هذه الصفحة تعتمد على صفحات الطرز المتراصة (CSS)
| &lArr
2005/01/29

المحرقة و السبط الثالث عشر

يغضب اليهود المتعصبون من أي مقارنة بما حدث في المحرقة الشهيرة بالهولوكوست في الحرب العالمية الثانية على يد النازيين، و يحاجّون بأنه لا يوجد ما يقاربها. أي أنهم يكافحون بكل السبل لإبقاء أسطورة المحرقة متفردة و متمايزة عن كل مصائب البشر الأخرى، و بغض النظر عن مدى المبالغة أو تضخم الأرقام التي يتبناها اليهود رسميا و يروجونها في الذكرى السنوية للمحرقة التي مرت هذه الأيام الماضية، و يكرسونها في المتاحف و النصب التذكارية، و يخلدونها في الأفلام و الكتابات.

مآسي شعب الله المختار لا ينبغي أن تكون مثل أي مأساة أخرى.

نجح اليهود في تأصيل عقدة الذنب العميقة من النوع المستعصي في ضمير العالم الغرب عموما و الشعب الألماني خصوصا، بحيث لم تكفي الاعتذارات و التعويضات و المساعدات التي قدمها الألمان إلى إسرائيل باعتبارها وريثة و ممثل اليهود في العالم، بل أيضا ابتزاز الألمان في كل المواقف لانتزاع دعمهم في المناسبات الدولية، أو على الأقل صمتهم عن تجاوزاتهم عن تصرفات إسرائيل أو حقوق الآخرين عندها.

و بهذا تكون إسرائيل قد ضمنت حياد الأوربيين و إبقائهم تحت السيطرة بجرعات الندم المركز، و بالطبع ولاء الأمريكيين في شرائحهم المتعاطفة دينيا من الأصل مع اليهود.

الحقيقة أن المحرقة كانت نتيجة للفكر الذي أشاعه اليهود عن أنفسهم بأنفسهم: فكرة أن اليهود في العالم كله ينحدرون من أصل واحد، و ترسيخ فكرة العرق اليهودي و هي فكرة غريبة جدا تخلط بين معتقد ديني و مفاهيم عرقية إثنية تتعارض مع أساس كل من المجالين. و مع هذا يسكت الأكاديميون الغربيون عن هذه النقطة و يتجاوزونها في صمت في معظم الأحيان.

لهذا، فقد آمن هتلر بأن الحل الأمثل لمشكلة اليهود يتمثل في التخلص منهم، فيريحون العالم و يستريحون من شقائهم الممتد عبر العصور، مثل المريض الميئوس من شفائه.

في العالم العربي هناك من يشمت و يسخر و يهوّن من شأن المحرقة من منطلق وطني أو ديني معادي لليهود في خلط ما بين اليهودية و الصهيونية، و هناك من يباري الأوربيين و الأمريكيين في التعاطف مع المحرقة كدليل على التحضر و عدم التعصب، و درءا لتهمة معاداة السامية. و أيا كان الموقف من هذه القضية فإنه يكون مشوبا دائما بالحساسية بسبب الصراع العربي الإسرائيلي.

هذه النقطة الأخيرة خطيرة جدا و مرتبطة كما قلت بالمحرقة باعتبار أن معاداة السامية هي نتيجة فكرة توحد العرق و الدين في كيان واحد التي روج لها اليهود و آمنوا بها.

و بما أني لا أكل و لا أمل من تكرار ما أراه كافيا لتفنيد هذه التهمة، فسوف أقوم بذلك مرة أخرى هنا. سوف نتغاضى مؤقتا عن عدم دقة ألفاظ معينة و صدقها علميا، لنعود إليها في ما بعد، و لنتناول أولا النصف الأول منها، و هو المعاداة:

مبدئيا هذه التهمة و إن جازت أيضا بشكل مؤقت، على العالم كله لا يمكن أن تجوز على مواطني الدول العربية، سواء الساميين أصلا مثل شعوب شبه الجزيرة العربية و معظم سكان الشام و جزء كبير من سكان العراق، أو من خالط هذه الشعوب في البلاد العربية في شمال أفريقيا. و توجيه هذه التهمة لأي عربي هو من قبيل الاتهام بمعاداة الذات.

