هذه الصفحة تعتمد على صفحات الطرز المتراصة (CSS)
2007/08/04

جزيرة الزمرد: أيرلندا

أثناء القراءة، استمع إلى أغنية Kiss me, I'm Irish لفريق Gaelic Storm، بتنزيلها من موقعهم.

جوناثان سويفت مؤلف رحلات جلفر، جيمس جويس، صمويل بيكيت، برنارد شو، أوسكار وايلد، برام ستوكر مؤلف رواية دراكولا؛ كلهم أيرلنديون، و كلهم ما عدا الأخير ولدوا في دبلن.

دَبلِن اليوم إحدى أغنى المدن الأوروبية و أسرعها نموا، مثلها مثل باقي أيرلندا كلها التي ارتفع فيها مستوى حياة الناس بمعدلات كبيرة فصنفت أفضل دولة في مستوى المعيشة عام 2005، و هي حاليا صاحبة أكبر نصيب للفرد من الناتج القومي من بين الدول الأوروبية، و ذلك بأثر نمو اقتصادي مستمر منذ أوائل التسعينيات دفع الصحافة الاقتصادية لتسميتها النمر الكِلتِيّ Celtic Tiger، بعد أن كانت قبل عقدين إحدى أفقرها. و رغم هذا فلا تزال أمارات الحياة الرقيقة بادية في هيئات و بيوت الكثيرين، و هي أكثر في الريف، بعيدا عن العاصمة التي يسكنها ربع السكان.

منذ دخلت إيرلندا حيز الاتحاد الأوربي انساب إليها عدد غفير من الساعين إلى العمل من دول شرق أوروبا التي انضمت إليه حديثا، حيث لا تتطلب الإقامة و العمل تصاريح خاصة و لا تأشيرات؛ فكل الأوروبيين متساوون في كل أوروبا. يشكل الأجانب حاليا عُشر تعداد السكان، يأتي في مقدمتهم البولنديون و المولدوفيين و اللاتفيين. سمعت خلال تجوالي العربيةَ لغة للحديث بين عابرين و أُسَر، و كانت المصرية أكثر لهجة عربية سمعتها.

كان الأيرلنديون تقليديا فلاحين و رعاة و صيادي سمك. مجاعة البطاطس الشهيرة هي مثال على ما يمكن أن يحدث عندما تبدي الطبيعة وجهها الآخر للإنسان؛ ففي أربعينيات القرن التاسع عشر انخفض عدد الأيرلنديون إلى النصف في بضعة أعوام. معظمهم ماتوا و كثيرون هاجروا إلى العالم الجديد.

تقليديا كانت أيرلندا تنتج الحبوب، و بالذات الشعير الذي يستخدم في صناعة الجعة، و اللحم، و الصوف. حديثا أصبحت الصناعات الدوائية و عالية التقنية تتخذ لها من أيرلندا مرتكنا مفضلا لفتح مقارها. فتش في الكتابة الصغيرة على قرص إصدارة ويندوز التي تستخدمها أو صندوق تغليف معالج إنتل و من المرجح أن تجد كليهما قد طبع عليه أنه صنع في أيرلندا. لكي تغري هيئة تنمية الصناعة الأيرلندية شركة إنتل لأن تختار البلد سنة 1989 مقرا لفتح مصانع و مراكز أبحاث بها قدمت لها تسهيلات و دعما قيمته 110 مليون يورو! كما أن ربع حواسيب أوروبا تصنع في مصانع شركة أبل في مدينة كورك.

و مع هذا فإن عديدين من الشباب الأيرلنديين، ممن لم يحصلوا المهارات اللازمة لا يجدون عملا، و على قلة عدد السكان فلن يتعذر عليك أن تجد شحاذا أو متشردا يفترش مدخل دكان ليلا في العاصمة.

قد ينخدع القادم من الصحراء مثلي عندما يرى السهول و التلال الخضراء و المطر الذي لا ينقطع و الزرع الذي لا يحتاج إلى ريّ يدوي شاق، فيظن أن الحياة هنا لا بد و أنها كانت سهلة، لكن الحقيقة أن الأعشاب لا تطعم سوى الماشية، أي أنك إن لم تكن راعيا فإن حياتك لن تكون رغدة، و المطر الذي يندر أن يمر يوم دونه يجعل البشر هناك يوجهون جزءا من جهدهم نحو التغلب عليه بإصلاح البيوت و الطرقات و حماية أنفسهم و حيواناتهم منه. حياة البشر لم تكن سهلة في أي مكان على ما يبدو لي.

نتيجة للمارسات الخاطئة التي سادت أوروبا في القرن التاسع عشر من إزالة للغابات لإحلال الزراعة محلها و لاستغلال أخشاب الأشجار فقدت الجزيرة كل غاباتها تقريبا، مثلها في ذلك مثل بلاد أوروبية عديدة، و تجري الآن برامج لإعادة تشجيرها فيما وصل الآن إلى 10% من مساحة الجزيرة؛ إلا أنها ما زالت يتهددها دخول أنواع نباتية أجنبية تنافس الأنواع المحلية الأصلية. كما أنه نتيجة لتكثيف استعمال الكيماويات في الزراعة و لمحدودية مساحة الأرض فإن الأنواع الحية عموما تعاني من ضغوط تتهددها.

