هذه الصفحة تعتمد على صفحات الطرز المتراصة (CSS)
| &lArr
2006/04/17

هذيان المجانين

بدأت أرى وجها آخر لما يحدث؛ وجها طبقيا قبيحا كنت أتخيله أحيانا و أنا أسير في الشوارع الخلفية ثم لا ألبث أنفضه.

لو كان المهاجمون هم من أبناء الطبقة الوسطى المتدينيين لكان الموضوع اختلف كثيرا. كنا قلنا أنها ثورة غضب أعمى، أو أنها كراهية دينية دفينة تظهر إلى السطح، لكن إذا صح ما رواه جار القمر فإن الأمر يختلف جذريا!

المحرومون و من هم في قاع المجتمع - و هم الأغلبية في المدن، و طبيعي أن أغلبهم مسلمون في البطاقة - في مواجهة أي شخص يمكن تبرير الهجوم عليه و نهبه. اليوم المسيحيون بذريعة أنهم يهينون الإسلام أو يجرؤون على المطالبة بالمساواة، و غدا أي شخص يحمل هاتفا بذريعة أنه فاسد أو فتاة بذريعة أنها تسير سافرة.

قبل قليل كنت أفكر في إذا ما كان سيأتي يوم يكون عليَّ أن أحمي جاري المسيحي، لكني الآن أفكر إذا ما كان سيأتي يوم نضطر جميعا للدفاع عن بيوتنا بالعصيِّ و السكاكين؛ و في الشارع.

ما أريد أن أفهمه هو ما مبررات تصرف ضباط الداخلية؟

هل هم بحكم كونهم مسلمين من الطبيعي أن يؤمنوا بالخطاب السائد، ولذا فهم متعاطفين مع الدهماء الذين يكسرون عين المسيحيين!

هل هي سياسة رسمية في البلد؟ الحكومة بغبائها تستغل كل ما يمكن أن يلهي الناس عنها و يضمن التخبط و عدم التنسيق بين الشعب و يضمن عدم اندماج المسيحيين في الحراك السياسي بشكل فعال، و كل ما يضعف موقف الإخوان في ذات الوقت فلا يبقى منتصر غيرها!

هل هي سياسة غير رسمية؛ عرف آخر غير مكتوب يسود بين من في يدهم زمام الأمور في الميدان و لا يوجد من يجرؤ على ردعهم في المستويات الأعلى المهترئة المشغولة بالحفاظ على بقائها في النظام؟ النظام الذي يهمه اعتقال العشرات من شباب الإخوان في أسيوط لأنهم اعتزموا التظاهر احتجاجا على الطوارئ أكثر من حماية مواطنين مسيحيين في الإسكندرية!

هل الهدف هو التمهيد لأن يبدو الحديث عن رفع الطوارئ غير معقول؟

لكن التفسير الطبقي وحده لا يفسر الاعتداءات شبه الشهرية على المسيحيين التي تحدث في مختلف أنحاء البلاد بسبب بناء الكنائس مثلا.

هل الموضوع أعقد من هذا و توجد له مستويات عديدة و لا يمكن تفسيره استنادا إلى سبب واحد، لا النظام وحده و لا التعصب وحده و لا الفقر وحده؛ بل تتضافر فيه كل هذه المكونات لتنتج لنا المزيج غير القابل للتفسير من العبث الذي نراه، و تتجلى بصور مختلفة في كل حادثة.

و هل بسبب هذا التعقيد يمكن لما يحتمل أن يكون قد بدأ في شكل حادثة فردية لرجل مجنون أن يتحول إلى طوفان من النهب و القتل لأنه يجد له بيئة مناسبة نما فيها على مرِّ أجيال من التكفير و التخوين و السباب المجدول في الدعاء، وجدت أخيرا مقابلها في المسرحيات و القنوات و المواقع المسيحية التي يتذرع بها من يتذرع من المتعاطفين الصامتين أو الشامتين أو المتبرئين أو المبررين، و يتناسون عقودا قبلها من خطب و فتواى الكراهية و الاستعلاء المستتر بالنفاق، ثم يقول لك "بيدافعوا عن الدين"!

