من كنيسة في بلدة صغيرة، و لا يزال بإمكانك أن تلمح شيخا أو امرأة عجوز ترسم علامة الصليب عند مرورها في الشارع أمام كنيسة. أيرلندا من الدول الأوربية التي لا يزال الإجهاض فيها ممنوعا، و الطلاق كان كذلك حتى سنة 1995.

لكن ذلك لم يمنع مجموعة من الطلاب الوافدين، الأجانب، غير المواطنين، الذين تصادف أنهم مسلمون، أن يُخصص لهم مكان لصلاتهم في جامعة في بلد من المفترض أن الأغلبية الكاسحة من مواطنيه و أجانبه يعتقدون دينيا أن دين هؤلاء الوافدين هرطقة و بدعة و ضلالة، و رغم ما يسود العالم من غضب على المسلمين بحق أو بغير حق…لا يهم

2006/12/24

المُطَفِّفون

لأكثر من سنة مكثت في مسوداتي بضع أفكار متناثرة؛ كنت أحاول أن أجمع شواهد من من التعاملات اليومية المعتادة لنا جميعا التي تظهر كيف سلوكا اجتماعيا أرى أنه مقبول عند معظم الناس و ينشؤون أطفالهم عليه: أن يحاولوا تعظيم مكاسبهم المادية في كل التعاملات و لو على حساب الآخرين؛ و أن مبادرة شخص بتقديم حق الآخرين لهم دون انتظار أن يسألوا عنه هو نوع من السذاجة و العبط! و كيف أن الوعظ التقليدي يتجاهل تلك السلوكيات تماما، و ربما تغيب عنه.

و بما أني أدرك أن أسلوبي في تناول هذه الموضوعات ممل و يتخذ شكلا وعظيا أو يراه البعض يتوبيًا أو يستنتجون منه أني كثير التذمر، فما سأفعله الآن هو أن أحيلكم إلى تدوينة مختار العزيزي التي تحمل نفس العنوان الذي كنت وضعته لتلك المسودة، المطففين، و يعرض فيها الفكرة و يتناول الآية التي تذم ذلك السلوك.

و أدعوكم للتعليق عليها بذكر أمثلة من التعاملات البسيطة اليومية التي ترون هذا السلوك يتجلى فيها.

2006/12/11

خ.ع: طيبة الإبراهيم

أنا عادة لا أشتري روايات الخيال العلمي العربية، ففي بداياتي مع ما كتب منها لغير الأطفال، إما أنني لم أستسغها أسلوبا و لا موضوعا، مثل التي كان يكتبها نهاد شريف؛ أو لأن حسّي أبلغني بأنها مسروقة قبل أن أتيقن من ذلك، مثل معظم ما كان ينشر في سلسلة نوفا على أنه من تأليف رؤوف وصفي، أو مقتبسة عن روايات أو أفلام أجنبية؛ أو مثل روايات قرأتها في طفولتي و كان عليها اسم راجي عنايت و التي اكتشفت فيما بعد عندما تمكنت من قراءة الإنجليزية أنها مترجمة بالكامل و لم يكن يشار إلى الأسماء الأصلية للروايات أو مؤلفيها! لذلك كانت سعادتي كبيرة عندما اكتشفت رواية مثل السيد من حقل السبانخ لصبري موسى، التي جاء اكتشافي لها تاليا لكل ما أذكره هنا. و ربما تكون هي آخر قصة خيال علمي عربية قرأتها.

بعد خمس أو ست سنوات من تلك القراءات السالفة، حوالي سنة 1992، اشتريت من معرض الكتاب ثلاث قصص من الخيال العلمي العربية لكاتبة كويتية اسمها طيبة أحمد الإبراهيم، نشرتها المؤسسة العربية الحديثة هي: الإنسان الباهت و الإنسان المتعدد و انقراض الرجل. و أذكر أني انبهرت بجودة الروايات في ذلك الوقت.

لا أستطيع أن أقول أن الأفكار جديدة، فأفكار روايات الخيال العلمي قلّما يوجد فيها ما هو غير مسبوق، لكن الإطار الروائي الذي وظفت فيه الكاتبة أفكار الاستنساخ و التقنية الطبية المتقدمة في رؤية كابوسية لمستقبل الإنسان كانت جيدة فعلا. إلا أني لم أقرأ لطيبة غير ثلاثية الخيال العلمي تلك لذا فأنا غير متابع لتطور مسيرتها الأدبية.

كان تأثير روايات طيبة شعورا مشابها لتأثير روايتي الخيال العلمي لمصطفى محمود؛ العنكبوت و رجل تحت الصفر. ففي كل منها الفكرة العلمية المحورية فكرة واحدة و بسيطة و ليست بجديدة لكن البعد الإنساني و توظيف الخيال جيدان جدا، إلا أن روايات طيبة تفوق رواياتي مصطفى محمود ألفة و إنسانية بكثير، و أقل تقريرية.

ثم علمت قريبا جدا أن طيبة الإبراهيم أول من كتب أدب الخيال العلمي في الكويت، و كنت أتوقع ذلك إلا أني لم أكن متأكدا، و أنها عملت مدرسة للرياضيات في وزارة التربية و التعليم الكويتية، و أنها كانت من المرشحات لمجلس الأمة في الانتخابات الأخيرة التي شهدت ازدياد مشاركة النساء في الترشح و التصويت، و أنها من المطالبين بفصل الدين عن الدولة و تقنين تحديد عدد الزوجات بواحدة و منع الطلاق إلا بموافقة الزوجة.

بمناسبة الحديث عن المبدعين الكويتيين، كنت نويت منذ أشهر كتابة تدوينة عن المدونين الكويتيين الذين كان منهم جيدون فعلا، إلا أن أحدهم و هو http://madm2000.blogspot.com/ عاجلنا بالاختفاء و رفع أرشيفه من النشر.

