هذه الصفحة تعتمد على صفحات الطرز المتراصة (CSS)
| &lArr
2005/07/30

لندن = المترو

وطأت قدمي لندن ظهيرة يوم 28\6\2003؛ بعدها ببضع ساعات كنت في حديقة هايدبارك أحضر حفلة بون جوفي :)

قبل أن أصل المدينة لم تكن لدي أي توقعات، لا تقبل و و لا رفض، و هذه عادتي، لكن المدينة أسرتني منذ رأيتها من نافذة الطائرة في ذلك اليوم الصافي من أيام صيف قال الإنجليز أنه صيف رائع قلما يتكرر.

في اليوم التالي كنت اعتدت استخدام مترو الأنفاق كما لو كنت أستخدمه طوال عمري، مستعينا بخرائط صغيرة للخطوط توزع مجانا في المحطات، بلغت من الفخامة و الرفاهية أن في كل محطة توزع منها إلى جانب النسختين العامتين نسخة خاصة مطبوع عليها اسم المحطة و مُعلَّم فيها موقعها! ضمنتني صديقة لأشتري بطاقة اشتراك تغطي النطاقين الأولين من نطاقات المواصلات في المدينة فوق و تحت الأرض لمدة شهر مما يوفر الكثير من المال.

في ليلة ذلك اليوم تهت.

لم أته بالضبط فقدراتي الملاحية ليست سيئة أبدا…ما حدث هو أني ركبت قطارا من محطة في ضاحية إلى الشمال الغربي، بعيدة عن وسط المدينة، حيث كنت أزور أقاربا لي بعد أن ظللت أطوف و أزور معالم المدينة طوال اليوم، و توقف القطار لبعض الوقت في الطريق لعطل ما ثم تقرر أنه لن يكمل الخط حتى نهايته و أن المحطة التالية، بيكر ستريت بالقرب من حيث يسكن شرلوك هولمز ستكون النهائية لركاب هذه الرحلة. و مع أني كنت أنوي النزول في هذه المحطة في كل الأحوال لأغير الخط، إلا أن التوقف بسبب العطل تسبب في أن لا ألحق الخط الآخر قبل أن يقفل و بالتالي اضطررت لأن أغادر الأعماق إلى السطح و أبحث عن وسيلة أخرى، في منتصف الليل.

في منتصف الليل في لندن في ضاحية سكنية: لا يوجد إنسان في الطريق.

عند خروجي من المحطة بالضبط بدأت تمطر. هذا لا يضايقني، على العكس، فالمحرومون من أمثالنا يرحبون بالمطر خصوصا لو كان يهطل نظيفا من السماء و لا يتسبب في توحيل الشوارع عقب وصوله الأرض.

بعد استشارة سريعة لخريطة خطوط الحافلات التي أحملها، تبين لي أن خطا ليليا هو 13N يمر بالقرب من حيث أقف و يصل إلى محطة البيت.

لو كنت في مصر لما كان لي أمل في معرفة أين أقف لأنتظر الحافلة، ليس فقط لأنه لا توجد خرائط، لكن حتى لو عرفت أن الباص يمر من هذا الشارع، ففي أي تقاطع بسيط هناك على الأقل أربع محطات مختلفة، واحدة في كل اتجاه في كل شارع، دون الأخذ في الحسبان الخطوط المختلفة و تفرعاتها، أو أن يكون التقاطع لأكثر من شارعين.

و بالفعل كان علي أن أمشي بضعة مربعات سكنية لأصل إلى المحطة المطلوبة بعد أن حددت رقمها من الجدول و الخريطة الذي على المحطة نفسها.

لكني ما أن وصلت المحطة حتى قررت أن أستذكى: لاحظت أن هذه المحطة لا توجد بها آلة بيع تذاكر كما في الأخرى التي وقفت أخطط عندها، و بما أني يجب أن أشتري التذكرة قبل صعود الحافلة، فقد عدت ثانية إلى المحطة الأولى…على بعد مربعين سكنيين…تحت المطر، لأشتري تذكرة.

نظرة سريعة على واجهة المستخدم لآلة التذاكر عرفت منها: تضع قطعة النقود هنا و تضغط هنا فتخرج التذكرة من هنا. جميل. أخرجت قطعة نقد من فئة عشرة قروش…التذكرة أرخص من ذلك، و الآلة عليها تحذير أنها لا ترجع باقي، و الاسترليني بعشرة مصري، لكن معلش…هذه طوارئ. وضعت قطعة النقد لكن الآلة لم تخرج تذكرة، و لم تَرُدَّ العملة…كنت مستعدا لأن أبدأ الركل و الصياح بها كأي متخلف رماه حظه أن يجد نفسه مضطرا لأن يشغل معجل جزيئات سيكلوترون، لكني تمكنت من ضبطت أعصابي و أن أستحضر من العقل ما يكفي لأن أقرر أنني سأفعل هذا بكل تأكيد إذا فشلت التجربة الثانية.