و لأن الرجل المجنون نفسه ليس بمعزل عن هذه البيئة المواتية للعنف و التطرف، فإن سلوكه هذا يكون نتيجة مباشرة لها فيكون معنى هذا كله أن الجنون في هذا البلد يتخذ أشكالا كابوسية تتجسد فيها المخاوف و الكراهيات و البارانويا و نظريات المؤامرة و القهر و جهل الآخر المدعم بالخرافات دون تكلف عناء الفهم؛ جنون في لونين: أبيض و أسود؛ يصل إلى لحظة الانفجار ليسبب تفاعلا متسلسلا متعدد المستويات لنعود إلى نقطة البداية.

ثم لنكتشف أن مظاهرات الهلال مع الصليب بلهاء لأن السبب الحقيقي لا علاقة مباشرة له لا بهذا الهلال و لا بهذا الصليب، بل بهلال و صليب آخرين، مقهورين، فقيرين، مجنونين؛ و مبادرات المصالحة و المصارحة أكثر بلها لأن منظميها و مروجيها و المشاركين فيها ليسوا طرفا في المشكلة أساسا.

أنا بالتأكيد لا أدافع عن نظرية رجل مجنون يتواجد في كل مكان، لكن هنا يكون المجنون ليس رجلا واحدا، بل ملايين.

الحل هو العدالة للجميع…لكن كيف لنا أن نرسي أركان العدالة و الجنون يأكل عقولنا. هل العنف قادم لا بد منه، لنتعلم كما تعلم آخرون منه بعد أن أنهكهم و لم يبق أمامهم غير السلام و التعاون.

أتمنى أن يكون كلامي هذا هذيانا لا معنى له.

(7) تعليقات

  1. يشهد الله أنني ما أحببت بلداً كبلادكم مع أنني لم أزرها من قبل، ويؤسفني كثيراً ما أراه وأسمعه، وأنتم أدرى بما يحدث لديكم، أتابع الأخبار ولا أملك سوى الدعاء والأمنيات.

    أتمنى أن أرى المزيد من تقارير المدونين من أرض الواقع لأنها أصدق وأكثر واقعية مما أراه في الفضائيات.

      عبدالله @ 08:26 2006/04/17

  2. و طبقية كمان ياألف!!!ليه الحدود و الخطوط اللي احنا بنرسمها “لأ..بنحفرها ونقنتع بيها…و نقنع غيرنا” مش كفاية الحدود المفروضة علينا اصلا…واللي بنحلم انها تتلغي..

      Nerro @ 12:09 2006/04/17

  3. عبرت عما حاولت أن أقوله يا أحمد في تعليقي عند هيثم.

    كنت أشتري سجائرا في منتصف الليل أمس بعد أن قرأت تفرير هيثم. بينما أمشي في الشارع الهادئ كنت أفكر في منطقة أخرى مشتعلة في نفس المدينة ، وفكرت في اليوم الذي سيمشي فيه كل من نسيناهم وتجاهلناهم في هذا الشارع ليدمروه وأضطر لأن أواجههم بسكاكين المطبخ.

    كنت أجلس مع طبيب يكبرني سنا، وأخذ يعطيني دروسا عن التعامل مع “العالم اللبش” من سكان مناطق فقيرة وعشوائية والتي يكثر فيها السلاح الأبيض اذا واجهوني اذا عملت هناك. أخذ الرجل يقص قصة عن ادارته لمستشفى تتعرض لسرقة مستمرة وترويع من حاملي السيوف المدمنين وتوصله لحل على طريق “حق العرب” معهم ، والحصول على احترامهم باظهار أنك ” بلطجي – وان لفظيا فقط- وقلبك ميت زيهم” . هناك منطق آخر للتعامل. وغياب القانون مذهل.

