هذه الصفحة تعتمد على صفحات الطرز المتراصة (CSS)
2008/12/13

“البتاع”، أو ويكيبيديا مصري

المضحك في موضوع الإصرار على استخدام ما يسمى باللهجة المصرية في غير مكانها ال كان من تداعيات ويكيبيديا مصري هو أن الشخصية و اللهجة المصرية تتجلى لما تقرا مقالة مصر في ويكيبديا المصري و تلاقي عبارات من نوع "حدودها من الشمال الساحل الجنوبي الشرقي بتاع البحر المتوسط" بدل "يحدها من الشمال الساحل الجنوبي الشرقي للبحر المتوسط"!! يا صلاة الزين.

كأن الواحد إن ماكانش كلامه ممجوج و محشي لوازم و كليشيهات مالهاش لازمة و ممدود بلا داعي مايبقاش كلامه مصري..زيّ الّ كل ما يتكلم كلمتين يقول البتاع أو قوم إيه.

ماحدّش يستظرف و يدور لي على بتاع في ال أنا كاتبه و يصطاده لي و يقول لي أنه لقى عندي بتاع. أنا عارف و باستخدم بتاع، لكن كل شيء في مكانه المناسب.

أظن أن أيّ إنسان وَرَد على ثالثة إعدادي يقدر على الأقل يقرا الجملة العربي بالبلدي مش بالنحوي، و يكون المكتوب مفهوم للعامة من المصريين و مش غريب على رجل الشارع العادي زي ما الحكومة بتسميه، و كأنه مثلا هوموإجبتُس. ميزة الالتزام بالإملاء القياسي أن الناس الآخرين سواء مصريين حَمَلَة الجنسية المصرية أو غيرهم ال لهم لهجة مختلفة هم كمان يقدروا يقروا المكتوب من غير مايقعوا في مشاكل من نوعية همزة أو قاف أو جيم؛ و دا بفرض أننا لقينا حلول للمشاكل الكثيرة الثانية في كتابة العامية النابعة من تغير صوتيات اللغة و عدم وضوح إتمولوجية الكلمات لكثير من الناس. حتى الصينيين ال بيتكلموا خمسين لغة مختلفة - بالعدد، مش مبالغة - عندهم القدرة يفهموا الكتابة لأنها واحدة. أظن لما نسعى لأننا نخسر دا بنفسنا لمجرد أننا عاوزين نقلد تاريخ اللغة اللاتينية نبقى أغبيا مع سبق الإصرار. الأوربيين كان في نفسهم يعرفوا يتكلموا لغة واحدة، و المحاولات الكثيرة لتصميم لغات الحديث المصطنعة شاهد على دا. نقوم احنا نتعب نفسنا علشان نستخدم لغة مانقدرش كلنا حتى في البلد الواحد نفهمها، في الاستخدامات المحتاجة لغة مفهومة على أوسع نطاق، علشان بعدها نحتاج مترجمين!

سيبوكم من مواضيع لغة ربنا و الملايكة و الكلام الفارغ دا ال بيردّده المدافعين عن الفصحى من منطلقات إسلامية. ملاحظتي هي أن الناس ال بيستخدموا الحجج دي هم من أقل الناس في القدرة و الإبداع اللغوي لأن حصيلتهم في الغالب تراثية و محفوظات. عمر اللغة العربية ماكانت واحدة، حتى في العصور ال نعتبرها النهاردا كلاسيكية و لا التطورات ال حصلت فيها انحرافات و تآمرات؛ اللغة العربية القياسية النهاردا مختلفة كثير عن لهجة قريش. أصلا أغلب دعاة الحجج دي يادوب بيقروا القرآن بالعافية، و حتى دا لأن حدّ كان ورّاهم ازاي و حفّظهم شوية من معاني الألفاظ ال كانت بلغة ناس مختلفين في عالم مختلف. زيهم زي المسلمين غير العرب الّ همّ أغلب المسلمين في العالم.