لكن قصة جزر أران الثلاثة تبين أنه بالإمكان استصلاح الصخر الأصم، و ليس فقط الصحراء. فتلك الجزر الثلاث الصغيرة عند فم خليج جالواي في المحيط الأطلسي هي في حقيقتها صخرات كبيرة في المحيط. هي حرفيا صخور تبرز من الماء فأرضها ليست بها تربة و لا ينمو عليها شيء و لا يحيا. إلا أنه عبر الثلاثمئة عام المنقضية تمكن قاطنوها القليلون من صنع تربة من أعشاب البحر المتحللة الخلوطة بالرمل، بعد أن قسموا أرض كل جزيرة إلى أحواض تحفها أسوار حجرية للحول دون أن تجرفها الريح، و زرعوا فيها البطاطس و ربوا الأغنام. لم يتح لي وقت للعبور إلى الجزر للأسف، ربما مرة أخرى.

يمكنك في وسط العاصمة أن تلمح نساء لاجئات، ربما كن أوربيات شرقيات، يحملن أطفالا يستجدين بهم عطف المارة. و بينما أجلس عند أقدام تمثال تحت شجرة أستغل انهمار المطر في الراحة و التفكير في الخطوة التالية، اقترب مني طفل يسألني مالا و يشير إلى حذائه المثقوب. عرفت بعد برهة أنه بوسني، لا يذهب إلى المدرسة، و لم يبد عليه فهم أين تقع مصر فظل يسألني إن كنت أيرلنديا أو أمريكيا.

موزايكو من 28 صورة من أيرلندا

قصة نضال الأيرلنديين ضد الاستعمار الإنجليزي معروفة لنا من الأفلام التي تحكي قصص ثوراتهم ضد الإنجليز في النصف الأول من القرن العشرين حتى إعلان الجمهورية عام 1916؛ لكن الأفلام وحدها لا تصف ما حدث. فمن تفكيك منظم للمجتمع الكلتي التقليدي بدأ منذ العصور الوسطى و إحلال نظم المجتمع الأنجلوسكسوني محله، إلى تهميش الأيرلنديين و أتباع المذهب الكاثوليكي و تقديم الإنجليز جنسية و دينا عليهم، إلى إعادة توزيع ملكية الأرض، مصدر الثروة الرئيسي، و خلق نظام إقطاع مختلف عن ما سبقه تكون اليد العليا فيه للإنجليز و من والاهم؛ إلى استطيان منظم و مباشر بجلب عائلات من الفلاحين الإنجليز لاستيطان الأراضي.

لا أعرف مدى أثر نضال الأيرلنديين الانفصاليين في الجزء البريطاني من الجزيرة على مجريات الحياة هناك، لكن يقال أن عاصمة الجمهورية، دبلن، لم تتأثر كثيرا بالحرب الأهلية التي كانت دائرة حول بلفاست، عاصمة الشمال البريطاني.

على طرق السفر بين المدن أتذكر شخصية في فلم Brave Heart - الذي لا أحبه - لرجل أيرلندي صاخب مفرط الحماس لقتال الإنجليز و هو يصيح إتس ماي أيلاند (إنها جزيرتي). ثمة نهضة واضحة في إنشاءات الطرق السريعة و التقاطعات المصممة لتسهيل و زيادة أمان السفر و النقل عبر الأقاليم، و كذلك أعمال الشبكات و المرافق داخل المدن. ما يبدو لك لأول وهلة أشجارا عشوائية و أراضي تركت لتنمو فيها الأحراش على جوانب الطرقات، ستعرف إن حالفك الحظ أن تراها أثناء تشييدها أنها صممت لتبدو كذلك و بذل فيها من الجهود الهندسية الكثير.

في دبلن كان ينتصب عمود لنلسون، شبيه بالذي لا يزال في ميدان ترافالجار في لندن، أقدم منه و أقصر منه بعشرين مترا، أقامه الحاكم البريطاني لأيرلندا عام 1808 رغم معارضة بلدية المدينة، و ظل العمود مكروها باعتباره رمزا للاحتلال، لكن كل خطط إزالته تعثرت، حتى فجره أعضاء سابقون في الجيش الجمهوري الأيرلندي عام 1966 في عملية لم يصب فيها أي شخص؛ منهم واحد كان قد صرف من المنظمة بسبب دأبه على القيام بعمليات غير مصرح بها، و بعدها تصدرت أغنية Up Goes Nelson قائمة الأغاني لأسابيع. معظم الأيرلنديين سرَّتهم إزالة العمود، و لم يُدن أحد بسبب تلك الواقعة حتى اليوم. الجيش الذي جاء ليفجر قاعدة التمثال بعد أن أصبح مشوها و لا جدوى من ترميمه، أحدث تفجيره المدروس على يد خبراء الجيش في الشارع أضرارا أكثر مما أحدثه التفجير الأول، مما جلب عليهم سخرية المواطنين. احتفالا بحلول الألفية الميلادية الثانية أقيم في موضع العمود المدمر نصب هو الأطول في العالم.

الأيرلنديون يشتهرون بباراتهم. البار عندهم هو مقابل المقهى في ثقافتنا، و ليس مقابل الحانة كما نعرفها. مكان يجتمع في الكهول و الشباب، رجالا و نساء، و يدور فيه جانب كبير من حياتهم، أفراحهم، و أحزانهم. لا توجد قرية في أيرلندا ليس فيها بار و كنيسة، حتى لو كانت من دارين. و إن حالفك الحظ فقد تدخل بارا تعزف فيه جوقة محلية موسيقا شعبية. يرى بعض السامعين الموسيقا الشعبية الأيرلندية متشابهة فيملونها بعد فترة، لكني أجد تلك التنويعات اللامتناهية و ارتجال العازفين بالدخول و الخروج في المناطق التي يشاؤون مذهلا و لا أمل منه أبدا. الموسيقا الأيرلندية أشبه بموجة قادمة من المحيط إلى جزيرتهم. كل الموج متشابه، لكن لا توجد موجتان متطابقتان. جينس اختراع حقيقي، كما يمكن زيارة معمل تصنيعها الذي يسهم وحده بنسبة معتبرة من الدخل القومي للدولة، و الذي حول إلى متحف و مزار.

