هذه الصفحة تعتمد على صفحات الطرز المتراصة (CSS)
| &lArr
2010/12/22

متحف الزراعة العالمي

متى كانت آخر مرة زُرت فيها المتحف الزراعي؟

أو لأعد صياغة السؤال: متى كانت آخر مرة زرت فيها المتحف الزراعي بإرادتك، ثم خرجت منبهرا؟

أنا زرته مرتين، آخرهما مجاملة لصديقة أجنبية منذ عشر سنوات، دفعت للدخول أرخص تذكرة في الوجود، عشرة قروش صاغا، و خرجت حزينا على الفرصة المهدرة. لو زرته اليوم لربما كنت مجبرا على دفع خمسة و عشرين قرشا لا لشيء غير أن عملة العشرة قروش لم تعد متداولة.

ثم زرته الليلة.

متحف الزراعة العالمي

ففي مركز الصورة المعاصرة في 22 شارع عبدالخالق ثروت في القاهرة، و لمدة محدودة، يوجد متحف اللزراعة العالمي، و هو عرض مفاهيمي مركّب تثير من خلاله صاحبة الرؤية و قائدة فريق العمل، الإسبانية أسونثيون مولينوس گوردو، قضايا الغذاء و البيئة و الجوع و التنوع الأحيائي.

دعك مما اعتدته من أعمال التركيبات في الفراغ التي هي بحق في معظمها رَكاكات تُهدَر عليها المساحات في المعارض و متاحف الفنون، لا مغزى من وراءها سوى محاولة التذاكي، فعمل أسونثيون إن جاز تصنيفه ضمن أعمال التركيبات في الفراغ المفاهيمية، هو أوّل عمل من هذا النوع و الحجم يُبهرني على مستويات عدة، و هو يليق بالعروض التي تُنشئها المتاحف و مراكز التعلّم و الاستكشاف و التوعية؛ واجهةٌ مُنَفَّذَةٍ بإتقان لفكرة واضحة قام عليها جهد بحثي جاد.

المبهر في العرض ليس جِدَّة التقنيات الفنية، و لا البراعة في استخدام المواد و تطويعها، و لا باطنية الفكرة و مراوغتها، فلا شيء من هذا هنا. إذ تستلهم أسونثيون في مساحة تقل عن 80 مترا مربعا روح المتحف الزراعي العريق في الدقي في الجيزة، ناقلة الطراز العتيق للعرض، و التداعي و التهالك الطاغيين على المكان و المعروضات، و حتى الرائحة، خالقة فضاء يتعرف عليه لحظيا كل من زار المتحف الزراعي.

توظّف الفنانة هذه الحالة لتعرض على الزائر حقائق عن إنتاج الغذاء في العالم، و عن انعدام العدالة الذي لا يُمكن أن يكون عفويا. فنرى مثلا في رسم بياني على لوحة مؤطرة بطراز عتيق خطين متصاعدين باضطراد يبين أحدهما إنتاج الغذاء في الأرجنتين و الآخر الجوع! ثم صِوانَي عرض يحوي أحدهما ما تنتجه هَييتي للتصدير من حاصلات زراعية فاخرة من فاكهة و حبوب و مكسرات، يجاوره صِوان يوضح كيفية صنع فطيرة الطين بالزيت و الفلفل و الملح التي يأكلها الهَييتيون.

وبعد أن تعرض علينا في بضع لوحات توضيحية مُسندة على الحائط بإهمال صفات بضعة أجيال ناتجة من تهجين الطماطم و العنكبوت أو البقرة وقصب السكّر و نتائج تهجينات عبثية أخرى، فإنها توضح لنا باقتضاب شديد مفهوم الجين المُنهي، تجاوره صورة فلاح منياوي يوقع عقدا شراء بذور معدّلة وراثيا. إذ يُضطر الفلاحون في مصر كما في بلدان عديدة إلى شراء بذور عقيمة لا تنتج عنها تقاوي بعد زرعها فيما يُعد خروجا على فطرة الزراعة منذ عرف الإنسان تقنياتها قبل عشرة آلاف سنة! ليس هذا و حسب، بل تمنع الفلاحين تعاقداتهم مع الشركات من إعطاء أي قدر من البذور لغيرهم، لا لزراعتها و لا للبحث، و تلزمهم باستخدام منتجات الشركة من مبيدات إن ارادوا استخدام مبيدات، و تجبرهم على عدم الاحتفاظ بأي قدر من المحصول بعد الحصاد. صوّر المستشرقون لنا أن تاريخ الفلاحين المصريين كان حالك السوّاد و البؤس!

