هذه الصفحة تعتمد على صفحات الطرز المتراصة (CSS)
| &lArr
2004/10/28

ضريبة الحرية: جدال مفتوح

صحيح أن التبدل و التغير الدائم هو صفة أصيلة في بنية إنترنت، بحيث لا يمكن أن يوجد خريطةمخطط أو رسم بياني يعبر عن حالتها في لحظة ما تعبيرا متناهيا في دقته، غير أن صفة التطور الدائم هذه لا تشغل غير المختصين بإنترنت نفسها، و لا تكاد تمس معظم مستخدميها إلا في أحوال محددة مثل حالات انتقال المحتوى و تقادم الروابط. و حتى هذه المشكلات تجد من يعمل على حلها و نستطيع أن نقول أنه في المستقبل القريب ستوجد طبقة أخرى من التقنيات التي تعمل على جعل هذه الصفة غير ظاهرة بحيث تعزل هذه الآليات و تجعلها شفافة بالنسبة للغالبية العظمى من التطبيقات.

إن هموما مثل التوثيق و صحة البيانات و منع الإنكار قد وجدت في تقنيات التوقيع الرقمي حلولا لها، بينما سيظل مدى الثقة في مصداقية المحتوى دائما متروكا لحكم المتلقي، تماما مثلما كان الحال على طول الزمان مع كل وسائل الاتصال و حفظ المعرفة الأخرى. فعلى غير ما قد يتراءى لبعض مستخدمي إنترنت الجدد، أو ربما كما يدور في خلد الكثيرين منهم، لا تحمل إنترنت مصداقية مطلقة، بل إن قوتها تكمن في عكس ذلك تماما، و هو أمر يجب التوكيد عليه دائما.

يطرح المحتوى المفتوح على إنترنت أسئلة من نوع مختلف، لا تتعلق ببنية إنترنت بقدر ما تتعلق بمستخدميها أنفسهم، الذين هم في وقت واحد متلقو و واضعو هذا المحتوى.

مثال على ذلك منظومات ويكي التي بدأت مع ويكيبيديا-الموسوعة الحرة (التي أسسها جيمي ويلز)، ثم بدأت بالانتشار في مجالات عديدة: من شبكات إنترانت، إلى نظم معرفة الدعم الفني للبرمجيات، و غيرها. و التي يعتبرها المحللون الشيء الجديد القادم بعد البلوج، كما أنها تكتسب تدريجيا شعبية و اعتمادية متزايدين في أوساط الصحفيين و الطلاب باعتبارها مرجعا موثوقا به.

تتيح أنظمة ويكي للعديد من المستخدمين المشاركة في تحرير المحتوى الذي تضمه، و بغض النظر عن كيفية تحديد من لهم حقوق التعديل و المستويات المختلفة لهذه الحقوق، و التي يمكن أن تنحصر في مجموعة صغيرة من المستخدمين أو أن تكون مفتوحة لكل مستخدمي إنترنت كما هي الحال في الموسوعة، فإن فكرة أن أكثر من شخص بإمكانهم أن يعدلوا نفس المحتوى بشكل لا مركزي و دون الرجوع إلى طرف ثالث يمكن أن يسبب حلقة مفرغة من التعديل\إعادة التعديل لا نهاية لها، تصاحبها بالطبع نقاشات جانبية على هامش المحتوى يحاول فيها كل طرف إثبات وجاهة رأيه و جدارته بالبقاء.

و الفكرة هي أن هذه الصراعات حول المحتوى مفيدة بحيث أن وجود عدد كبير جدا من المحررين و المراجعين يؤدي إلى بقاء المعلومات الصحيحة بينما تخرج المعلومات غير الصحيحة ويقل التحيز الفكري في النظام خلال عمليات التحرير المتعاقبة بحيث تعكس في النهاية فكر العقل الجمعي لمجتمع مستخدميها.