رغم أن اللغة الأيرلندية Gaeilge - و هي إحدى اللغات الجايلية، لغات الكلت - اللغة الرسمية الأولى للدولة ليست حاليا اللغة الأم لأغلب الأيرلنديين فيما عدا من يعيشون في أقاليم تعرف لهذا السبب باسم جايلتاخت، إلا أنها تسبق الإنجليزية كتابة في كل مكان، كما أن الجميع تقريبا يفهمون إحدى لهجاتها الأربع الرئيسية، كما أنها تدرس إلزاميا في كل المدارس التي تدعمها الحكومة ماديا.

لا يمنع اعتزاز الأيرلنديين بثقافتهم التقليدية أن يتخذوا من جارتهم العملاقة بريطانيا قدوة في مجالات التنظيم و الإدارة. يظهر هذا لكل من زار البلدين في جوانب مختلفة. كما أن ثقة الأيرلنديين المتزايدة في أنفسهم كأوروبيين ناهضبن اقتصاديا لا تمنع كون علاقاتهم الثقافية و الاقتصادية بالولايات المتحدة الأمريكية وطيدة حيث تحقق لأيرلندا فائض تجاري معها يبلغ 15 بليون دولار عام 2003.

يقال أنه من المؤشرات التي يمكن أن تستدل بها على انتقالك من الشطر الشمالي التابع لبريطانيا إلى الجمهورية - إلى جانب تغير شبكة الهاتف المحمول - تغير لافتات الطرق من النمط الأوروبي/البريطاني إلى الأمريكي. ليس بين شطري الجزيرة حواجز حدود و لا جمارك، كما أن كثيرا من جوانب الحياة تديرها في كلا الشطرين إدارات مركزية موحدة عابرة للدولتين، أيرلندا و بريطانيا، و كذلك في مجال الاتحادات العمالية و الرياضية.

حتى ثمانينيات القرن العشرين، في فترة التدهور الاقتصادي و السكاني، كان حلم الشاب في الريف الأيرلندي الهجرة إلى أمريكا، حيث العمل وفير و النساء متحررات؛ على ما كانوا يظنون في صورة نمطية يبدو أنها لا تقتصر علينا. أجزاء عديدة من أيرلندا اليوم كثافة السكان بها أقل مما كانت عليه منذ مئتي عام، ففي أوقات الشدة هُجرت قرى عن بكرة أبيها، مع كون بعض الأماكن في الجزيرة استمر مأهولا منذ بدايات العصر البرونزي و حتى ذاك الحين؛ و حيث لا تزال تنتصب إلى اليوم آثار غامضة المنشأ. يوجد من ذوي الأصول اليرلندية في في العالم الجديد أكثر مما يوجد في الجزيرة، و لذلك يعد الأيرلنديون أيرلندا وطنا أكبر كثيرا من مساحة أرضه.

أيرلندا ليس فيها أفاعي، بسبب آليات الطبيعة، إلا أن الأيرلنديين يعزون هذا إلى أسطورة ترجع ذلك إلى بركة القديس بادرِِج.

الأيرلنديون الذين راقبتهم متحفظون لا يبالغون في الانفعال سلبا أو إيجابا مع الغرباء، لكنهم ليسوا أفظاظا إن حادثتهم، و هم ودودون فيما بينهم يرحبون و يبتسمون.

صباح يوم أحد، كنت أجري في الميدان الرئيسي في دبلن، حول نصب النور، إلى محطة الباصات الإقليمية حاملا حقيبتين من الأمام و الخلف و أمسك في يد طعاما اشتريته للتو و في الأخرى خارطة، سألني كهل إن كنت ضللت الطريق؛ شرح لي كيف أصل إلى المحطة و همَّ أن يسير معي إليها بالرغم من عرجه الواضح.

في الوقت الذي كنت أقرأ فيه عن أخبار اعتداء جديد على المسيحيين المصريين بسبب الكنائس، لفتت نظري لافتة على حجرة في إحدى ردهات كلية جامعة دبلن. و عندما دخلتها لأعرف لصلاة من خصصت، لم يخب ظني؛ إذ وجدتها لصلاة المسلمين.

لافتة مكتوب عليها 'C301 - Male Prayer Room' و عليها شعر كلية جامعة دبلن   غرفة صلاة المسلمين في مبنى علوم الصحة في كلية جامعة دبلن؛ تبدو سجادتي صلاة على أرض غرفة خاوية و قد سقطت عليهما أشعة شمس خفيفة من نافذة. خلف المصور توجد ميضأة صغيرة في قسم مدخل غرفة.

أغلب الأيرلنديين كاثوليك متدينون، لن يخيبوا ظنك إن وقفت يوم أحد تراقب خروجهم بالعشرات من كنيسة في بلدة صغيرة، و لا يزال بإمكانك أن تلمح شيخا أو امرأة عجوز ترسم علامة الصليب عند مرورها في الشارع أمام كنيسة. أيرلندا من الدول الأوربية التي لا يزال الإجهاض فيها ممنوعا، و الطلاق كان كذلك حتى سنة 1995.