غير أن العرض لا يقف عند حد تحذيرنا من الهندسة الوراثية، فهي مجرد تقنية ليس عليها حكم أخلاقي مسبق، بل توضح لنا كذلك أن الهندسة الوراثية يمكن أن تساعد بزيادة إنتاج المحاصيل فتقلل من الجور على الغابات لاستغلال أراضيها في الزراعة فتقلل بالتالي من الأضرار على البيئة و التنوع الأحيائي.

و تشرح لنا لوحة أخرى كيف احتكرت شركات أمريكية اسم "أرز بسماتي" الذي تندرج تحته آلاف الأنواع من الأرز التي ولّدها على مر أجيال عديدة المزارعون الهنود، فأصبح واجبا عليهم دفع عوائد للشركات إن أرادوا بيع الأرز الذي يزرعون باسم "بسماتي" و إلا خالفوا اتفاقات الملكية الفكرية! ثم تواصل مدّ الفكرة على استقامتها، فإلى جانب جرار زجاجية تحوي عينات من الأرز نجد جرة فيها بذور صنف من الحشائش الخضراء عليها ملصق يعلمنا أن هذا الصنف الممتاز من نجيلة الملاعب يملكه فكريا (يا للعبارة العرجاء!) نادي ريال مدريد. سخرية مريرة شديدة الذكاء أرجو ألا تستحيل يوما واقعا.

ما لا يذكره العرض صراحة لكني وجدته غير غائب عن ذهن الفنانة أثناء حديثي معها هو أن كل الأصناف النباتية و الحيوانية التي يربيها الإنسان و يستغلها في معيشته هي نتاج صيرورة اصطفاء اصطناعي و تهجين استمرت آلاف السنين كانت المعرفة التي تنتجها ملكا للبشرية كلها و انتشرت تقنياتها في كل أرجاء الأرض، محتفظة أحيانا حتى بأسماءها عبر آلاف السنين: الوَين في العربية (و شقيقاتها الساميّات) هو صنف من العنب. و للمفارقة مع مثال الأرز السابق فإنك إن تركت حقلا من الأرز يتوالد ذاتيا بلا تدخل بشري فإنه يعود بعد بضعة أجيال إلى أصله: حشائش النجيلة البرية.

إذاخرجت من هذه الغرفة التي على بابها لافتة "الملكية الفكرية" وجدت أبوابا موصدة عليها لافتات مثل "القانون" و "التجارة"، كما ستجد لافتة متهالكة قد سقطت على الأرض و انكفأت على جانبها عليها "العمالة".

إلى جانب القدر البالغ من الإبداع في عرض الفكرة، و اللمحات الذكية الساخرة في تصميم معروضات المتحف المُفترض، فإن إتقان محاكاة غير المُتقن أبهرني حقا؛ العناية البالغة بالتفاصيل. فالصوانات المتهالكة، و اللوحات المدهونة باللاكيه، و اللافتات المكتوبة بالخط الديواني، و الشروح و عناوين المعروضات المكتوبة بآلة كاتبة ميكانيكية عتيقة، بل حتى المجسم الساذج التي تنتثر عليه بقع صغيرة من صباغ أبيض إثر عملية طلاء سابقة غير متقنة للجدران.

أدعو كل المهتمين بقضايا الزراعة و الغذاء، و الملكية الفكرية في هذا المجال، و التربويين، و الفنانين إلى زيارة متحف الزراعة العالمي.

شكرا لينا على التزكية و الصحبة الممتازة.

المعرض قائم حتى يوم 25 يناير، مبدئيا، و أعربت الفنانة عن سعيها إلى مده لشهر آخر

(3) تعليقات

  1. [...] This post was mentioned on Twitter by Zeinobia. Zeinobia said: RT @moftasa: لو عمرك رحت المتحف الزراعي بالدقي لازم تروح المتحف الزراعي العالمي بوسط البلد http://is.gd/jAWdZ [...]

      Tweets that mention لو عمرك رحت المتحف الزراعي بالدقي لازم تروح المتحف الزراعي العالمي بوسط البلد -- Topsy.com @ 02:08 2010/12/28

  2. يؤسفني أن أصحح السيد كاتب المدونة، فمتحف الزراعة العالمي لا يمت بصلة لمركز الصورة المعاصرة إلا بحكم الجيرة فهو في الطابق الأسفل للمركز.

     محمد @ 14:43 2011/01/03

  3. شكرا يا محمد. كنت فاهم أنه باستضافة مركز الصورة المعاصرة. تصويبك يسعدني.

      ألِف @ 15:11 2011/01/03

عذرا، التعليقات مقفلة.