2006/11/15

حديقة كبيرة على شاطئ البحيرة

منذ سنوات طويلة مضت كنت كثيرا ما أتوقف في نزهاتي على حافة المقطم لأتخيل قاهرة أخرى.

و من ضمن ما كنت أتخيل، حديقة كبرى في وسط العاصمة الكبرى، تمتد من طريق صلاح سالم شمالا إلى الطريق الدائري جنوبا و من جامع عمرو بن العاص غربا إلى سكة الخيالة شرقا، و تشكل حديقة الفسطاط الجزء الشمالي الشرقي منها.

حديقة كثيفة الأشجار مع أقل قدر من المباني و قدر مناسب من المماشي تقود إلى البحيرة و تدور حولها؛ تحتضن من الشرق منطقة آثار الفسطاط، و تكون مدخلا لها.

و تضم مسرحا مكشوفا، و ربما فواخير تقليدية في أحد جوانبها يعمل فيها حرفيون؛ و ما تسير من المنحوتات و الأراضي الفضاء للعب و النزهة.

لا أتوقع أن تكون أشجار حديقة في القاهرة بمثل كثافة أشجار حديقة أوربية، فمناخ مصر الصحراوي الجاف يحتم اختيار أنواع مختلفة من الأشجار و النباتات. و بالختيار المناسب يمكن تحقيق قدر معقول من الخضرة.

بل لا أتوقع أن تكون كل أرض الحديقة مغطاة بالحشائش، فهذا ترف و سفه في استهلاك المياه لا نقدر عليه، و يكفي ما أصابنا من بلاء ملاعب الجولف.

و لا مانع من وجود متحف الحضارة كجزء من الحديقة بل إنه يزيد من قيمة المكان، لكن لماذا يتوجب أن يكون ملاصقا لشاطئها بدلا من أن يقام في جزء آخر من الأراضي الخراب الأبعد قليلا نحو الغرب !

أتخيلها تتوسط القاهرة و تكون متنفسا لسكانها المتكدسين؛ بلا تذاكر سياحية و لا مطاعم و لا مقاهي و لا ضجيج.

و يحميها قانون يمنع الاقتطاع منها لإنشاء نوادي الجيش أو الشرطة أو المولات التجارية.

طمع؟!

صورة من جوجل أرض لمنطقة عين الصيرة موضح عليها المساحة المقترحة لحديقة كبرى

حتى أني جلست مرة مؤخرا يوما كاملا أمام صورة القمر الصناعي أتخيل خطة لاستبدال العشوائيات في تلك المنطقة بمساكن شعبية قليلة الكثافة جيدة التصميم، تتم على مراحل من الترحيل المؤقت في محيط المنطقة و تبادل عمليات الهدم و البناء على الأراضي المحيطة بالمنطقة.

ربما يكون من المثير للأسى أن مدنا أخرى بذلت أموالا طائلة و سنوات من العمل لإنشاء بحيرات صناعية و حدائق عامة أصبحت بعد مئات السنوات من معالمها الأساسية، و لا تزال مثل هذه المشروعات تنفذ في أنحاء العالم، في الوقت الذي ندمر فيه ما لدينا منها. هل يذكر حلوان أحد اليوم؟

الآن عندما أمر من منطقة الفخرانية الفواخير في طريقي إلى المعادي دائما ما أحاول أن أسترق النظر إلى البحيرة المنسية التي تجثم على جانب شواطئها الخربة مخازن شركة المقاولين العرب، و على جوانب أخرى مباني حكومية سخيفة، و تحافها من الناحية الأخرى من الطريق مبان قبيحة أقيمت على الأرض التي طرد منها الفخرانية.

لكن موضوع المقام الذي عرفنا به أحمد صاحب أحد في تدوينة عن عين الصيرة غريب حقا. غريب مكانه، لأني أظن أن المقابر، و المقامات منها، كانت عادة ما تقام على الأراضي المرتفعة الجافة بعيدا عن مجاري و تجمعات المياه! و هو سبب وجود المقابر عند سفح تلال المقطم، مثلا. لكني أظن أني قرأت في مكان ما أن منسوب قاع البحيرة ارتفع بسبب ما يلقى فيها من ركام و نفايات، حتى أنها فاضت على الطريق في وقت من الأوقات.

كما أني بما عرفنا به صاحب أحد عن مقام طباطبا، فإني لأول مرة أجد رابطا تاريخيا في مصر للشيعة الزيدية.

2006/11/07

الشرطة من الشعب

منذ يومين، في ميدان السيدة عائشة المزدحم دائما و أبدا و حيث الحركة دائبة لمئات الأشخاص في كل دقيقة في قفزهم الأسطوري ما بين مراحل وسائل المواصلات المختلفة، وقف مراهق أقدر عمره ما بين الرابعة عشرة و السادسة وقفة الخروج إلى العالم عشرة يرتدي ترنج أحمر ناريا و يمسك سيجارة ينفخ دخانها في إثبات للوجود، و يتبادل التهريج مع أمين شرطة هادئ الطبع يبدو أنه من شباب المنطقة البسطاء.

على بعد خطوتين منهما فتاة تحوم على العشرين توقف تاكسي و تفتح بابه للركوب فينظر المراهق ناحيتها نظرة التفحص المعروفة و يصيح ربنا يسهل له. و هو ممسك بيد الشرطي مسكة السلام-السيطرة الطويلة، ثم يعود لتبادل عبارات قصيرة معه لم أسمعها…غالبا عن الفتاة.

9 نوفمبر الساعة 12 ظهرا أمام مقر النقابة احتجاجا على أحداث التحرش الجنسي في وسط البلد.

تدوينات سابقة ⇒