لكن ذلك لم يمنع مجموعة من الطلاب الوافدين، الأجانب، غير المواطنين، الذين تصادف أنهم مسلمون، أن يُخصص لهم مكان لصلاتهم في جامعة في بلد من المفترض أن الأغلبية الكاسحة من مواطنيه و أجانبه يعتقدون دينيا أن دين هؤلاء الوافدين هرطقة و بدعة و ضلالة، و رغم ما يسود العالم من غضب على المسلمين بحق أو بغير حق…لا يهم

2007/07/22

أنا إرهابي

في المطارات أصبحت أستمتع بالفرجة على رجال الأمن؛ فأمامي وقت طويل يجب أن أمضيه.

ضع كل متعلقاتك في هذه الصينية

هل ترتدي حزاما؟

الزجاجات و القناني لا يمكنك أن تمر بها بعد هذه النقطة

هل يوجد حاسوب محمول في هذه الحقيبة؟ يجب أن تخرجه ليمر وحده في الماسحة

مرّ من البوابة الآن

أرني بطاقة صعود الطائرة..وثيقة السفر

ما هذا؟ شريحة ذاكرة؟

أصبحت أحب الذعر الفضول الذي يسببه شكلي لهم؛ ذكر شاب من الشرق الأوسط باسم عربي مسلم و شعر داكن يسافر وحده و لا يحمل سوى حقيبة واحدة و وثيقة سفر عجيبة الشكل و الحجم مكتوبة بياناتها بخط اليد.

أسأل: معي عملات معدنية، أضعها في الصينية أيضا؟

أرفع قميصي بشكل مبالغ فيه قائلا: انظري لا يوجد حزام.

أمر من بوابة الماسح بخطوات مسرحية مادا ذراعيّ كجناحين و بنظرة تدعو فرد الأمن ليمرر يده أو جهازه…خُش عليّ خُش

أفتح زجاجة المياه في بطء و أشرب منها.

أفكر قبل الإجابة على كل سؤال حتى لو كانت الإجابة حاضرة.

بعد أن أمر من آخر عقبة أمنية..أستكشف قليلا ثم أعود لأقف و أراقب من الناحية الأخرى كيف تعمل نقطة التفتيش.

من سيكون عليه الخضوع لتدقيق أكثر، من سيخلع حذاءه. ما مواصفات ذاك الذي يثير شك رجل الأمن.

أقارن بين كيفية عمل العقبات في كل مطار و كل بلد. الدقة، الانسياب، سلوك الموظفين، سلوك المسافرين و نوعياتهم.

أنا إرهابي..فلأستمتع بالدور.

كنت أُعد إرهابيا في الخارج و أنا الآن إرهابي في وطني أيضا. أفكر في طلب منحة تفرغ.

قميص قطني مكتوب عليه "أنا إرهابي" في تصميم بخط الثلث

كذلك رأوا رائد

2007/02/20

الإسكندرية

الخميس، اليوم الذي غادرت في القاهرة، كان من الأيام المعدودة القليلة التي يمكنني أن أقول فيها أن القاهرة مدينة تصلح للحياة الآدمية.

صباح ذلك اليوم، كانت الرياح قد نبذت القتامة الجاثمة فوق سماءها بحيث أمكنني و أنا في طريقي نازلا من التلة أن أرى بكل جلاء أهرام الجيزة و الصحراء التي تليها في ناحية، و في الناحية الأخرى تفاصيل شوارع القاهرة و مبانيها حتى تلك الشاهقة على نيل شبرا.

عندما وصلت الإسكندرية كان رذاذ خفيف قد بدأ للتو يتساقط من السماء، و عرفت فيما بعد أن الليلة السابقة كانت عاصفة، على الأقل بمعاييرنا نحن القاهريين.

على مر اليومين التاليين أخذ المناخ في الاتجاه نحو الصيفي حتى أن الشرفة الزجاجية في الشقة التي كنا نسكنها، في الطابق الثاني عشر على شارع الكورنيش كانت بمثابة دفيئة نجلس فيها طوال النهار كأسماك منشورة للتجفيف، لنتابع بشغف تغير حال و ألوان البحر و مرَّ السحاب و تكسر الموج؛ تبدو في الأفق الغربي الميناء الشرقية تلمع أحيانا تحت الشمس؛ نعلق بالعجب و الانبهار على كل تغير في ضوء و لون المنظر، في الأعلى و الأسفل، السماء و الأرض و البحر.

السمك؛ أكلت الكثير منه؛ كثير جدا. ليس أني لا آكله في القاهرة، لكن الفارق كبير.

معرفتي بالإسكندرية سطحية جدا، زرتها في الماضي مرات قليلة في الصيف و كرهتها، و زرتها لاحقا مرات قليلة في الشتاء في مشاوير و شؤون عائلية و اجتماعية سريعة فلم تسنح لي فرصة أن أتعرف على ما يتجاوز قشرتها الرقيقة مما يجاور البحر و بضعة شوارع رئيسية إلى الداخل، و تمنيت دائما أن أزور الإسكندرية في نوة؛ أن أحضر عواصفها و أمطارها. و أتذكر كلما مررت على المكتبةِ تدوينةً قديمةً عنها في بدايات تجاربي.

مساء السبت تبدل حال الطقس، فبعد أن وصل صفو السماء ذروته صباح ذلك اليوم فلم تكن فيها سحابة تلون الغروب، هبت الريح و أتت السحب عابرة أفق البحر فوصلت الشواطئ سريعا؛ و عند انتصاف الليل كانت الأمطار تهطل و الريح تصفر في النوافذ.