نجحت التجربة الثانية، و لم أضطر للصراع مع الآلة الجهنمية. بعد ذلك بأيام عديدة لاحظت أنه يوجد إصداران من العملة فئة العشرة قروش، مختلفان في الوزن.

وقفت على المحطة أنتظر…ساعتان في سكون ليل لندن، تحت المطر. على باب المنزل خلفي وقف شاب إنجليزي يحادث فتاتين في حوارات شبابية بريطانية…بدا أنهم منتظرين الباص، أو أحدهم على الأقل. يتحمس الشاب الأشقر فجأة فينطلق نازلا درجات المدخل و مسندا قدميه إلى حافة السور على بعد خطوات ليقوم ببضع عدات من تمرين الضغط في استعراضية، قبل أن يعود أدراجه بنفس الخطوات المختالة المتحمسة التي نزل بها.

بعد قليل سألني الشاب إن كنت أريد بعضا مما يحتسون، فرفضت شاكرا، فسألني عما إذا كنت أشرب، فرددت عليه أن أحيانا، باقتضاب، مفوتا فرصة لبدء حديث…غلبت علي سلوكياتي القاهرية.

عندما ازدادت زخات المطر مرة أخرى، و كنت قد سعدت بالمطر بما يكفي، قررت أن أجرب شعور الوقفة على سلالم المنازل في الجفاف، فاعتليت سلالم المبنى الذي كان خلفي الذي اتضح أنه نُزُل، و وقفت إلى جانب باب ندماء الليلة، محتميا بمظلة الباب بعض الوقت، مسترقا النظر من زجاج الباب إلى الداخل الذي يبدو دافئا و وثيرا، قبل أن أنزل مرة أخرى إلى المحطة عندما توقف المطر من جديد بعد بضع دقائق. بعد قليل انضم إليّ عند المحطة شاب قمحي حليق الرأس يرتدي معطفا أسود جلديا طويلا.

وصلت الحافلة بعد ذلك بربع ساعة فركبنا و انضمت إلينا فتاة ممن كانتا تنتظران على الباب. أول ما لاحظت في الحافلة كان تجهيزات بيع التذاكر بجوار السائق. نظرت إلى تذكرتي التي حصلت عليها بعناء و أعطيتها إياه. كانت هذه أول مرة أركب فيها حافلة.

عندما تجاذبت أطراف الحديث مع الشاب القمحي عرفت منه أنه ماركو…إيطالي…صائغ…له في لندن شهر و سيمكث شهرا آخر…ويقصد نفس محطتي. حدثني عن كيف أن المصريين و الإيطاليين و كل البحرمتوسطيين يبدون أشبه ببعض و مختلفين عن البريطانيين الذين لا تعرف كيف تبدأ معهم حديثا لأن كل منهم في حاله و يتحاشى التقاء نظره بالآخرين. لم يبد هذا سيئا بالنسبة لي، فقلت له: انتظر حتى تزور القاهرة، ستحب لندن و أهل لندن. و حدثني عن أنه يحب أن يجد سوقا لمنتجاته في القاهرة و أن يزورها.

نزلنا من الحافلة في محطة سويس كوتاج، أقرب محطة للبيت على هذا الخط، و ودعت ماركو، و سرت المسافة الباقية في بضع دقائق. اكتشفت بعدها بأيام أنه كان يمكنني أن أسير المسافة من بيكر ستريت إلى المنزل في أقل بكثير من ساعة، بدلا من الساعتين اللتين أمضيتهما واقفا تحت المطر في انتطار حافلة الليل.

وصلت البيت قبيل الثالثة صباحا بكل سعادة، أقطر ماء كالخارج من الحمام، لأجد رفقاء السكن في النافذة و لأجد ابن خالتي التي كنت أزورها يحادث الشرطة ليبلغهم أن التائه قد وصل!

ركبت قطارات الأنفاق مرة على الأقل يوميا طوال الأيام السبعة و العشرين التالية - ما عدا الأيام التي قضيتها خارج لندن - و أحيانا الباصات، في تجوالي ماسحا المدينة بالطول و العرض مثل مَسّاحي البلدية و التخطيط، مغيرا من طرقي و مساراتي لأغطي أكبر قدر منها، و في كل يوم كنت أكتشف جديدا حتى في الشوارع التي كنت أمر منها كل يوم.

هناك إيتيكيت السلالم المتحركة يقضي بالوقوف على الجانب الأيمن و ترك الأيسر للمستعجلين. في القاهرة في فترة من الفترات، أوقف عساكر في المحطات مهمتهم منع الركاب من المشي على السلالم المتحركة!

و كان من أول ما لاحظت في محطات المترو هو عدم وجود سلال مهملات، و حتى في المحطات التي بدا أنه كانت توجد بها مثل هذه السلال فإن السلال أزيلت و فتحاتها في الجدران سُدَّتْ. بدلا من السلال فإن شركة المترو توظف عمال نظافة، كل من رأيت منهم كانوا من السود، يجوبون المحطات جيئة و ذهابا بمماسح و مكانس، و يجمعون أغلفة الأطعمة و زجاجات المشروبات التي يتركها غالبا السائحون و أحيانا اللندنيون. استنتجت أن السبب هو الخوف من الإرهاب.

