هذه الصفحة تعتمد على صفحات الطرز المتراصة (CSS)
| &lArr
2006/01/17

تعقيب على الهامش

بدأ هذا كرد على تعليقات لكنه طال كثيرا.

عندما أدفع بأن مكة كانت مدينة كوزموبوليتانية، تمر بها بضائع من أرجاء العالم و تتأثر بثقافات عديدة فهذا لا يعني أنه لا توجد مدن أخرى تتيح لمن يتحكم فيها انفتاحا أكثر على العالم، و أنها تكون عواصم أفضل. النظام العالمي الجديد الذي بدأت فورته الفتوحاتُ الإسلامية أدى إلى تغير الأدوار المطلوبة من عاصمة للدولة الناشئة. ما أقصده هو أن مكة لم تكن قرية منسية في وسط صحراء مجهولة، لكني لا أقصد أنها كانت عاصمة العالم و لا أنها تنافس الحواضر الكبرى.

لكن يبدو أن هناك سبب آخر لاختيار الشام، يعود إلى ما قبل الإسلام ببضعة أجيال.

لا أقلل من شأن العلاقات القبلية، على العكس، فالعلاقات القبلية كانت هي سبب منعة الأفراد التي اقترحتها عندما تحدثت عن حادثة الهجرة، و كانت هي السبب في الصراع بين الهاشميين و الأمويين، و لا أرى تعارضا بين الرأسمالية و القبلية، بل أن الثروة كانت من مقومات و مسوغات شرعية الزعامة القبلية بما لا يقل عن النسب. لاحظ أيضا أن العلاقات القبلية لها أبعاد أخرى غير الصلات الوراثية البيولوجية، فهناك الأحلاف و الموالي، كما أن معظم التجمعات القبلية الكبرى، و بالذات قريش، كانت عبارة عن تحالف من العشائر و ليست بالضرورة عائلة واحدة تنتمي لجد أعلى واحد حقيقي. ظل هذا يحدث حتى أوائل القرن العشرين (قبائل العتوب مثلا التي هاجرت من نجد لتحكم البحرين و الكويت فيما بعد).

بالطبع توجد فروقات بين الحضر و البدو، فمكة التي كانت قرية يسكن أهلها دُورا غير البادية التي يحمل سكانها بيوتهم على دوابهم و يتنقلون، و مثل أي مجتمع إنساني رأت كل مجموعة أنها أفضل من الأخرى لأسباب و اعتبارات ظنَّتها.

في رأيي أن أي مقارنة بين مجتمع غابر في القدم و مجتمعنا المعاصر لن تكون ذات معنى. و الممارسات التي قد ننتقدها في المجتمع العربي القديم كانت لها مبررات و أسباب وجيهة جدا في وقتها، كما كانت لها أصداء و مثيلات في معظم مجتمعات العالم. هي مرحلة من مراحل تطور المجتمعات البشرية و ليس لنا أن نحكم عليها أخلاقيا. هذا لا يسقط عنا واجبنا أن نعمل على تغيير مجتمعنا إلى الأفضل، متسلحين بمعرفتنا بما كان، مستفيدين من مكتسباتنا و غير مثقلين بأخطائنا لكن مدركين لكليهما و كيف و لماذا حدثت.

كذلك أرى أن معيار الحكم على تطور و أفضلية حضارة ما غير موضوعي بشكل عام و يصعب الحياد فيه. في يمكننا القول بأن حضارة الأمريكيين الأصليين الشماليين مثلا لم تكن حضارة لأنها لم تترك لنا أكثر من بضعة أشعار و مصنوعات يدوية بسيطة! أو أن معظم حضارات أفريقيا لم تكن حضارات لأنهم لم يخترعوا العجلة أبدا! لو رجعت إلى الأصول الأولى للحضارة اليونانية و الرومانية فستجد أنها لا تختلف كثيرا (إلا في الخلفية الطوبولجية و المناظر الطبيعية) عن حضارات شبه الجزيرة قبل الإسلام. و كما يدين العرب لجيرانهم الفرس و الشوام و المصريين بجزء كبير من أصول حضارتهم المادية، يدين اليونان و اللاتين لشعوب أقدم منهم بأشياء نحسبها من أساسيات حضاراتهم. نحن لا زلنا نجهل الكثير مما يمكن أن يوجد في الصحراء؛ هناك مدن في جنوب شبه الجزيرة كانت أيضا محطات عالمية للتجارة قبل مكة و الآن لا نعرف عنها سوى إشارات مبهمة في محكيات و أساطير. ربما هناك المزيد تحت الرمال، خصوصا لو قسنا على المكتشفات الأثرية في صحراوات وسط آسيا. لا أقول أن ما سنجده سيضاهي ما وجد في وادي النيل أو الفرات. الظروف مختلفة و معيار الحضارة مختلف.