تجاهلوا ال يقولوا لكم أن العربية لغة التقعر تراثية متقعرة و مش عارف إيه. العربية المعاصرة القياسية هي اللغة ال يتكلمها اثنين متعلمين و واعين لنفسهم، واحد فيهم شامي و الثاني مغربي، لما يحبوا يتفاهموا؛ فكل ال يعملوه هو أنهم مايستخدموش التراكيب و المفردات المحلية جدا، و يحاولوا يلتزموا بلغة وسط مفهومة لهم هما الاثنين و هي مش اللغة الأم لأي واحد فيهم. في الإنكليزية مثلا نلقى received pronunciation هو مش اللغة الأم لأي شخص بريطاني، لكنها لغة المتعلمين، و كان من مقوماتها المقصودة أنه لا يمكن معرفة الأصل الجغرافي أو الطبقي للمتحدث بها؛ فهي لغة مُهندَسة.

التعقيد و الزخارف اللغوية هتفضل موجودة طبعا و لها جمالها، و هي على كل حال أحسن من أن الواحد يحب ال قال بيسموه شعر التفعيلة و إلا مش عارف إيه دا. لكن التعقيد مش مرادف للدقة و الوضوح إلا عند الناس ال هم أصلا مش بيعرفوا يناقشوا أي مسألة مجردة و معقدة بأي لغة؛ لا عربي و لا إنكليزي و لا فَيّومي، لأنهم مايعرفوش غير ثلاث أو أربع كلمات و خلاص.

سيبوكم كمان من خدعة أنها لغة المصريين كلهم و المصريين فقط. القوميين المصريين ال فاكرين أن دا ترسيخ للشخصية المصرية هيتزنقوا زنقة مالهاش حل في عقيدتهم الكتيانة بتاعة الدولة المربعة© لأنهم بِدا بيستبعدوا لهجات سكان أكثر من ثلاثة أرباع مساحة المربع. صحيح زي ما في لغات أنجح من لغات فكمان فيه لهجات أنجح من لهجات بحكم التطور و الانتقاء، لكن دا مش معناه أنها أفضل، فقط أصلح. و بما أننا عند نقطة معينة على طيف اللغات هنلاقي دايما أن لهجة إقليم ما في الدولة هي أقرب للهجة الناس في الدولة الجارة من لهجة الحكام الأغنياء ال في العاصمة، فيبقى سلّم لي بقى على الدولة القومية. صحيح أن اللغة كانت من عوامل نهوض الدول القومية و فيه أمثلة كثير على دا، من أول الألمانية المهندسة لغاية العبرية الحديثة الممسوخة مرورا بالفرنسية المفروضة بقوة القانون؛ لكن دا مقابله هو وجود لغة عربية وسط مفهومة على أوسع نطاق، حتى لو كانت شبه مصطنعة و مش لغة أم لأي حدّ، مش العكس! ثم من قال أن الدولة القومية شيء مهم أصلا أو أننا لازم نفصّل لغتنا على الحدود السياسية! ال أنا شايفه أن نموذج الدولة القومية بتاع أوربا مش نافع معنا و من أسباب البلاوي و الحرب و التخلف حوالينا.

و سيبوكم كمان من أن أغلب الناس سواء المتحمسين للعربية القياسية المعاصرة أو للعامِّية مش فاهمين الفرق بين اللغة و اللهجة. صحيح دا موضوع خلافي بين اللغويين و تدخل فيه أيديولوجيا و سياسة كثير. مش بس في العربي، دا تكرر كثير في أوربا في العصر الحديث لما دول تنقسم أو قوميات تتوزع على أكثر من دولة و يكونوا عاوزين لغتهم تكون باسم دولتهم فيدّعي بعضهم ادعاءات ديماجوجية منافية للتاريخ و لأصول اللغويات. المثال ال أذكره حاليا هو المولدوفية. لكن فيه فعلا ناس كثير جدا مش فاهمين حتى الفرق بين اللغة و الكتابة! زي ال يقول لك المصريين زمان كانوا بيتكلموا هيروغليفي أو اللغة القبطية مزيج من المصري و اليوناني! يعني لازم تبدأ معهم من البداية خالص، و دا بصراحة موضوع متعب. الهلاوس دي واردة و متكررة حتى في أوساط ناس الواحد يتوقع أنهم يكونوا فاهمين أحسن من غيرهم، و عادة تزيد في أدوار الانحطاط الحضاري زي ال احنا فيه دالوقت.