نظام مترو أنفاق لندن هو الأقدم في العالم؛ أكثر من مئة و خمسين عاما، و هو بخرائطه و شعاره جزء أساسي من شخصية المدينة وثقافتها و حياة أهلها و رمز لها لها تراه حولك في الأدب و الإعلام و المطبوعات و الدعاية.

المحطات متابينة في الطرز المعمارية، ما بين القديمة من عصور مختلفة و الحداثية، و إن كانت الشركة منذ توحيدها و خصخصتها تعمل على تحديث الشبكة بأكملها و تحسين المحطات و تحسين الخدمات و تقليل الأعطال و أثر الإضرابات، و مع هذا فإن اللندنيين يتذكرون أياما أفضل و يطالبون بالمزيد.

عربات الخطوط الجديدة وثيرة لكن مدمجة، طرقاتها ضيقة و أسقفها منخفضة و القطارات تكاد تلامس جدران الأنفاق الأنبوبية مفردة الاتجاه. مع الزحام في الأيام الحارة، تكون لعنة، و إذا ضربت البلاد موجة حارة مثلما حدث بعد أن غادرت البلاد، لن تجد صعوبة في تخيل نفسك في اتوبيس 21 في العتبة؛ انسى الأدب و الذوق الإنجليزيين.

الخطوط القديمة عرباتها أكبر و صندوقية الشكل مثل خط القاهرة الأقدم، و محطاتها تذكرك بأفلام الحرب العالمية الأولى. عند وصول القطارات إلى بعض المحطات يتردد في مجاهير الصوت نداء حاذر الهوة لتنبيه الركاب إلى المسافة غير الصغيرة بين أبواب بعض العربات و رصيف المحطة و التي تحتاج إلى خطوة واسعة أو قفزة صغيرة، حسب إمكاناتك، لعبورها. هذا النداء الذي أصبح علامة مميزة لمترو لندن.

عمال المحطات متعاونون و متأهبون للمساعدة، و طوابير التذاكر على الشبابيك أو ماكينات بيع التذاكر منظمة و سريعة. عندما يتعطل المترو لسبب ما لمدة طويلة فإن الشركة تسير حافلات بين المحطات المتأثرة؛ مجانا.

مشكلة المترو الوحيدة هي أنك لا تحس بالاتجاهات و علاقات الأماكن في المدينة أثناء انتقالك، لذلك فالباصات أنسب للسائح غير المتعجل، و الذي يحب الإلمام بالمدن.

هذه المدونة موضوعها المترو.

…و بعد التفجيرات الأخيرة، هذا ما أصبح عليه ركاب المترو و إن كان مهووسو المترو منهم يقاومون.

(5) تعليقات

  1. لم أبدأ القراءة بعد، بس الخلفيّة عاجباني :)
    ـ

      R @ 11:44 2005/07/30

  2. أيوة يا راء كنت هاقولها، اللي استقطبني للتدوينة ديه الخلفية بتاعتها.

      الست نعامة @ 10:24 2005/07/31

  3. أنا قرأتها كاملة
    تحتاج صبر
    لكن ممتعة جدا

      Ebles @ 20:46 2005/08/04

  4. ما تزال خريطة المترو معي …
    احب ان اراها
    وان امرر اصبعي على الخط اللي كنا نركبه

    ذهبت شهر الى لندن ولم اجرؤ على ان
    اخرج من بيت أخي وحدي ابدا

    و علاقتي بالمترو كانت سيئة
    لاني ما ان وصلت للمطار استقبلني اخي
    و رحنا ركبنا المترو
    كان الجو ممطرا
    والرطوبة خانقة
    غرقنا في عرقنا
    ولم نجد كراسي
    وقفنا لانها كانت ساعة الذروة

    ولم استوعب الى حد الان لماذا لا ينظر الناس للناس هناك ابدا
    ماذا فيها لو تبادلوا التحية او تمتمموا ببضع كلمات ؟

    و احنا على تلك الوقفة
    البعض طلع كتابه وقعد يقرا
    و هو واقف
    اي قراءة
    واي تركيز؟

    قال لي اخي
    انهم لا يقرأون حقا بل يتجنبون النظر للاخرين بهذه الطريقة

    شكرا على تدوينتك الحلوة

      Tara @ 19:01 2005/08/20

  5. انا حتى الآن أحياناً بصرح و بفكر، انت عملتها ازاى .. و برضه مش بعرف
    في تدوينات كتير ببقي محتاج اعمل خلفية زى دى، بس بفشل
    يلا خير، مصير التنين البمبي يخرج و يعلمها لى

      بيسو @ 20:59 2006/05/11

عذرا، التعليقات مقفلة.