     محمد @ 12:37 2006/04/17

  4. تعرف يا احمد بماذا ذكرني بيان الحكومة و الاخوان بمشهد كوميدي لكنه يتطابق بشكل واقعي مع تلك البيانات، و هو مشهد لخيرية احمد و هي تقول مدعية البكاء علي زوجها المرحوم رقم عشرة :” أنا حزينة حزينة حزينة، إهئ إهئ إهئ”

      ايمان محمود @ 14:24 2006/04/17

  5. مش كفاية طرح الاسئلة و التساؤلات رغم عمق الطرح الى أجبرنى أفكر و أقرأ كلامك كذا مرة
    التدوينة دى بالذات محتاجة تتناقش كل أسئلتها بالتفصيل لأن كل سؤال و له وزن حتى لو بدا للحظات ضد قناعاتك و مبادئك
    زى ما قلت عند علاء الحل لايمكن يكون فى اتجاه واحد و استحالة

    الحل هو العدالة لكل المواطنين

    أبكانى من جوة الناس لى داخين يقولوا للمسيحين طب نعملكوا ايه ونرضيكم ازاى???
    ده فى رأيى قمة العبث و كسر قانون العدالة وده سببه ان كل شئ فى نظامنا السياسى مش الاجتماعى العفن بدأ يغطيه

    أتفق مع شريف عبد العزيز فى دعوته و اختلف مع اسلوب 99 % من الى دخلوا يطبطبطو و يهدوا المسيحين عند علاء
    الى مات من هنا و من هنا مصرى قبل أي شئ و ياريت نبطل نلغى الدولة و نفعل الجامع أو الكنيسة فىالزنقة لان المصيبة انهم غير كده مش موجودين أصلا
    تحية ليك على البوست الجميل سخنى وخلانى أكتب

     nemo_elsamaka @ 21:47 2006/04/17

  6. Why Egypt enjoys a very law frequency of crimes and antisocial behaviour taking into account the shear misery among large number of people concentrated in marginalized area? Indeed Cairo is still safer than many big cites in Latin America, or even in Europe, with similar or lower level of misery and marginalization. How does the state manage to keep these disparate people in check, so that they do not avenge the social injustice in criminal and antisocial behaviour? The answer is a mixture of religion and brutality. The first soothes the hardship of life and makes it somehow bearable, it also restraints the growth of organized gangs by spreading the ideas of divine reward and retribution. The second makes it very expensive to get caught or to become a suspect. So the monster created by social injustice becomes another tool in the hands of Mubarak’s regime, That can be leashed with very faint religious motivations. I doubt that this state of affairs is planned; however it is being put in the service of the regime in a diabolic way.

     Amgad @ 01:44 2006/04/18

  7. ليس هذياناً على الإطلاق!

    السير في شوارع العشوائيات – الأسوأ من المناطق الفقيرة فحسب – يشعرك بالخوف وإن يوماً ما سيأتي وسيخرج هؤلاء غضب الحرمان الطويل والمهانة على أي من أو ما تطاله أيديهم. أوليس هذا تطوراً طبيعياً؟ مناطق غنية محاطة كالسوار بمناطق يلفها حرمان لا يصدق. أطفالاً يتناولون الافطار “بالدور” كل في يومه. دولة لا تعتبرهم موجودون أساساً، لا يستطيع واحد منهم أن يدخل إلى قسم شرطة مطالباً بأي حق، ناهيك أن يكون هذا الحق لدى من يعلوه عدة خطوات في في السلم الاجتماعي المفترض كصاحب عمل، أو معتدي، أو “بيه” صدمه أو صدم ولد من أولاده بسيارته. يعامله الطبيب على إنه “حشرة” أتت لتزعجه من النوم السعيد، لا يتورع معظمهم عن اهانته وسبه. ولو وجد مبرر لهؤلاء يهلل له المجتمع مثل “وقف النصارى عند حدهم” فسيزول حتى آخر ما يمكن أن يزعج الضمير.

    تحياتي يا ألف

      سقراط @ 00:45 2006/05/02

عذرا، التعليقات مقفلة.