هذه الصفحة تعتمد على صفحات الطرز المتراصة (CSS)
| &lArr
2004/09/01

رسالة: لغتنا العربية

هذا نص رسالة كنت قد كتبتها مساهمة في جدل دار في مجموعة PTP و هي تحوي إشارات إلى ما كتبه آخرون و لكن للأسف الولوج إلى أرشيف رسائل المجموعة حكر على أعضائها.

اسمحوا لي أن أُدلي بدلوي في هذا النقاش الذي تابعته بأثر رجعي بسبب سفري، و أنا من أشد المتحمسين له. و بالمناسبة؛ أنا كنت في زيارة لدولة عربية تكاد تخلوا من اللغات الأجنبية: سوريا. و هو أمر لا آخذه عليهم أبدا بل على العكس.

أولا، تعليق على سبب بدء هذا النقاش؛ يا ست نوجا: كلمة "مزة" ليست إهانة و ليست كلمة قبيحة. مجرد إطراء ذكوري فظ على جمال أنثوي. هذا يجعلني أفكر: كثير من الشابات المصريات لا يعرفن معاني الكلمات الدارجة الشوارعية، و تتكون لديهن فكرة سطحية أنها كلمات "عيب"! صحيح أن بعضها كذلك، لكن حتى هذا لا يمنع من معرفة معناها، و ليس بالضرورة استخدامها، فهي لغة معظم أخوتك في الوطن!

أنا مع علاء فيما قاله أن الموضوع متعلق بالانتماء و بالهوية، و أنا اعتقد أن الموضوع يتعلق بالإرادة و قوة الشخصية أيضا، و بقدرة الفرد على أن يتحدث بالأسلوب الذي يراه مناسبا دون خشية سخرية الآخرين، و هو ما نراه للأسف عندما يلجأ شخص للتعبير بكلمة عربية عندما تكون الكلمة الشائعة عامية أو من لغة أجنبية!

لكن ما لا أستطيع أن أقبله هو الإدعاء بحاجة الكاتب بالعربية إلى أضعاف عدد الكلمات و الجمل لأداء نفس المعنى الذي تؤديه لغات أخرى. فهذا بالتأكيد مؤشر على ضعف الكاتب/المترجم و ليس اللغة [يا علاء؟]، و خصوصا عندما تكون الترجمة حرفية، كلمة بكلمة، أو عندما نفكر بلغة و نكتب بأخرى، حيث أن اللغة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمنطق و صيرورات التفكير. و الخض (shuffling) الذي نحتاجه هو للعقول أكثر منه للغة.

نرى مشكلة الإطالة الركيكة هذه غالبا في أسلوب الكتابة الصحفية السائد، التي يعتقد أصحابه أنهم به يسهلون على العامة و البسطاء الفهم، فيلجئون إلى اللف و الدوران و الحشو بكلمات مثل "قد" و "تم"، و إلى شرح المعنى مرارا و تكرار بجمل طويلة بدلا من أن تواتيهم الشجاعة لاستخدام المصطلحات و الصيغ و التراكيب اللغوية المحكمة التي تؤدي المعنى. المحصلة النهائية هي التدني المستمر في المستوى اللغوي و بالتالي المعرفي للعامة. وحده التدريب يرفع المستوى، بالضبط كما ندفع عضلاتنا إلى أقصى إمكاناتها عند التمرين.

نلحظ هذا أيضا في الكتابة الفنية و العلمية؛ و خصوصا في مجال المعلوماتية و الحوسبة. و أكاد أجزم أنه أيضا كذلك في مجال العلوم الأساسية المتقدمة، لولا أن الكتابة بالعربية فيها تكاد تكون منعدمة في مصر، مع أنه توجد مطبوعات علمية عربية - حتى و إن كانت ترجمات لأخرى أجنبية - يصدر أفضلها في دول خليجية مثل الكويت، تكاد تعمل على تأسيس قاعدة مصطلحية في كل فروع العلوم البحتة و التطبيقية.

و مع احترامي شخصيا لكل مجتهد أقول: يسقط شريف الشوباشي. إن اتباع دعوته يقودنا بالضبط إلى ما تشكو منه داليا؛ فالعربية بما لديها من قدرة للتعبير عن العدد و النوع في الأسماء و الأفعال يجعلها أقدر من غيرها على التعبير المدمج الموجز عن معاني تحتاج اللغات الأخرى إلى كم أكبر من الرموز و الأصوات للتعبير عنها [نظرية المعلومات - السيبرنتيكا]. فهل لدى أحدكم مثال من لغة يستطيع به أن يقول مثلا: "أعطانيها صديق أبي" أو "أمس زارتني صديقتاكِ" بأقصر من هذا؟

و عن موضوع استحالة هندسة اللغة الذي أشار إليه ميشا، فهذا بالضبط ما استمر الفرنسيون - شديدو الاعتزاز بلغتهم - في عمله طوال عقود طويلة [قرون؟]، عن طريق المجامع اللغوية و القواميس المُحَدّثة، التي يستخدمها شعب واع لأهمية عناصر هويته، و أهمها اللغة، و لا يجرؤ أحد على اتهامهم بتقديس اللغة مع أنها من صنع البشر، يا شوكي!