أعتقد أنه طالما كان هناك بشر يتواصلون فيما بينهم و مع غيرهم فإن نشوء الحضارة حتمي. و الشيء الذي يصعب تصوره و يشكل عائقا هنا هو وجود اتصال بين قلة من سكان الصحراء المتفرقين الذين تفصل بينهم بحور رمال و جبال، و هذا شيء لا يمكن إدراكه إلا عندما تعايشه بنفسك. حتى مفهوم بسيط كمفهوم الجنة أو الجحيم سيختلف تماما لديك.

هناك أبيات شعر يُنسب - بغير توكيد - إلى يزيد بن معاوية ترديدها في مناسبة اختُلف عليها، و إن كان لم يؤلفها:

ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهـلوا واستهلوا فرحا ثم قالوا يا يزيد لا تشل
قد قتلنا القرم من ساداتهم وعدلناه ببدر فاعتدل
لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل

ربما كان يزيد أحد أكثر شخصيات التاريخ الإسلامي إنسانية، بمعنى أنه لم يتحول إلى قديس مُنزَّه و معصوم كما أصبح الآخرون، و لم يتحول إلى شيطان كما صُوّر القرشيون الذين لم يسلموا، بل ظل إنسانا!

(4) تعليقات

  1. Salam Ahmed,
    I agree with you
    Shokran
    Shaker

      Shaker BAshtak @ 21:40 2006/01/18

  2. لا أختلف في أن تقييم الحضارات هو أمر في منتهى الصعوبة والحياد به هو أمر صعب، ولكنني بالرغم من تقديري لكل عمل انساني عبر التاريخ يصعب علي الا أقارن الانجازات الانسانية باطارها الزمني
    وعلى الرغم من ان الحضارة اليونانية قد تركت اثرها على الفكر الفلسفي الى يومنا هذا وان الحضارة الرومانية قد اثرت على المفاهيم القانونية والسياسية والعسكرية ايضا الى يومنا هذا ولكن اعجازهم الحقيقي هو مقارنة ما انجزوه بباقي الشعوب والحضارات المعاصرة لهم
    لا اقلل اطلاقا من الحضارة الامريكية والافريقية والتي حملت الكثير من الفكر الانساني، ولكن ذلك لا يمنعني من مقارنتها بعصرها، فحتى عندما تاكل بعض الشعوب الافريقية لحم البشر في عصور قديمة لا أدينها عليه لانه يتفق مع مرحلة تطور معينة، ولكن عندما يشاع (بغض النظر عن صحة الخبر) عن احد الرؤساء الافارقة في القرن العشرين – بعد الانقلاب عليه – انه وجد في ثلاجته لحوم بشرية فهذا امر لا يمكنني ان افصله عن واقعه الزمني
    لذا فانني لا انكر ان هناك بعض الفكر الذي ظهر في الجزيرة العربية الذي يحتاج الى التقدير ولكنني لا استطيع ان افصل ذلك عن ان اقدم ما نعرفه هو من القرن السادس الميلادي بعد قرون طويلة من زوال حضارات الهند والفراعنة والبابليين واليونان وبداية اضمحلال الدولة الرومانية وكانوا هم لا زالوا في مراحلهم البدائية
    أما جنوب لجزيرة فهي المناطق المتاخمة لليمن وهناك كانت حضارة قديمة لا شك فيها

      Darsh-Safsata @ 15:50 2006/01/21

  3. طبعا لا يمكن وصف حضارات السكان الأصليين في الأمريكتين بأنها متأخرة لأنها إلى تعيش العصر الحجري، أو لأنها لم تبدأ الزراعة إلا بعد الميلاد بقرون، فتقنية الزراعة النيوليثية هي مستوردة من الهلال الخصيب، وأخذت وقتا طويلا حتى تعبر المحيط. الأمر ذاته ينطبق على نظام الأخلاق الذي يمنع التضحية البشرية، وأكل لحوم البشر هو أمر طقسي وليس ذوقا في الطعام أو اضطرارا له كما حدث أيام الشدة المستنصرية في مصر.

    أعتقد أن هناك من دارسي علوم الإناسة من يختارون أن لا يطلقوا على أي شعب اسم “البدائيين”، على الأقل قدر الإمكان.

      صاحب الأشجار @ 22:02 2006/01/21

  4. شاكر شكران!!
    أول مرة نتفق على حاجة :)

      ألِف @ 18:14 2006/01/25

عذرا، التعليقات مقفلة.