شيء ما في الجو العاصف، المرعد المبرق، يشعرني بالقوة و بالحياة، خصوصا إذا ما كنت قرب البحر أو في مكان مرتفع يشرف على العالم.

في صباح اليوم التالي عاد الربيع إلى العالم و بحلول الظهر كانت الشوراع قد جفت و الشمس سطعت و كأن لم يكن شيء، لكن ظل الموج هادرا.

معرض لوحات شلبية إبراهيم الذي لا يوجد ما يقال عنه غير أنه مبهج؛ بالعوالم السحرية الأنثوية الطفولية التي تأسرنا فيها لوحاتها.

لوحة لشلبية إبراهيم

السكندريون ألطف كثيرا من القاهريين؛ هم أكثر أدبا و ذوقا و أقل عدوانية و سماجة. حتى أني في تمشياتي كنت لا أمانع في تبادل تعليقات عبارات غير ضرورية مع المارة و أصحاب الدكاكين عن أشياء لا تهمني كثيرا، أو التعليق على مجريات الشوارع و الابتسام للناس، و هي أمور قلما أفعلها في قاهرة البشر.

مقارنة بالإسكندرية فالقاهرة لقطة فوتوجرافية باهتة و مهزوزة، لكنها مع هذا لقطة ثابتة مسطحة لا تغيُّر فيها، في المناخ و المناظر و البشر. القاهرة ليس فيها مجال لأن تشرف بنظرك إلى الأفق أو ترفع بصرك إلى بعيد أو تتأمل مبنى، إلا فيما ندر و يزداد ندرة.

رأيت منازل قديمة تبدو كما لو كانت تجاهد لتظل مرئية بين عمارات شاهقة جُحرية التصميم أخذت تغزو مجالها من كل جانب في حصار متواصل التقدم. رأيت منازل تزين شرفاتها و أفاريزها زخارف هندسية و حيوانية و نباتية؛ أغصان و رؤوس أسود و طيور متعانقة و أعمدة بتيجان نخيلية. منازل ذات شرفات متسعة و نوافذ و أبواب عالية، و فكرت أنه ربما سكنت هذا البيت أو ذاك أسرة طليانية أو فرنسية أو يونانية في ماض أكثر تعددية و غنى قبل أن يموت عجائزها و يهاجر شبابها إلى العالم الجديد. أفكار مشابهة لما يدور بخلدي عندما أتأمل مباني هليوبوليس.

شيء مماثل أراه بعد أن تعلمت كيف أنفض عن مباني القاهرة القديمة الغبار و لافتات الإعلانات و الدكاكين و الفترينات التي خربت الواجهات و الشرفات التي سُدت و الإضافات العشوائية فأعود بالمباني و الشوارع إلى سيرتها الأولى؛ في خيالي.

من هذا الجانب تبدو لي الإسكندرية أكثر انفتاحا و تحضرا و أقل طبقية و تعصبا. لكني أعلم أني في أرقى ضواحي المدينة و أدرك أنه في العمق توجد أدغال اجتماعية متشابكة، فالداخل إلى الإسكندرية من الجنوب يمر على سافلها قبل أن يصل عاليها، كما أني لا زلت أذكر شهادات جار القمر.

أقابل من اعتزلنا؛ فنتجاذب حديثا متشعبا سريع الإيقاع متعدد الجوانب و الموضوعات، كمن يعلمان أنه يوجد الكثير مما يقال و لا يوجد وقت لذا فهما يبذلان جهدا في التركيز و الوضوح و إتقان الموازنة الصعبة بين الاستطراد و الإيجاز و الانتقال من فكرة إلى فكرة. أراه في بيئته الطبيعية فأضيف إلى شخصيته بعدا آخر. هو اعتزلنا لكنه لم يعتزل التفكير و التأمل و الانشغال بالعام. تماما كما أخبرته يوم قرر أن يعتزل. هناك خاصية للعقل البشري: بمجرد أن تعلم فأنك لا يمكنك أن تعود لا تعلم. أحيانا ما يكون هذا مضرا. من الناحية الأخرى فهناك كثيرون ممن لن يعكر هذا الموضوع صفو حياتهم.

في الإسكندرية تنمو أعشاب خضراء ذات زهور صفراء في سكة الترام!!

2007/01/30

بلاد العرب السعيدة

في رحلة العمل القصيرة هذه، أبهرتني في صنعاء منازل أهلها.

البيوت معظمها مبني من حجارة الجبال التي تحتضن صنعاء من كل جانب.

كل البيوت بلا استثناء تعلو نوافذها أقواس جصية مزخرفة من الزجاج الملون.

رأيت نماذج لمباني عصرية تستوحي العمارة التراثية و تعيد انتاجها في شكل حديث يدل على ذوق رفيع.

مما يباع في سوق الجزء العتيق من المدينة يمكنك أن تستشف شكل حياة الناس فيها في القرون الخالية.

كعادتي حاولت أن أتخيل تلك البلاد في أماكن مختلفة، من الخمائل الضبابية في الوديان التي تجري فيها الينابيع، إلى الصحارى القاحلة و ما بينهما. و في الأزمان المختلفة؛ فجر حضارة العرب التي بدأت في اليمن، الموطن الأصلي للعرب، لتنتشر في شبه الجزيرة وصولا إلى ما بين النهرين و الشام؛ في عصر ما قبل الإسلام، عصر سبأ و حمير؛ عصر رحلتي الشتاء و الصيف؛ عصر الأئمة الزيديين، و ما تلاه.

