هذه الصفحة تعتمد على صفحات الطرز المتراصة (CSS)
| &lArr
2004/10/10

مطروح 04‘

معقولة! و لا قرطاس بوظة واحد في مطروح كلها!

يومئ لي بائع أن قد نفذ، و يقول آخر كل سنة و أنت طيب! الثلاجات كلها خاوية، و حتى المحل الذي لمحت يافطته عن بعد تحمل دعاية لبوظة نستله، اتضح عندما اقتربت منه أنه يبيع الكتب المستعملة!!

صحيح أن المدينة كانت خاوية، و كثير من الفنادق و المطاعم قد أقفلت أبوبها، و نوافذها، بألواح الخشب و الطوب، و دخلت في سبات شتوي سيدوم حتى الصيف القادم، و لكن هكذا أحب هذه المدينة.

في اليوم الأول تجولنا إلى الشرق من المدينة، في البوسيت و حمام كليوباترا، و الأُبَيِّض و عجيبة. ثم إلى ما وراء ذلك قليلا حيث لم تمتد المستعمرات بعد، و حيث لم يبع البدو كل المواقع المتميزة من أرضهم لزوار الصيف. هناك، زادت كثافة شباك صيد السِّمان، و لمحت عددا من السكان يحملون بنادق الصيد.

نَمَت هذه المدينة و اتسعت كثيرا. بعض التطور فيها إلى الأحسن، و بعضه كان يمكن أن يكون أحسن. أتمنى أن تبقى مناطق البدو فيها كما هي لأطول فترة ممكنة قبل أن تتوحش.

في مدخل المدينة و مركزها الحضري القديم يتجاور مبنى مديرية الأمن و بيت المحافظ، كما هو متوقع في مدينة ريفية!

تنتشر في الأسواق محال العطارين الذين تزدحم الأرصفة أمامهم بخلطات الأعشاب لكل الأدواء: الصداع و الأعين و الأمعاء و الجنس و المفاصل، بينما اختفت فرشات النسوة البدويات اللائي كن يعرضن عليها مشغولاتهن اليدوية، ربما بسبب انقضاء الموسم.

السائحون القليلون الذين تراهم في هذا الوقت حضروا من أوروبا، و من آسيا، و بعض الأسر المصرية و الليبيون، يلتقون في بضع الفنادق القليلة المفتوحة.

لم أر سوى ثلاث بقرات في ثلاثة أيام: واحدة تتمشى في شارع صغير يفضي إلى الكورنيش، و أخريان ترعيان في رقعة خضراء صغيرة في ميدان على مدخل جسر روميل الجديد الذي أكرهه. هذا الجسر ليس له ضرورة. و لو افترضنا أنه لا بد منه، فقد كان من الممكن أن يكون جسرا خفيفا رشيقا بدلا من كتلة الردم و الرصف الذي هو عليها الآن، و التي ستخنق الخليج الصغير وراءها.

ما زال متحف كهف روميل كما أذكره، و لكننا لم نزر متحف العلمين هذه المرة.

و لم أر كارِتَّة واحدة.

روت أمي حكاية كيف أنها اكتشفت في الثمانينات أنها نزلت في السبعينات، قبل أن تتزوج، في ذات الغرفة التي كان أبي قد نزل فيها قبلها في الستينات، في الفندق الذي كانت تديره عائلة يونانية في المدينة!

هنا يأسرك السرير في التاسعة مساء و لا يحررك قبل الثامنة من الصباح التالي . عمي بهاء، رفيق غرفتي، الذي يعتقد لسبب ما أن النوم مبكرا عار على البشرية، استسلم هو أيضا. لكن ليس قبل أن يعد كوبا من الشاي. هو مشهور في العائلة بحبه الأسطوري للشاي و الحلاوة الطحينية. حُبَّان تمكنا منه أيام خدمته في الجيش، في 73، كما يقال. كان يستيقظ في منتصف الليل الطويل ليعد كوبا آخر، يظل بعده يجاهد النوم حتى يسقط و شاشة التلفاز لا تزال تتألق. يستيقظ بعد بضع ساعات صباحا ليعد كوبا آخر يبدأ به يومه.

تكاثفت الغيوم في النهار الأخير؛ كان مضيئا بغير شمس مباشرة إلا من حين إلى حين عندما تجد أشعة الشمس لها منذفا بين السحب فتزداد الوجوه و الصحراء جمالا، و تتجلى زرقات البحر. حيَّتنا زخَّات خفيفة أثناء تناولنا الإفطار في شرفة بهو الفندق المطلة على الكورنيش، و كان الهواء ساكنا تماما، و كذلك البحر. عكس اليوم الذي سبقه عندما ذهبنا للسباحة في شاطئ الأُبَيِّض، حيث كانت الرياح سريعة نوعا.

آخر زيارة لي كانت في أغسطس 1994، كان موسم التصييف لا يزال في ذروته، و كنت قد خرجت لتوّي من امتحانات الثانوية العامة - في انتظار النتيجة. كنا في صحبة عائلة صديقة.

قبلها كانت لنا زيارة صيف 1985، و قبلها في نهاية صيف 1982 إلى سيدي عبد الرحمن في فندق العلمين الرائع. توقفنا عنده في طريقنا إلى القاهرة أمس بصحبة أصدقاءنا، و ليتناول عمي الشاي الذي كان قد استنفذ مئونة الطريق منه. مازال تقريبا كما أذكره؛ وديع. صالة البلياردو التي كنت أجلس فيها طفلا أراقب الرجال و هم يلعبون مساء. اختفت الصوفة الأرجوحة، و حل ملعب كريكيت محل ذلك الجزء من الحديقة، و لكن النخيل كان ملآنا بالبلح، و الجهنمية تلتهب بألوان النار.

الطريق الساحلي تغير كثيرا: نبتت عليه مستعمرات ساحلية، و اختفت معظم تلاله الجيرية البيضاء. نِمت في الطريق و لم أتمكن من التحقق من كنه ما أعتقد أنه معبد لباخوس في المنطقة التي تسمى بغُّوش - بضعة كيلومترات إلى الغرب من مارينا.

مررنا على مقابر جنود الحرب العالمية الثانية في الطريق. تعجب عمّي: "كل هؤلاء؛ الألمان و الطليان و اليونان، يأتون ليموتوا و يدفنوا هنا في مصر!". جالت سريعا بخاطري أفكار عدة من نوعية ما لا يذاع غيره في نشرات الأخبار هذه الأيام، قبل أن أطردها جميعا و أسرح في الصحراء التي تظللها الغيوم.

من لم ير مطروح و العلمين، لا يمكنه تصور ما هي الرمال باهرة البياض ، تغسلها أمواج بحر به من درجات الزرقة أكثر مما أستطيع أن احصي.

الرِّحْلَةُ هِيَ الغَايَةُ

لا تعليقات

عذرا، التعليقات مقفلة.