أما اللغة الإنجليزية التي هي فرع من اللغات الجرمانية و لكنها ليست لهجة من الهولندية/الفلمنكية (Dutch/Flemish)، فإن تطورها* إلى الشكل الحالي في رأيي قد أفقدها الكثير من المميزات التي إن وجدت في لغة كانت أكثر قدرة على التعبير الوجيز كما أشرت أعلاه.

و السؤال هو: لماذا يستطيع الألمان و الأتراك و الفرس و اليابانيون و حتى من أحيوا لغة ميتة مثل العبرية و قريبا من يتحدثون الكردية و لغات لم تكن مكتوبة إلى بضع عقود مضت، من أن يكتبوا و يؤلفوا في موضوعات التكنولوجيا و الطب و المعلوماتية و كل العلوم بلغاتهم بينما نعجز نحن؟ بالمناسبة في سوريا يفعلونها أيضا، حيث كل الدراسة، حتى الجامعية، بالعربية.

أختلف مع من يقول أن كلمات مثل "العولمة" و "الحاسوب" تدعو إلى التكشير، كل ما في الأمر أننا لم نعتد استخدامها و حبسنا أنفسنا في العربية التراثية، مع أن العربية تتيح لنا من الأدوات ما يمكننا أن نشتق و ننحت فنصيغ مصطلحات لكل مجال. ولا يوجد ما يستوجب أن تكون المصطلحات العربية مرآة لما في لغة أجنبية ما، كما أن "Harddisk" الإنجليزية تعني و لا تطابق "Festplatte" الألمانية أو "disco duro" الإسبانية أو الكلمة الصينية المقابلة التي قد تكون مختلفة تماما. أم هل نفضل أن نعوض عن كلمة واحدة مثل "الحوسبة" بعبارة كاملة تشرحها في كل مرة نريد استخدامها!

فهل يعتقد أحد أن كلمة "كمبيوتر" و ما يقابلها في اللغات الأخرى كان لها نفس المعنى الحالي قبل بضع عشرات من السنين؟ إن معظم المصطلحات و الاختصارات التي نراها في اللغات الأجنبية المعاصرة كانت ستثير العجب لو قرأها أحد في الماضي. لكن أصحاب هذه اللغات عودوا أنفسهم على تقبل الاستخدامات الجديدة [هندسة اللغة]. و هذا ما تدعوا إليه إنجي عندما تقول "فإذا أراد أحد منا التطوير يجب الحفاظ على الأصالة و الجمال"، و ليس كما في الإدعاء بأن التطور عشوائي لا يمكن التحكم به. فاللغة اصطلاح قبل كل شيء، أي اتفاق على المعاني التي تعبر عنها الكلمات، و لأن اللغة أداة للتواصل كما تقول الشوكي، فيجب أن تكون البروتوكولات الحاكمة لهذا التواصل معروفة و متفقا عليها ممن يستعملها. هذا بالطبع فيمايخص لغة العلم، أما لغة الأدب فلا قيود عليها.

من منا لم يستشعر ذلك الإحساس الغريب عندما وجد أنه يستطيع أن يفهم 80% من لغة حوار الفيلم الأخير عن المسيح؟! أو يجد أن أسماء الآلهة و الأشخاص و الأماكن في الملاحم الأسطورية القديمة المصرية و السورية و فيما بين النهرين تكاد تكون كلمات عربية معاصرة نطقا و معنى؟ أو عندما يجد أن عالم مصريات أوروبي يخصص في كتابه فصلا كاملا لشرح تلك الخصيصة العجيبة في اللغة المصرية القديمة التي تجعل صيغة معينة للدلالة على الكلمات التي ليست مفردا و لا جمع بل تدل تحديدا على اثنين (المثنى)! أو مفهوما عجيبا آخر كاسم الفعل، أو المؤنث!

كان واصل بن عطاء المعتزلي ألثغا شديد اللثغ. و لأنه كان خطيبا و مفكرا و متفلسفا، صنعته الكلام، فقد طبع نفسه على أن لا ينطق بكلمة فيها راء أبدا. و له خطبة شهيرة على هذا النحو كانت تدرّس في مادة النصوص في الصف الثانوي.

أطلت عليكم. سلام.

*التطور: هو تغير الأمر من طور إلى طور، أي من حال إلى حال، لا يكون بالضرورة أفضل أو أسوأ من سابقه.

Re: our arabic language??

(2) تعليقات

  1. أففففففف موضوع مهم بالنسبة لي كيف لم أره في وقته؟!. أنا أيضا قلت من قبل على مدونتي أني أعاني من مشكلة الإطالة في الجمل عندما لا يسعفني عقلي بالكلمة أو الإشتقاق الصحيح. يا أخي لعن الله الغربة. آمل بأن أستطيع إصلاح نفسي عما قريب.
    بس

      عمر العربي @ 13:53 2005/01/06

  2. سعادتي كبيرة باكتشافك في فضاء المدونين الافتراضي! شكرا على ذكري لي ولنقاشي في مجموعة “رواد معبد القلم” على العموم لقد دخلت عالم التدوين الذي جذبني إليه منذ اللحظة الأولى. في انتظار تعليقاتك على مدونتي المتواضعة التي لم استكمل فيها العمل بشكل مرضٍ.

      Aladdin @ 01:48 2005/03/10

عذرا، التعليقات مقفلة.