هنا نجد أن بعض الموضوعات تصل بشكل سريع نسبيا إلى حالة من الاستقرار ترضي المجموعة النشطة من المحررين، يظل بعدها المحتوى محل الاهتمام ساكنا لفترة. إلى أن يجِّد جديد أو ينضم قادم جديد إلى مجتمع المهتمين\المحررين فيقوم بإحداث تغيير يتسبب في تفاعل متسلسل من التعديلات. تماما مثل كومة الرمال التي ما أن نسقط عليها حفنة من الرمل حتى تأخذها سلسلة من الانهيارات و إعادة التبدل حتى تسكن. و عادة ما تكون مواضيع العلوم الطبيعية عموما أكثر ثباتا و أقل حساسية، في حين أن الموضوعات المتعلقة بالسياسة و الأحداث الجارية و الأديان و الفلسفة، و ربما العلوم الإنسانية بوجه عام هي غالبا أقل استقرارا. أي أن درجة خمول أو نشاط الموضوعات تختلف حسب طبيعتها، و كذلك عتبة استثارتها.

ويكيبيديا الإنجليزية تضرب مثالا بمدخلاتها عن موضوعات مثيرة للجدل مثل الرأسمالية، التطور الأحيائي، الإسلام، الإجهاض، و غيرها، و كيف أنها دخلت في دورات عديدة، و أحيانا عنيفة من التعديل و التبديل إلى أن وصلت إلى توازنات يقبلها عموم المتلقين، حسب زعمهم. أو ما يسميه هذا المقال حروب الويكي التي تدور الآن حول مدخلات ويكيبيديا عن بوش و منافسه كيري. و هذا ما أدركه المصممون، حيث أتيحت لمديري هذه النظم آليات تمكنهم من تجميد أجزاء من المحتوى لفرض أجواء هدنة عليها في حالة الضرورة و ظهور التخريب المتعمد.

مع كل هذا - وربما بسببه - فإن ويكيبيديا تفتخر بأن لديها مدخلات أكمل و أكثر توازنا مما يوجد في أي موسوعة أخرى عن مواضيع جدلية عدة و أن باحثين قد قاموا بدراسة ما يتوافر لها من قدرة على تحييد الجدل الذي عادة ما يكون عنيفا حول هذه الموضوعات، مع أنها ستظل دائما مسودة موسوعة و عملا لم يكتمل.

10:01 01-11-2004

طرأ لي أنني كان يمكنني أن أسمي هذا المقال "ضريبة الديموقراطية". فتجربة المحتوى المفتوح تجربة في ديموقراطية المعرفة، و في كتابة التاريخ، و في تحديد دلالات المصطلحات. يميزها أن الحرية فيها هي الأصل، بينما تأتي إجراءات التصدي للفوضوية كرد فعل، أو لنقل رقابة لاحقة.

تعليق واحد

  1. بجعل كلامنا خفيفاً على محترفي إفساد التوازُن…
    كلامك يطمئنني لكنّ وساوسي تمنعني من التصديق!
    أتصوّر مثلاً أحد الذين لا أريد تسميتهم، يدخل على موقع لا يعجبه، ويقرر قيادة حملة (مع عزوة من أيّ قطيعٍ ينتمي إليه) فيقودون أحد تلك الهجومات التي لا يعلم مصيرها إلا الله.
    أفكّر أيضاً في القُرّاء، الذين لا يعلم أحد متى يقرأون وكيف يُشيرون إلى ما يتمّ تعديله بحرّيّة شبه تامّة…
    أخيراً.. أعترِف.. نعم شاهدتُ النسخةً الأمريكيّة لفيلم المصير الذي شاهدته في مصر ثلاث مرّات من قبل…
    تذكّرتُ -ببعض الأسى- قصّة حرق فيلم المُهاجِر.
    نعم ، أعجبني ذاك الفيلم.
    نعم.. لا أصدّق أن يُصادَر فيلم، وتُمنع جميع نسخه من العرض في العالم.
    نعم.. لا عِلاقة بين الموضوعَين
    ونعم.. سأدخل لأنام…
    ـ

      R @ 09:27 2004/10/30

عذرا، التعليقات مقفلة.