ماتسألوش في ال يقول لكم أن العامية لغة بلا قواعد. مافيش لغة بلا قواعد. قبل ما اللغويين يشتغلوا على جمع و تأصيل قواعد أي لغة فاللغة نفسها تكون موجودة. اللغة في النهاية بروتوكول لترميز الأفكار؛ و بروتوكول يعني قواعد، يعني نحو. و دا مش تناقض لأن العامِّيات العربية المعاصرة كلها - بما فيها المغربي ال ماحدّش منا بيفهمه- هي تنويعات على لغة هي في أساسها العريض عربية نحوا و مفردات و تراكيب، حتى لو داخلتها عناصر من لغات أخرى - و دا حتمي - سواء مفردات من لغة أجنبية، أو تأثيرات من لغات سابقة؛ و دا رأي أغلب اللغويين ال أغلبهم غير عرب و بالتالي مش متأثرين بصراعتنا الأيديولوجية. مايمنعش أن فيه فعلا لغات بتنفصل عن بعضها، زي مثلا المالطية ال كانت أصلا لهجة من العربية؛ لكن دي ملابسات و تاريخ مختلفين ممكن المهتم يبقى يطلّع عليهم. لكن حتى الأمثلة دي الناس دول مش داريين بها بتاتا، و مافيش في دماغهم غير مثال اللاتيني في العصور الوسطى الأوربية، ال سياقه مختلف تماما عن حالنا دالوقت.

و طنّشوا خالص المسيحيين ال عندهم مشاكل في رؤية العالم و يعتقدوا أن العربي دا بتاع المسلمين و أنهم برفضهم إتقانه فهم بيميزوا نفسهم و يأكدوا هويتهم. دول مشكلتهم أنهم زيهم زي بتوع لغة الملايكة بالضبط؛ زائد شوية تحابيش مما سبق و ردود فعل نتيجة كبت. و دول و غيرهم مش واخدين بالهم أن خلال القرنين ال فاتوا ال أخرجوا اللغة العربية من كونها لغة تراثية و فقهية و حدّثها و أعاد إنتاجها كلغة للحياة المعاصرة كان أغلبهم علمانيين و كثير منهم من المسيحيين العرب في الشام و العراق و مصر. و دول ماعندهمش إجابة عن ليه المصريين ماحافظوش على لغتهم زي الأتراك و الفرس أو الكرد أو الأمازيغ أو النوبيين، مع أن دول كلهم أصبحوا مسلمين كلهم عن بكرة أبيهم، و بدري جدا! دول لو كانوا تذاكوا و كتبوا القبطية بالأحرف العربية يمكن كانت عاشت و كنا تعلمناها كلنا جنب العربية لأنهم كانوا هينقذوها من مصير أنها تبقى بس لغة كنسية. و دول غالبا ماشافوش المعنى ال ورا العبارة ال لاحظتها مكتوبة بخط صغير بالعربية على طرف ثوب فخم جميل لأسقف مصري من القرن الثالث عشر كتبت عليه صانعته الماهرة اذكر يا رب عبدتك مارية؛ و على صوان دُلاب خشبي من كنيسة قبطية من نفس الفترة كتب عليه النجار ال أهداه للكنيسة اذكر يا رب عبدك بانوب. دا كان في معرض في المكتبة البريطانية عن أثر فنون الشرق الأدنى على التراث الفني الأوربي المسيحي.

و تجاهلوا ال للسا تايهين في أزمة عربي و لا مصري؛ دي مشكلتهم همّ لوحدهم و هم ال عاملينها لنفسهم لأن مالهاش أي مبرر و لا الحلول الأحادية بتاعتهم لها أي مميزات فكرية أو عملية، و أغلبهم عندهم جهل شديد ببلدهم و بالتنوع ال فيها زي ما عندهم جهل أكبر بمحيطهم العربي و الأفريقي، بتاريخه و ناسه و أرضه. و أغلبهم إجاباتهم للسا تدور في فلك أساطير القدماء ال تحكي عن ساميين و حاميين، و أن شجر المكرونة ينمو في مدغشقر.