لم يكن ذلك صعبا في صنعاء تحديدا لأنها مدينة على أعتاب التحديث.

أسرح كعادتي في وسائل المواصلات لأتذكر ما أعرفه عن الروابط القديمة بين اليمن و أفريقيا و التي تتبدى في ملامح الجنوبيين من أهلها، و تعبر في خاطري مشاهد من ملحمة سيف بن ذي يزن الذي أمرت أمه بقتله لحظة ولد فأرضعته ظبية ثم انطلق ليحرر وطنه من الأحباش متحالفا مع الفرس، و ليسعى للحصول على كتاب النيل.

بالرغم من الأماكن العديدة التي كنت أحلم بزيارتها و الدعوات التي تلقيتها لزيارة بعضها من يمنيين كرماء، إلا أن تعبي غلب شوقي.

و كما يحدث كلما زرت بلدا عربيا، فإني أجد الود و الاحترام الذي يكنه الناس لي لا لشيء غير أني أحمل جنسيتي!

يحدث ذلك و لو كنت في قرية نائية لا يعرف بوجودها غير أهلها.

يغالبني الود؛ من التحيات و السؤال عن حال مصر و أهلها، إلى شيخ بسيط يقود ميكروباصا قال يا أستاذ، نحن لا ننسى فضلكم علينا

الحقيقة أن هذا يحزنني بقدر ما يفرحني. أو لنقل أنه يشعرني بالمسؤولية التي نحملها تجاه عوالم لا نعرف نحن عنها شيئا. و يشعرني بالأسى على حالنا.

و تخجلني دعاوى فجة بالريادة و الدور المحوري الذي أصبحت حكومتنا التي لا تملكه تبيعه لمن لا يستحق؛ و لأني أعرف أننا إن انصلح حالنا انصلح حال جميع العرب و المسلمين.

فتاة بحرينية من النشطاء قالت ما معناه لكنكم لستم كباقي المصريين الذين عرفتهم و الذين لا يكفون عن ذكر محاسن مصر دون التفات لأي شيء آخر، و رجل يمني قال ما معناه نحن نأخذ عنكم الجيد و الرديء

و يظل بي شوق لزيارة اليمن مرة أخرى

عن ذات السفرة، اقرأ ما كتبته منال و ما كتبه محمد العثمان.

2006/08/21

أمار و أكبر و أنتوني

مشكلة: كيف تمنع الناس من التبول على الجدران؟

حل: بأن تجعل الجدران مقدسة لأتباع لجميع الديانات.

جدار موشوم بالشعارات المقدسة للهندوية و الإسلام و المسيحية

لاحظ أنه يجب أن تكون الشعارات المقدسة متلاصقة و متراكبة و إلا وجد شخص ما فرصة للتبول على شعارات الآخرين، و تفشل الخطة.

جدار موشوم بالشعارات المقدسة للهندوية و الإسلام و المسيحية

تكنولوجيا هندية لمنع التبول على الجدران.

العنوان هو التنويعة الهندية على حسن و مرقص و كوهين

03:54 03-09-2006

صورة أخرى من الهند، من كتاب 1000SIGNS.

2006/08/14

بلد ضباط الجوازات

بعد إحباط مؤمرات لندن و مع اقتراب العيد الوطني للهند، في المطار كان السؤال الأمني الجاري حاليا هو معك سوائل؟

لكي أريح ضابط الأمن الذي نظر إلى زجاجة المياه بريبة، فتحتها و أخذت جرعة كبيرة منها بعدها فتحت فمي و أخرجت لساني.

حتى تمثال الإله راقصا رقصته الكونية لم ينج من المصادرة. فكرت أن أفهمه أن هذا قد لا يكون فألا جيدا لكني كنت مللت من إجراءات الأمن.

موزة كبيرة موضوعة في كيس ورقي و ممسوكة مثل المسدس كفيلة بأن تثير فضول ضابط أمن؛ ثم دعابة بين الضابط و زميله أتصور أن موضوعها ربما كان السائح الأحمق أنا الذي لم ير موزا من قبل و يريد أخذ واحدة إلى المنزل من بلد يباع فيها الموز على العربات بالواحدة، مثل التين الشوكي: قشّر و كل (و ارمي القشر في السلة التي وضعها البائع).

عندما قلت لمضيف شركتنا الوطنية للطيران للمراجيح "عاوز بطاقة جوازات بتاعة المصريين بدل بتاعة الأجانب دي" سألني بكل موضوعية "هو أنت مصري؟" و بدا عليه أنه لن يعطيني الورقة إلا عندما أجيب!

في هذه الرحلة تأكدت لي نظرية:

ترون، ضباط الجوازات في العالم كله متشابهون، كأنما هم مستنسخون.

و السبب في تشابههم هذا هو أنه أيا كان العلم الذي يقفون تحته و أيا كانت لغة النقش على الختم الذي يحملونه و أينما كان الكشك الذي يقفون بداخله لينظروا إليك بنظرة لا معنى لها و يداعبون صفحات جواز سفرك الغريب الذي يفتح من اليمين و مطبوع بالعربية و الفرنسية و بياناتك فيه مكتوبة بخط اليد و حجمه فريد من نوعه في العالم؛ فإن ضباط الجوازات جميعهم مواطنون دولة واحدة هي بلد ضباط الجوازات، منها يأتون و إليها ينتمون.

