هذه الصفحة تعتمد على صفحات الطرز المتراصة (CSS)
| &lArr
2004/06/17

المَكْتَبَةُ السَّكَنْدَرِيَّةُ السِّيَاحِيَّةُ!

عمارتها الحداثية جميلة فعلا؛ لولا أنها كانت تحتاج إلى مساحة أكبر من الفراغ حولها بدلا من العمارات السكنية المحيطة بها؛ كما أن المبنى الملاصق لساحة المكتبة من جهة الغرب و الذي يأوي أساسا مقرا لأحد البنوك، غير متناسب مع جماليات المكان برغم حداثته. هذه أمور يمكن تداركها بالتخطيط طويل المدى. أما بعض مظاهر البلى التي بدأت تظهر مبكرا عليها مثل تكسر بعض البلاطات المتحركة المغطية لقنوات الخدمات في أرضية الساحة الخارجية، و سقوط بلاطة جرانيتية قرب باب الخدمات في الجهة الجنوبية، و تسرب الرطوبة إلى كوات الإضاءة في الأرضيات فهي أمور راجعة أساسا إلى انخفاض جودة التشطيبات النهائية، و هو خطأ المقاول و المستلم في الحالتين الأخيرتين، بالإضافة إلى الإهمال و سوء الاستخدام في الحالة الأولى.

لماذا سياحية؟ أقول ذلك لأن الروح العامة لإدارة المكتبة لا توحي إلا بهذا: ابتداء من فكرة فرض تذاكر للدخول (أربعة جنيهات لغير الطلبة)، و نفس المبلغ مرة أخرى لدخول قاعة المخطوطات الأثرية، أما الأهم فهو اللوحات التعريفية في القاعة الرئيسية للمكتبة و التي تحكي عن ثقافات و حضارات العالم المتنوعة و المكتوبة كلها بالإنجليزية فقط و كأنها موجهة للقلة من السائحين الأجانب الذين يتقنون الإنجليزية، لأنه كما هو معروف فإن عامة المصريين بمن فيهم المتعلمين و طلبة الجامعة التي تمثلها جامعة الإسكندرية المجاور مقرها للمكتبة يواجهون صعوبات ليس فقط في استعمال اللغات الأجنبية، بل في قراءة و فهم النصوص العربية التي يزيد مستواها عن عربية الصحف! و مثل ذلك الرجل المصطحب أسرته و الذي استسهل أن يسألنا إشراكه في حديثنا عن المزولة الشمسية المنصوبة في ساحة المكتبة و كيفية معرفة الوقت بها بدلا من قراءة الشرح المنطبع على واجهتها (بالإنجليزية أيضا)، ثم اكتفى بهز رأسه و الانسحاب عندما تحول الموضوع إلى إمكانية قراءة طريقة الاستخدام، وسط نظرات من البلاهة و الاندهاش من باقي أفراد أسرته!

نفس الأمر تلحظه في قاعة صور و خرائط الإسكندرية القديمة (دخولها بنفس تذكرة المكتبة) التي تبنّى فكرتها و يرعاها و يصطحب الزوار الأجانب بنفسه إليها تقريبا كل يوم الدكتور/ محمد عوض؛ حيث نجد أن لوحات شرح الصور و الخرائط تختصر المعلومات التي فُصِّلت في النص المكتوب بالإنجليزية في فقرتين أو ثلاثة أي ما يزيد عن مئة و خمسين أو مئتين من الكلمات في ما لا يزيد عن سطر و نصف بالعربية! أي فصاحة هذه! ناهيك عن الأخطاء الإملائية في هذا السطر المكتوب بمعالج نصوص برمجي. نفس هذه المشكلة كنت قد لاحظتها في لوحات المعروضات في متحف النوبة في أسوان.

و ككل متاحفنا و منشآتنا الثقافية، فإن المكتبة تغلق أبوابها في أحد أيام الأسبوع (الثلاثاء في حالتنا هذه)، و هو أمر غير مبرر حتى لو كان هذا اليوم غير أيام العطلات الأسبوعية الاعتيادية، لأن زائرا لمدينة ما كان قد وضع في خطته أن يزور أكبر قدر ممكن من معالمها و مزاراتها في مدة اليوم أو اليومين الذين نوى أن يقضيهما فيها سيجد أن بعضها مغلق و هو إحباط كبير لأي سائح وطني أو أجنبي.

لم يتح لي الوقت سوى لإلقاء نظرة سريعة على الحواسيب المنتشرة في ردهات المكتبة. فقط عروض الملتيميديا التفاعلية عن المكتبة نفسها، و كذلك صور المخطوطات القديمة. ما أحب أن أجربه هو فهرس محتويات المكتبة، حيث أن فهرسا قويا يتيح التصفح و البحث في محتوياتها بطرق عديدة و من مناظير مختلفة، هو ضرورة لا بد منها.

للأسف باءت محاولتنا أنا و أبَوَيَّ و عمي حضور أحد عروض القبة السماوية بالفشل لنفاد الأماكن المتاحة و بسبب مشادة نشبت بين مشرفين لرحلتين مدرسيتين مختلفتين و بين موظف شباك التذاكر. و هي في الحقيقة أكثر من قبة سماوية، حيث أنها قاعة سينما متطورة للعروض ثلاثية الأبعاد تعرض أفلاما علمية أو ترفيهية مبهرة، يمكن أن يكون أحدها فيلما عن الكون و الفضاء. تجاور القبة السماوية قاعة الاستكشاف، و لكني لم أزرها أيضا.

لا أعتقد أن مكتبة الإسكندرية Η Βιβλιοθήκη της Αλεξάνδρειας يمكن أن تكون مكتبة قومية لمصر كلها و منارة للإشعاع في المنطقة و هي المبالغة التي تحاول الدعاية أن تبيعنا إياها، بل إن كل مدينة مليونية من مدننا و كل محافظة تحتاج على الأقل إلى مكتبة بهذا المستوى؛ جيدة و لكنها ليست أبدع ما يمكن. كلا، لم تجل المكتبة البريطانية بخاطري و أنا أتجول هناك، و لم أقارن بينهما ;-)

أعجب ما رأيت؛ في معرض المخطوطات: كتاب عنوانه "صحف موسى" مكتوب بالعربية وفي صفحته الأولى التي فتح عليها شهدت أنا الله أنه لا إله إلا أنا و أن محمدا عبدي و رسولي! و كتاب مخطوط في السحر منسوب لآصف بن برخيا!! أما بضع الصفحات من مخطوطة رسائل إخوان الصفا المكتوبة في القرن السادس عشر الميلادي، فلا تقدر بثمن.

أروع ما فيها: تمثال إيزيس من العصر الهليني المعروض في متحف الآثار في قبو المكتبة؛ تحفة عذوبتها تستعصي على الوصف. الدخول إلى هذا المتحف مجاني!

لا تعليقات

عذرا، التعليقات مقفلة.