ماتصدقوش ال يقول لكم أن العربية أصلا ماتنفعش للحياة المعاصرة و التقدم؛ دول بقى لهم مية سنة بيقولوا كدا تغيّر فيها العالم و تطورت العربية كثير، و قولوا لهم يبصوا لل عملوا صواريخ و سواتل و قنابل زفت ذرية و قبلها كانت منتجاتهم يبيعها ناس أميين على أرصفة مدننا، الخمستاشر جهاز الكتروني منها ببلاش؛ و كل دا و هم لا يفقهون لغة أجنبية و لا يتعلموها في مدارسهم من أساسه.

ببساطة جدا، فيه مبررات عملية تزيد من فايدة وجود لغة مفهومة على نطاق واسع بين العرب أي مجموعة من الناس أكبر من مجرد ال تصادف وجودهم في منطقة معينة يوم ترسيم حدود الدولة القومية الحديثة، و لها علاقة كمان بالقدرة على مراكمة المعرفة و العلم. ال فاكرين أن الإنكليزي ال هم أصلا بيعرفوه نص نص دا لغة تفاريح و كل شي كان و عاوزين يقلدوه مش فاهمين أن فيه لغة إنكليزية مختلفة تماما عن ال هم يعرفوها في الشات و فيسبوك، لغة علمية و قانونية منضبطة و محافظة و دقيقة تستخدم في كتابة أي شيء له قيمة و مطلوب أن أكبر عدد من الناس يفهموه بأقصى وضوح ممكن و لأطول زمن ممكن. زي ما كتبت، الأوروبيين لو كانوا بيتكلموا لغة واحدة النهاردا كانت قدرتهم زادت كثير في اتحادهم الاختياري ال هم عملوه.

أيوه فيه تحديات تواجه العربية و ال يتكلموا بها. و بعضها بسبب أننا مضطرين نستعمل تقنيات غيرنا ال اخترعها، ابتداء بالمطبعة و الآلة الكاتبة لغاية يونيكود، لكن فيه كمان مشاكل بسبب أن بعضنا أغبياء مع سبق الإصرار.

و أيوه الاستغباء الظاهري و التظاهر برفض تعلُّم كلمات جديدة و التريقة على الناس ال بيعرفوا يتكلموا بفصاحة جانب سخيف في الشخصية الشعبية المصرية. و الإعلام الحكومي الاحتكاري بغباوته ضيّع كل فرص الاستفادة من التقنيات ال كانت حديثة زي الراديو و التلفزيون في تعليم الناس و فضّل أنها تكون للتمويه و للتسلية و برامج تسطيح العلوم و الثقافة، و برضو بذريعة هوموإيجبتس مابيفهمش غير كدا. و فيه مشاكل في التعليم و أجيال مش بتعرف تتكلم أي لغة نهائيا بما فيها عامية أهاليهم.

عموما، الناس من حقهم يجربوا. و مش هنخسر حاجة، و مش صحيح أن ويكيبيديا العربية هتخسر. لأني شايف زي ما غيري شايفين أن المتحمس لويكيبيديا المصري هو غالبا مش من فئة الناس ال يتحمسوا لويكيبيديا العربية. حتى أنا مع أني مش مهتم بالتجربة - و إن كنت مهتم بنقد الأسس الفكرية للقايمين عليها - فأنا مهتم مثلا بمعاجم العاميات، لأن دي لها فايدة في نظري، و مهتم كمان بموضوع أورثوجرافيا العاميات، لأنه موضوع مثير، و طبعا أنا مش ضد العامية بشكل عقائدي، لأنها حتمية طبيعية لاختلاف الجو و الأرض و الزرع و المجتمعات، و دا برضو ببساطة.

03:11 14-12-2008

الكلام المميز بخطوط تحته (حاليا) أضيف بعد نشر التدوينة، لأني كنت كتبتها بسرعة شديدة و انفعال و لقيتها محتاجة تحسينات و توضيحات.