2006/08/08

على ورق الموز دلّعني: رسالة في العجب

جانش

السيد الفيل الوردي أبو زلومة، بعد التحية و الاحترامات،

اعلمْ أنها أمطرت اليوم على أرضك لكن الجو ليس رطبا و أن رعيتك طيبون لكنهم لا يفرقون بين نعم و لا و ربما في الإيماء و أن ألسنتهم تلهج من التوابل الحارقة و أن منخيري بتسيح آناء كل وجبة؛ كن في عونهم.

و اعلمْ أن أن الناس التبس عليهم تفسير وحيك فهم يصنعون الطعمية من الموز و يقدمونها على ورقه؛ لذا فالسلمندر هفتان لأنه لا يجد ما يأكله.

و أن المرور على اليسار و اليمين و فوق و تحت لكن من غير شتيمة و أن النخيل يطرح جوز البلد و السناجب تلهو على أغصان الشجر.

و أن الپان يصنعه الرجل من خلطة الجوز و المكسرات و مربى الورد و تمر الهند و يلفه في ورقة شجر تكللها رقيقةُ فضةٍ لأمضغها ببطء و أبصق عصيرها الأحمر الذي يخضب فمي.

و اعلمْ كذلك أن السلاحف هجرت الشاطئ و لم تعد تضع بيضها عليه ليفقس بمئات الآلاف في نفس اللحظة؛ و أن موسم المونسون إن جاء فستغرق الشوارع في شبر ماء؛ لكن النمل لا زال يبني أبراجه من الطين.

عزيزي الفيل الطيب،

بالرغم من أن أرضك هي الحاصلة رسميا على لقب أم العجائب إلا أن ما أفقدني صوابي فعلا هو أن بضان هنا ليس سبة و لا لفظة قبيحة لكن اسم أحد رعاياك الظرفاء!

سيدي أبو زلومة،

امتط فأرك و طف أرجاء مملكتك لتحل عليها الحكمة و البركة في عيدك.

2006/04/01

آسف…

لأني تهاونت و تساهلت في ارتكاب مخالفة دستورية و دفعت نقودا لدخول أرض مصرية.

تذكرة قيمتها 100 جنيه فرضتها محافظة مطروح يوم كسوف الشمس لدخول بلدة السلوم الصورة عن أفريكانو

تمتعي باُّ لم يمح إحساسي بالضيق.

لسنوات دأبت الشرطة على منع المسافرين في الباصات من متابعة رحلاتهم و إهانتهم الشخصية بسؤالهم عما في جيبهم من أموال و تقييمهم على أساس شكلهم و محل إقامتهم و تكلفة الأتوبيس الذي يستقلونه.

جدار عازل للمصريين حول شرم الشيخ

فيزا لعبور الصعايدة إلى الغردقة و العديد من نقاط التفتيش على كل الطرق بين الصعيد و الغردقة تكاد تشبه الجوازات الدولية

تذكرة لدخول السلوم (و لو كانت ليوم واحد)

ماذا بعد!

2005/11/21

على عتبة باب الدنيا

في فرش الرمانة

الصقيع لم ينصهر من على فراشي و حقيبتي حتى وضعتهما في الشمس.

على الدرب بين عالمين

مرافقي السيناوي يخبرني أن في الانتخابات لا أحد صادق و الكل يعمل من أجل ذاته فقط و أن لا جدوى؛ فأخبره عن التزوير و البلطجة و المظاهرات و كمال خليل.

في الجبال

الخط المستقيم ليس أقصر الطرق بين نقطتين.

يا جبل زعتر

عبقك هو اسمك.

ركضا حتى باب الدنيا

الذي على عتبته جلست أرقب المريدين يتقاطرون.

العقارب

بعد طول انتظار؛ لم أجدهم في الجبال و لا الوديان لأنهم كانوا في القاهرة.

أعود لأجد أن أعداد القتلى و المصابين في نشرة الأخبار هي محصلة مناوشات انتخابية في الإسكندرية و ليس تفجيرا انتحاريا في بغداد.

و أن صاحب الأشجار قد انضم إلى البوبز بعد منال و علاء اللذان تسرب خبر فوزهما مبكرا. مبروك

2004/06/17

المَكْتَبَةُ السَّكَنْدَرِيَّةُ السِّيَاحِيَّةُ!

عمارتها الحداثية جميلة فعلا؛ لولا أنها كانت تحتاج إلى مساحة أكبر من الفراغ حولها بدلا من العمارات السكنية المحيطة بها؛ كما أن المبنى الملاصق لساحة المكتبة من جهة الغرب و الذي يأوي أساسا مقرا لأحد البنوك، غير متناسب مع جماليات المكان برغم حداثته. هذه أمور يمكن تداركها بالتخطيط طويل المدى. أما بعض مظاهر البلى التي بدأت تظهر مبكرا عليها مثل تكسر بعض البلاطات المتحركة المغطية لقنوات الخدمات في أرضية الساحة الخارجية، و سقوط بلاطة جرانيتية قرب باب الخدمات في الجهة الجنوبية، و تسرب الرطوبة إلى كوات الإضاءة في الأرضيات فهي أمور راجعة أساسا إلى انخفاض جودة التشطيبات النهائية، و هو خطأ المقاول و المستلم في الحالتين الأخيرتين، بالإضافة إلى الإهمال و سوء الاستخدام في الحالة الأولى.