فإذا عدنا للنصف الثاني و هو السامية و المقصود به سامية الشعب اليهودي، وجدنا أن الغالبية العظمى من يهود العالم لا يمكن بحال من الأحوال أن يكونوا ساميين. فهؤلاء اليهود الروس و الأوكرانيين و البولنديين و الأوربيين الشرقيين الآخرين، أو الغربيين من الشقر و الحمر، زرق و خضر العيون لا تجري في عروق أي منهم دماء تمتُّ لإسحق و أولاده بصلة، و لن تجد في خرائطهم الجينية دليلا لهذا النسب المزعوم. و إن وجد فسيكون مخففا كنقطة حبر في محيط، بحيث يكون ممكنا بعدها أن أدعي وجود سلف لي من قبائل السِيوكْسْ الأمريكية باعتبار أننا كلنا بشر!

من أين إذن جاء كل هؤلاء اليهود؟

في القرن الثامن، تحول شعب كامل هو شعب الخَزَر إلى اليهودية!

هذا الشعب التركي الذي كان يسكن القوقاز حول نهر الفولجا (أتل) بين البحر الأسود و بحر قزوين (بحر الخزر). كان لهم شأن و وزن سياسي، فشكلوا في البداية خط دفاع متقدم للبيزنطيين و حائلا أمام اجتياح العرب أوربا في حروب دامت قرنا من الزمان، و إن كانت علاقاتهم بالعرب قد اتخذت شكلا وديا فيما بعد، إلى أن قضى الروس على دولتهم في النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي، و إن كانوا احتفظوا باستقلال شكلي داخل حدود أضيق، إلى أن سقطوا فريسة غارات المغول في منتصف القرن الثالث عشر فساهمت جالياتهم في شرق أوربا في تكوين جاليات اليهود فيها، و فيما بعد في أمريكا الشمالية.

يقول كوستلر في كتابه القبيلة الثالثة عشرة و على الأرجح في سنة 740م اعتنق ملك الخزر و حاشيته و الطبقة العسكرية الحاكمة الديانة اليهودية و أصبحت اليهودية الدين الرسمي لدولة الخزر، و لا شك أن معاصريهم أصابتهم الدهشة لهذا القرار بالقدر الذي أصاب الباحثين المعاصرين عندما اطلعوا على ما يثبت ذلك في المصادر العربية و البيزنطية و الروسية و العبرية.

أما سبب تهود الخزر فهو محاولتهم أن يظلوا متميزين عن الإمبراطوريتين العربية الإسلامية و البيزنطية المسيحية اللتان كانتا تحيطان بها، و دفعا لأن يتم تمثلهم و إدماجهم في أيهما.

هذا ما ذهب إليه مؤرخون يهود من أمثال النمساوي المجري أرثر كوستلر سالف الذكر، و أبراهام بولياك الروسي المولد، بالرغم من محاولة العنصريين اليهود إثبات بطلان آرائهم.

و أين ذهبت سلالة العبرانيين، أحفاد اليهود التوراتيين؟

هم اليهود العرب، الذين اندمجوا في المجتمعات العربية في العراق و الشام و مصر و المغرب؛ دخلوا أيبيريا مع العرب و خرجوا منها معهم، فعاد منهم من عاد إلى بلاد العرب، و هاجر منهم إلى أمريكا الجنوبية من هاجر، و تنصر من تنصر و أسلم من أسلم و بقي على يهوديته من بقي، و عاشوا في بلادهم العربية حتى منتصف القرن العشرين. المهم أنهم ليسوا كيانا منفصلا عن التاريخ.

و لن أعرض أمر يهود الهند و الصين و الفلاشة الأفارقة.