لماذا سياحية؟ أقول ذلك لأن الروح العامة لإدارة المكتبة لا توحي إلا بهذا: ابتداء من فكرة فرض تذاكر للدخول (أربعة جنيهات لغير الطلبة)، و نفس المبلغ مرة أخرى لدخول قاعة المخطوطات الأثرية، أما الأهم فهو اللوحات التعريفية في القاعة الرئيسية للمكتبة و التي تحكي عن ثقافات و حضارات العالم المتنوعة و المكتوبة كلها بالإنجليزية فقط و كأنها موجهة للقلة من السائحين الأجانب الذين يتقنون الإنجليزية، لأنه كما هو معروف فإن عامة المصريين بمن فيهم المتعلمين و طلبة الجامعة التي تمثلها جامعة الإسكندرية المجاور مقرها للمكتبة يواجهون صعوبات ليس فقط في استعمال اللغات الأجنبية، بل في قراءة و فهم النصوص العربية التي يزيد مستواها عن عربية الصحف! و مثل ذلك الرجل المصطحب أسرته و الذي استسهل أن يسألنا إشراكه في حديثنا عن المزولة الشمسية المنصوبة في ساحة المكتبة و كيفية معرفة الوقت بها بدلا من قراءة الشرح المنطبع على واجهتها (بالإنجليزية أيضا)، ثم اكتفى بهز رأسه و الانسحاب عندما تحول الموضوع إلى إمكانية قراءة طريقة الاستخدام، وسط نظرات من البلاهة و الاندهاش من باقي أفراد أسرته!

نفس الأمر تلحظه في قاعة صور و خرائط الإسكندرية القديمة (دخولها بنفس تذكرة المكتبة) التي تبنّى فكرتها و يرعاها و يصطحب الزوار الأجانب بنفسه إليها تقريبا كل يوم الدكتور/ محمد عوض؛ حيث نجد أن لوحات شرح الصور و الخرائط تختصر المعلومات التي فُصِّلت في النص المكتوب بالإنجليزية في فقرتين أو ثلاثة أي ما يزيد عن مئة و خمسين أو مئتين من الكلمات في ما لا يزيد عن سطر و نصف بالعربية! أي فصاحة هذه! ناهيك عن الأخطاء الإملائية في هذا السطر المكتوب بمعالج نصوص برمجي. نفس هذه المشكلة كنت قد لاحظتها في لوحات المعروضات في متحف النوبة في أسوان.

و ككل متاحفنا و منشآتنا الثقافية، فإن المكتبة تغلق أبوابها في أحد أيام الأسبوع (الثلاثاء في حالتنا هذه)، و هو أمر غير مبرر حتى لو كان هذا اليوم غير أيام العطلات الأسبوعية الاعتيادية، لأن زائرا لمدينة ما كان قد وضع في خطته أن يزور أكبر قدر ممكن من معالمها و مزاراتها في مدة اليوم أو اليومين الذين نوى أن يقضيهما فيها سيجد أن بعضها مغلق و هو إحباط كبير لأي سائح وطني أو أجنبي.

لم يتح لي الوقت سوى لإلقاء نظرة سريعة على الحواسيب المنتشرة في ردهات المكتبة. فقط عروض الملتيميديا التفاعلية عن المكتبة نفسها، و كذلك صور المخطوطات القديمة. ما أحب أن أجربه هو فهرس محتويات المكتبة، حيث أن فهرسا قويا يتيح التصفح و البحث في محتوياتها بطرق عديدة و من مناظير مختلفة، هو ضرورة لا بد منها.

للأسف باءت محاولتنا أنا و أبَوَيَّ و عمي حضور أحد عروض القبة السماوية بالفشل لنفاد الأماكن المتاحة و بسبب مشادة نشبت بين مشرفين لرحلتين مدرسيتين مختلفتين و بين موظف شباك التذاكر. و هي في الحقيقة أكثر من قبة سماوية، حيث أنها قاعة سينما متطورة للعروض ثلاثية الأبعاد تعرض أفلاما علمية أو ترفيهية مبهرة، يمكن أن يكون أحدها فيلما عن الكون و الفضاء. تجاور القبة السماوية قاعة الاستكشاف، و لكني لم أزرها أيضا.

لا أعتقد أن مكتبة الإسكندرية Η Βιβλιοθήκη της Αλεξάνδρειας يمكن أن تكون مكتبة قومية لمصر كلها و منارة للإشعاع في المنطقة و هي المبالغة التي تحاول الدعاية أن تبيعنا إياها، بل إن كل مدينة مليونية من مدننا و كل محافظة تحتاج على الأقل إلى مكتبة بهذا المستوى؛ جيدة و لكنها ليست أبدع ما يمكن. كلا، لم تجل المكتبة البريطانية بخاطري و أنا أتجول هناك، و لم أقارن بينهما ;-)

أعجب ما رأيت؛ في معرض المخطوطات: كتاب عنوانه "صحف موسى" مكتوب بالعربية وفي صفحته الأولى التي فتح عليها شهدت أنا الله أنه لا إله إلا أنا و أن محمدا عبدي و رسولي! و كتاب مخطوط في السحر منسوب لآصف بن برخيا!! أما بضع الصفحات من مخطوطة رسائل إخوان الصفا المكتوبة في القرن السادس عشر الميلادي، فلا تقدر بثمن.

أروع ما فيها: تمثال إيزيس من العصر الهليني المعروض في متحف الآثار في قبو المكتبة؛ تحفة عذوبتها تستعصي على الوصف. الدخول إلى هذا المتحف مجاني!

تدوينات سابقة ⇒