الحقيقة أنني أثناء تدويني لتفنيد تلك الأفكار هذه المرة صدمتني مدى عبثيتها..فإذا كان من غير الممكن الإدعاء بنقاء ملايين الساميين في شبه الجزيرة العربية لاختلاطهم بالشعوب الأخرى المحيطة منذ فجر الإنسانية، فكيف يمكن للصهاينة إقناع العالم بالنقاء العرقي للشعب اليهودي المتشرذم ضئيل العدد؟!

يبلغ العبث أقصاه عندما نعلم أن مصطلح السامية من الأساس هو مصطلح فارغ من المعنى لأنه يستند على رواية الميثولوجيا التوراتية لتاريخ البشر، التي مثلها مثل كل الميثولوجيا القديمة للبشر تحاول تفسير الكون بأفكار تمثل طفولة العقل البشري؛ نستمتع بها..ندرسها في مجالها..لكن لا نعتمد عليها كمصادر تاريخية دقيقة.

في النهاية أقول:

هل محرقة اليهود أفظع من إبادة المستمرة للأمريكيين الأصليين في الأمريكتين الشمالية و الجنوبية منذ القرن الخامس عشر، و أشنع من مذابح الأرمن على يد الأتراك في 1915، و أكثر ترويعا من مجازر التوتسي و الهوتو طوال عقود، و البوسنيين في نهاية القرن الماضي!

لا أقول أن اليهود أقل من غيرهم، و لكنهم أيضا ليسوا أفضل من الغجر و الشيوعيون و الأقليات الأخرى التي قتلوا معهم لأن النازيين، بعقيدة التفوق الآري، وجدوا أن هذا أفضل للبشرية! هذه الظاهرة التي يسميها المسيري الأيقنة، أي تسليط الضوء على حدث معين باعتباره الوحيد من فئته أمر خطير، إنما يجب وضعه في مكانه الطبيعي في الضمير الإنساني الجمعي.

لو كان من الحيوانات مؤرخون لسمعنا حكايات انتصارات الأسود الشجعان على الصيادين. - مَثَلٌ أفريقي

(4) تعليقات

  1. كلامك يا ألف قرأته في كتاب جمال حمدان اليهود أنثروبولوجيا
    و هو كتاب جيد يناقش نفس القضايا( القبيلة الثالثة عشر ، اليهود حول العالم ،يهود الخزر ، السامية …الخ) بأسلوب جمال حمدان المميز لغويا و علميا و ان كاد أن يغلب عليه الغضب و الحماس في أحيان قليلة…

      Mohammed @ 01:59 2005/01/30

  2. يا ألف ماذا حدث للمدونة؟ padding-right=0؟
    بس

      عمر العربي @ 05:24 2005/01/30

  3. لم أقرأ كتاب حمدان، يا محمد، لكني قرأت كتاب كوستلر منذ فترة طويلة، الأفكار ليست جديدة و لكن نحتاج لتعريف الناس بها لكي لا يقعوا ضحية الابتزاز الفكري.

    يا عمر: أشكرك، هناك بقة في متصفح إنترنت إكسبلورر كالعادة لم أنتبه لها. أصلحتها الآن.

      ألِف @ 15:19 2005/02/01

  4. اتفق معك حول مسألة تضخيم الهلوكوست..في امريكا تستطيع علنا سب الله والتهكم علي الانبياء وكل ما هو مقدس لكن اياك والهلوكوست … لكنك لم تعطي اجابة علي السؤال الذي يطرح نفسه بقوة.. كيف نتعامل مع اسرائيل هل نستمر في الصراع الدموي ام نتوجه الي محبي السلام منهم نشجعهم ونمد الايدي ونظهر لهم اننا لسنا محبي ارهاق دماء اننا فقط نريد التعايش السلمي وارض للشعبين؟

      sonofegypt @ 01:52 2005/10/21

عذرا، التعليقات مقفلة.